ينقسم الكافر إلى محارِب للمسلمين وغير محارِب، ولكلٍ منهما في الإسلام أحكامٌ واجبٌ أن يَلتزمَ بها المسلم معه.
وأهم مظاهر العلاقة بالكافر غير المحارب في حكم الإسلام ما يلي:
١- كفُّ الأذى والظلم، وعدم التعدي عليه، وهذا مما يَصْدق عليه مثْل قوله ﷺ: "من قَتَلَ معاهَدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة، وإنّ ريحها توجَدُ مِن مسيرة أربعين عامًا"٢. فهكذا يتحدد هذا الوعيد على لسان رسول الله ﷺ لمن قَتَل الكافر المعاهَد!.
٢- التزام أصول الأخلاق في الإسلام معه، من الصدق والأمانة، والعدل والإنصاف، والرحمة في مواضعها الشرعية، وما إلى ذلك من أصول الأخلاق الحميدة.
_________________
(١) ٢ أخرجه البخاري، الجزية، باب رقم ٥،ح٢٩٩٥، ط. البُغا، ٣/١١٥٥.
[ ٢١٦ ]
٣- جواز إيصال البِرِّ والمعروف الإنسانيّ إليه، ومِن ذلك جواز الهدية والإغاثة، ونحو ذلك من أعمال الأخلاق الحسنة، بضوابطها الأخلاقية الشرعية١. ومِن ذلك الهدية مثلًا؛ فقد قالت أسماء ﵂ للنبي ﷺلَمّا قَدِمتْ عليها أُمُّها مشركةً-: إنّ أمي قَدِمتْ عليّ وهي راغبة، أفأَصِلُ أُمي؟ قال: "نعم، صِلي أُمّك"٢، وأهدى عمر بن الخطاب ﵁ حُلّةً إلى أخٍ له مشرك بمكة، كانت قد جاءته مِن النبيّ صلى الله عليه وسلم٣. وأباح الله قبول الهدية من المشركين والكافرين، فقد قَال النبي ﷺ لصاحب الغنم المشرك عندما أراد أن يأخذ منها شاةً: "بيعًا أم عطية"، أو قال: "أم هبةً؟ ". قال: لا، بل بيعٌ، فاشترى منه شاةً٤، وأهدى مَلِكُ أيلة للنبيّ ﷺ بَغْلةً بيضاء، وكساه بُرْدًا٥، وكَتَب له ببحرهم٦ فالنبي ﷺ في هذا الحديث قد قَبِلَ الهديّة من الكافر، وأهدى إليه أيضًا؛ وهكذا فإنه تجوز الهدية إلى الكافر، ويجوز قبول هديته٧، من حيث المبدأ، ما لم يقترن
_________________
(١) ١ وأهمّها أن لاتكون بمحرَّم، وأن لا تكون على حسابِ الدَّين والأخلاق، ومن ذلك أن لا تكون على حساب واجبات المسلم تجاه الإسلام والمسلمين. ٢ أخرجه البخاري، الهبة، باب ٢٨،ح ٢٤٧٧، ط. البُغا ٢/٩٢٤. ٣ الحديث في البخاري، في مواضع منها حديث رقم٨٤٦، ط. البُغا،١/٣٠٢. ٤ البخاري المختصر برقم٢٥٥،ح ١١٦٨. وقد عقد له ترجمةً بعنوان: "باب قبول الهدية من المشركين". ٥ قال الإمام ابن حجر: "وكساه بُرْدًا"، كذا فيه بالواو، ولأبي ذرٍّ بالفاء، وهو أَولى؛ لأن فاعل "كسا" هو النبي ﷺ، وقوله: "ببحرهم" أي بقريتهم. الفتح: ٦/٢٦٦-٢٦٧. ٦ البخاريّ المختَصَر برقم ١٣٤٠، ص٣٠٢، والفتح: ٦/٢٦٦. ٧ والمسألة خلافيةٌ بين العلماء لهذه الأحاديث وأمثالها، وللحديث عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ أَنَّهُ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةً لَهُ، أَوْ نَاقَةً؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "أَسْلَمْتَ؟ " قَالَ: لا.==
[ ٢١٧ ]
ذلك بما يجعله محرّمًا كأن تكون على حساب شئ من الخُلق والدين. وهذا حُكمٌ مطّرِدٌ حتى بالنسبة للمسْلم.
على أنّ من اللازم أن يتنبّه المسلم إلى الحذر من تحوِّلِ تعامُلِه مع الكافر أو الكافرين إلى موالاةٍ أو محبةٍ أو تفضيل لهم وتقديمٍ لهم على المسلمين أو مجاملة لهم في مسائل الكفر أو إطراءً لهم أو لعباداتهم أو تهنئةٍ بأعيادهم، ونحو ذلك مما هو مِن شعائر دينهم، أو مُلازِمٌ للكفر.
_________________
(١) = قَالَ: "فَإِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِكِين"َ، أخرجه الترمذي، ١٥٧٧، السير، وأبو داود، ٣٠٥٧، الخراج والإمارة والفيء، وقَالَ الترمذي: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: إ"ِنِّي نُهِيتُ عَنْ زَبْدِ الْمُشْرِك" ينَ يَعْنِي هَدَايَاهُمْ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ كَانَ يَقْبَلُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ هَدَايَاهُمْ، وَذُكِرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْكَرَاهِيَةُ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ هَذَا بَعْدَ مَا كَانَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ، ثُمَّ نَهَى عَنْ هَدَايَاهُمْ" قلتُ: قد ضَعّف الإمام ابن حجر دعوى النسخ ودعوى التخصيص، وَسَاق ابن حجر الخلاف في هذا بين الأئمة بقوله: "وأورد المصنف [يَعني: البخاري] عدة أحاديث دالة على الجواز، فجمع بينها الطبري بأن الامتناع فيما أُهدِي له خاصة، والقبول فيما أُهدِي للمسلمين. وفيه نظر؛ لأن مِن جملة أدلة الجواز ما وقعت الهدية فيه له خاصة. وَجَمع غيره بأن الامتناع في حق مَن يريد بهديته التودد والموالاة، والقبول في حق مَن يُرجى بذلك تأنيسه وتأليفه على الإسلام. وهذا أقوى مِن الأول. وقيل: يُحْمل القبول على مَن كان مِن أهل الكتاب، والرد على مَن كان من أهل الأوثان، وقيل: يمتنع ذلك لغيره من الأمراء، وأن ذلك من خصائصه. ومنهم مَن ادّعى نسخ المنع بأحاديث القبول، ومنهم مَن عَكَسَ. وهذه الأجوبة الثلاثة ضعيفة؛ فالنسخ لا يَثْبت بالاحتمال، ولا التخصيص"، الفتح، ٥/ ٢٣١. ومع هذا، فإنّ أحاديث الجواز هي الأكثر الأشهر والأقوى ثبوتًا، ثم إنه لابدّ مِن مراعاة اختلاف الأحوال ورعاية المصالح الشرعية، ولا شَكّ في أنّ رسول الله ﷺ إن اختلفت الأحاديث عنه في هذا فإنّه كان مراعيًا لذلك، وربما كان هذا هو السبب في اختلاف الأحاديث، والله تعالى أعلم.
[ ٢١٨ ]
وهكذا، فإن الإسلام لا يبيح للمسلم أن يتعامل بأخلاق ذات وجهين:
- وجْهٍ هو مكارم الأخلاق، للتعامل مع المسلم.
- ووجْهٍ هو بضدّ ذلك، لا يندرج إلا في مساوئ الأخلاق، للتعامل مع الكافر.
ولكن الإسلام في الوقت نفسه لا يُسَوِّي بين المسلمِ والكافر في مجالٍ آخَر هو مجالُ الدِّين وما يستلزمه من حقوق بين المسلمين، ومجالُ ولايةِ الله ونُصْرته سبحانه.
إنّ القاعدة العامة لِتعامُلِ المسلم مع الناس واحدةٌ، هي قاعدة الخُلق الحميد، وهي قاعدة التعامل الشرعيّ، وهي قاعدةٌ تُساوي بين المتساويين وتُفرّق بين المفترقَين على ما سبق بيانه.
وتتلخص صورة تَعَامل المسلم مع الكافر في المجالين الآتيين:
أ- مجال البر والإحسان ومختلف مكارم الأخلاق:
وفي هذا المجال جاءت أحكام الإسلام وَفق ما يلي:
؟ حَرّم الإسلام الإكراه في الدين، قال الله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ ١.
؟ أوجب على المسلم الالتزام بمحاسن الأخلاق في مختلف الأحوال والظروف ومع جميع الأشخاص كما سبق بيانه.
؟ حَرّم على المسلم الغدر والظلم لأي طرَفٍ يتعامل معه، سواء أكان مسلمًا أم كافرًا. والنصوص الشرعية في هذه المعاني كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ ٢، وقوله ﷺ: "الظلم ظلماتٌ
_________________
(١) ١ ٢٥٦: البقرة: ٢. ٢ ١٤٠، و١٥٧: آل عمران: ٣.
[ ٢١٩ ]
يوم القيامة" ١، وقوله: "إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يُرْفَع لكل غادرٍ لواءٌ، فقيل: هذه غَدْرة فلان بن فلان" ٢!، وقد عَقَد البخاريّ على هذا بابًا عنوانه: "باب إِثْم الغادر لِلبَرِّ والفاجر! "، ولا يتسع المقام لحصر الآيات والأحاديث المتواردة على هذا المعنى؛ لكثرتها، وقد عَقَد الإمام البخاري في صحيحه كتابًا بعنوان: كتاب المظالم.
وعموم النصوص الشرعية في تحريم الظلم لم يُخصصه شئٌ، فلم يَرد شئ من النصوص يُجيز شيئًا مِن غدْر غير المسلم وظلْمه!
؟ أباح إيصال المعروف والبِرِّ إلى الكافر غير المحارِبِ، على ما دلّتْ عليه الأدلة التي مضت الإشارة آنفًا إلى طَرَفٍ منها.
ب- مجال العلاقة مع الكافر على حساب الدِّين:
وفي هذا المجال حَرّم الإسلام أن تكون علاقة المسلم بالكافر على حساب الدين والعقيدة والأخلاق، ومِن ثم حرّم الإسلام على المسلم أنواعًا من الأخلاق وصورًا من التعامل مع الكافر، لعل أصولها ما يلي:
؟ محبة الكافر ومودّته، ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ..﴾ ٣.
وهذا حُكمٌ معلَّقٌ بالأوصاف لا الأشخاص؛ ولهذا فإن كل من حادّ
_________________
(١) ١ البخاريّ المختَصًر برقم ١١٦، ص٢٤٤. ٢ أخرجه مسلم بهذا اللفظ، في الجهاد والسير، ح ٩ ١٧٣٥،ص ١٣٥٩، وبألفاظ أُخَر، يُنظَر: الأحاديث إلى رقم١٦، وأخرجه البخاري بألفاظ، في الجهاد باب إِثْم الغادر للبَرّ والفاجر!. ٣ ٢٢: المجادلة: ٥٨.
[ ٢٢٠ ]
الله ورسوله فإن هذا الحكم مطّرد في حقه، فلا تجوز محبته ومودّته، بل الواجب بغضه في الله، وبُغْضُه ببغض الله له: ﴿ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ١ ﴿ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
؟ موالاة الكافر من دون المؤمنين ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ٣.
فموالاة المؤمن للكافر لا تجوز ولم يأذن بها الله سبحانه، ولكن المراد بها الموالاة بمفهومها الشرعيّ، وليس كما يتصوره أو يصّوره بعض المسلمين، الذين يمنعون بموجبها أشياء أباحها الله أو أوجبها للتعامل مع الكافر، أو يوجبون بمقتضاها في نظرهم أشياء حرمها الله تعالى.
والموالاة المنهيّ عنها هي أن تكون علاقة المسلم بالكافر علاقةً على حساب الدين والخُلق وعلى حساب المسلمين، في أي أمرٍ من الأمور أو حالٍ من الأحوال، سواء أكان ذلك في أمْر النُّصْرة أم المودّة أم في سواهما، ومن ذلك موافقةُ الكافر في منكرٍ ما أو مشاركته فيه.
_________________
(١) ١ ٣٢: آل عمران: ٣. ٢ ٤٥: الروم: ٣٠. ٣ ٢٨: آل عمران: ٣.
[ ٢٢١ ]