إن الله الخالق الحكيم سبحانه قد اقتضت حكمتُهُ أن جَعَلَ للإنسان عورتين أو سوأتين، وسِتْرين، لكل سوأة سِتْرٌ.
أما العورتان: فعَوْرةُ الجسم، وعَوْرةُ النفْس.
وجعل للأولى سِترًا هو الملابس، وجعل للثانية سِترًا هو الخُلُق والسلوك الجميل.
وقد أَمَرَ الله تعالى بالسترين، ولكنه نبّه على الأهم منهما وهو الثاني،
[ ٩٩ ]
لأن لباس الإنسان لا يغني عن أخلاقه الحميدة، ولهذا قال الله تعالى:
﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ. يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ ١.
إن هذا النص القرآني عجيب في بيان هذا المعنى، وليس المجال هنا متسعًا للحديث عنه بتوسع، فينبغي للإنسان أن يتدبره.
لقد امتنّ الله سبحانه علينا باللباسين، وجعلهما من آياته التي يجب أن تُذكّرنا بالله، وأشار كتاب الله إلى أن هناك علاقة بين كشْف السوأة وبين الشيطان وأوليائه الذين يتولّونه ويتبعونه، إن الشيطان يأمر الإنسان بالوقوع في رذيلة كشْف عورة الجسد والوقوع في رذيلة كشْف عورة النفس عن طريق ارتكاب مساوئ الأخلاق!.
وقد نبّه رسول الله ﷺ إلى أن الستر يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، كما في الحديث الذي روته أمُّ سلمة ﵂، قالت: استيقظ النبي ﷺ ذات ليلة فقال: "سبحان الله ما أُنزل الليلة من الفتن، وماذا فُتح من الخزائن. أيقظوا صواحبات الحُجَرِ، فرُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٍ في الآخرة" ٢!!.
_________________
(١) ١ ٢٦-٢٧: الأعراف: ٧. ٢ أخرجه البخاري: ٣- العلم، ٤- باب العِلم والعِظَة بالليل.
[ ١٠٠ ]
نَعمْ إن الكاسي في الآخرة من اتخذ الكسوة النافعة هناك من هذه الدار الدنيا بالأعمال الصالحة والأخلاق النافعة، وليس هو من اتخذ الملابس الجميلة هنا في الدنيا!.
إن هذا الدين يربط بين الدنيا والآخرة.
ويربط أيضًا بين الجمال الحسيّ والجمال المعنوي، ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾ ١.
والشاعر يقول:
ليس الجَمال بأثواب تزيننا بل الجَمَال جَمال العِلْم والأدب
وقال الآخر:؟
وهل ينفع الفتيانَ حُسْنُ وجوههم إذا كانت الأخلاق غير حِسَانِ
وقال الآخر:
جمال الوجه مع قُبْح النفوس كقنديل على قبر المجوسي!
_________________
(١) ١ ١٩٧: البقرة: ٢.
[ ١٠١ ]