من أَولى ما تعاون الناس فيه تربية النشء والأولاد، وليس التعاون في أمور دنياهم بأولى من التعاون في هذا المطلب الأساس.
وينبغي لنا من جهة أخرى أن نُدْرك أن التعاون والتكافل بين الناس في التربية ضرورة من ضرورات التربية، سواء داخل الأسرة الواحدة، أو بين الأقارب، أو الأصدقاء أو أفراد المجتمع بعامّة؛ فإن من الصعب جدًا أن يقوم فردٌ واحد بتربية أبنائه مثلًا دون تعاون مَنْ معه ومَنْ حوله على هذه المهمة، وإن كان ذلك ليس عذرًا له بحالٍ من الأحوال أن يتخلّى عن تربية من يجب عليه شرعًا تربيته.
وبالتعاون على أداء واجب التربية والإصلاح يُختصر الجهد، ويُخْتصر الوقت، وتستقيم التربية، وتَزْكُو النتائج أَحْسَنَ ما تكون.
فإذا قلتُ لولدي مثلًا كلمة يَعْرف منها أن أمرًا ما هو الصواب، ثم جاءت مناسَبَةٌ فأشعرته والدته بالمعنى ذاته، وقال له أخوه المعنى ذاته، وقاله له ذلك أيضًا قريبنا فلان وقريبنا فلان وصديقنا فلان فإنه سيدرك أن هذا المعنى صواب في نظر الجميع وله أهمية في نظر الجميع، وأن الجميع يدعونه إليه، فتصعبُ عليه مخالفته.
وهكذا بالنسبة لولدك مثلًا، إلى آخر المجتمع.
[ ١٢٢ ]
هذا خير أم السلبيّة المدمّرة بين الأسر والأقارب والأصدقاء؟!
هذا خير أم المعارضة والمناقضة في التربية فالأبوان يعارض بعضهما بعضًا، أو يناقض بعضهما بعضًا، والمربي وأقاربه وأصدقاؤه يعارض بعضهم بعضًا، والبيت والمدرسة يعارض أو يناقض بعضهما بعضًا؟!. أَنّى لمثل هذه التربية أن تُؤتيَ ثمارًا حسنة؟!.
إن التربية في البيت وفي المدرسة وفي المجتمع وبين الأقارب يجب أن تكون في تصوّر الخير والشر على رأي واحدٍ وموقف واحدٍ، ومتى ما كانت على رأيين وموقفين في هذا الأمر فقلْ على الأسرة وعلى المجتمع وعلى الأولاد السلام!! إذا كان الأمر كذلك فقد شقي المربى ومن توجَّه إلى تربيته!!.
وماذا يُنْتظر من تربية قد انشطرت شطرين؟!
وماذا يُنْتظر من تربية قد انشطرت شطرين متعارضين أو متناقضين؟!.
وماذا يُنْتظر من تربية لها هدفان متصارعان؟!.
أو ماذا يُنْتظر من تربية لها طريقتان مصطرعتان أو متناقضتان أو متعارضتان لتحقيق هدفٍ واحدٍ زعموا؟!.
هيهات هيهات أن تحقق خيرًا مثل هذه التربية!.
وهل هذه تربية؟!
إن هذا هدم وليس بناءً، وإساءة وليس إحسانًا.
[ ١٢٣ ]