الأخلاق الحميدة جزء أساس من فطرة الله التي فطر الناس عليها. وهي جزء أساس كذلك من شرع الله وعبادته اللذين جاء بهما الإسلام.
[ ١٠٢ ]
وتعبّدنا لله بهذه الأخلاق جزء من تعبّدنا له بسائر العبادات، وفهمنا لهذه الأخلاق والتزامنا بها مرتبط بفهمنا والتزامنا لمعنى العبودية لله.
وشرف الطاعة في شرف المطاع؛ فمن يطيع الله تعالى ليس كمن يطيع سواه وهذا من أَعظم ما يحمل المرء على عبادة الله تعالى فلو تذكّر الإنسان -وهو يعبد الله سبحانه- أنه إنما يَعْبد مولاه في الدنيا وفي الآخرة، وأنه إنما يعبد قيوم السماوات والأرض، ورب كل شيء ومليكه، الذي له الخَلْق والأمر، وليس لأحد معه من ذلك شيء، وتذكّر سائر صفات المعبود الحق سبحانه لَعَلِمَ شرف هذه العبادة!! ولَعَلِمَ ضرورته لهذه العبادة!! ولَعَلِمَ أهمية هذه العبادة!! ولَعَلِمَ طبيعة هذه العبادة وطعْم هذه العبادة!. نسأل المولى ﷿ توفيقه وهدايته.
ونحن نرى الناس يغتبط أحدهم أنه أمره رئيسٌ ما أو ملك من ملوك الأرض أوكلّفه تكليفًا ما أو أذن له بلقاء معه، فتراه يفتخرُ بذلك ويُحِبّ أن يذكر هذا عند الناس أو يذكروا ذلك عنه، هذا مع أنّ الدائرة لم تتجاوز دائرة لقاء مخلوق بمخلوق آخر من خَلْق الله تعالى! أو أمْر عبْدٍ من عبيد الله لعبْد آخر من عبيده ﷿!. ويالله ما أشدّ العَجَب!! ما بالنا إذن لا نفخر بطاعة الله الملك الحق المبين!! ما بالنا لا نفخر بطاعة ربّ كل شيء ومليكه!! ما بالنا لا نغتبط بالعبودية للخالق سبحانه ملك الدنيا والآخرة!!. ما بالنا لا نغتبط ولا نَسْعَد بصلتنا بمالك يوم الدين اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم!! اللهم مسامحتك!!
ولو عَلِمَ المرء ما في طاعة الله تعالى وعبادته من الخير له في الدنيا
[ ١٠٣ ]
والآخرة لَعَلِمَ أن هذه العبودية والطاعة غنيمة له وسعادة في الدارين، ولكان أحرصَ عليها، وأسعد بها، وأكثر رضًا بها من أي شيء آخر، ولأدرك أن التكليف حقيقةً -في نهاية الأمر- ليس هو أمْره بالطاعة، ولكنه اتّباعه لهواه، ونسيانه طاعة مولاه، وتحمّله لعواقب ذلك وتَبِعاتِه في الدنيا وفي الآخرة حقًا إنه بمعصيته لله يُكلِّف نفسه ما لا تطيق عاقبته لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولكن أين العقلاء الناصحون لأنفسهم؟ .
لو عَلِمَ الإنسان أن الغاية من خَلْقه هي عبادة الله لَعَلِمَ مدى حمْقه حين ينصرف -وهو العبد المملوك- عما خَلَقه له سيده ومولاه إلى غير ما خلقه له، وقد منّ عليه مولاه ﷿ بالخلْق ثم بالإمداد، ثم بالهداية، وقال له: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ. مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ. إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ ١!! ثم يَنْكِصُ هذا الإنسان عن مهمته!! ألا ما أجهله إذن!! وما أقلّ أدبه مع ربه!!. فاللهم غَفْرَك ومسامحتك!!
_________________
(١) ١ ٥٦ - ٥٨: الذاريات: ٥١.
[ ١٠٤ ]