تراجم الرجال مدارس الأجيال فالمرء يستفيد الخير من قراءة سير أهل الخير.. فإذا قرأ سيرة كريم تنبّه إلى أهمية الكرم.. وإذا قرأ سيرة شجاع تنبه إلى أهمية الشجاعة وإذا قرأ سيرة زاهد أدرك أهمية الزهد.. وإذا قرأ سيرة ورع تنبه إلى أهمية الورع، وإذا قرأ سيرة داعية أو آمر بالمعروف ناهٍ عن المنكر تنبه إلى أهمية ذلك في حياة الإنسان، وإذا قرأ سيرة عالم محقق تنبه إلى أهمية العلم في حياة الإنسان ولربما حاسب نفسه عند قراءته لتلك السير على تلك المعاني وأخذ نفسه بها، واكتسبها سيرة وخلقًا في حياته.
ومن المعلوم أن الخير قد تفرق في الناس، فهذا حليم وهذا شجاع وهذا كريم.. إلخ ولا تجد إنسانًا كاملًا قد جمع الفضائل كلها والكمال كله.
وأيضًا فقد تجد فضيلة في شخصٍ ما إلى جانب رذيلة ما فيه أو نقصٍ فيه.
وتجد أيضًا وأنت تقرأ في تراجم الرجال وفي سيرهم نوعًا آخر من الناس يقال في وصفه مثلًا: سَرَق، أو زنى، أو ظلم، أو قتل.. إلخ.
[ ١٣٣ ]
فأنت في حاجة إلى أن تتنبه في قراءتك لسير الرجال إلى الخير فتأخذه، وإلى الشر فتجتنبه، وإلى العبرة في سير هذا الصنف، وفي سير هذا الصنف من الناس.
وأيضًا لا بد من التنبه إلى أمر آخر وهو أن كل خلق فاضل إنما يكون بين رذيلتين، فالتهور صفة ذميمة، والجبن صفة ذميمة، وبينهما الشجاعة صفة حميدة.
والإسراف والتبذير صفة ذميمة، والتقتير والكنود والبخل صفة ذميمة، وبينهما الكرم صفة حميدة. وهكذا دواليك.
وأنت إذا تأمّلت أخلاق الناس في ضوء هذا المعيار، لا تكاد تجد عندهم أخلاقًا حميدة تَسْلم من العيب إلا القليل؛ لأن ما فيهم أو في أحدهم من صفات وأخلاق حميدة تقترب من أحد هذين الطرفين المذمومين، ولا يكاد يسلم من هذا العيب إلا القليل من أخلاق القليل من الناس.
ومعنى ذلك أنك في حاجة، وأنت تقرأ في سير الرجال أن تتنبّه لهذا الأمر، وأن تأخذ القدوة والأسوة في فضلائهم في ضوء الكتاب والسنة، وتردّ منهم ما تردّ بحكم الكتاب والسنة.
لكن السيرة الكاملة، والسيرة التي اجتمع فيها من الخير والفضل ما تفرّق في الناس، والسيرة التي اشتملت على الخير الذي لا شرّ معه، والخُلُق الحميد الذي ليس معه خُلُقٌ مذموم، والسيرة التي اجتمع فيها كريم الأخلاق على أفضل درجاتها، فلم تنحرف لا إلى غلوّ ولا إلى تقصير، والسيرة التي تحقق فيها موطن القدوة والأسوة الحسنة فتتأسّى بها
[ ١٣٤ ]
كلها، وتَقْبلها كلها، ولا تستثني منها شيئًا ولا تردّ منها شيئًا، هذه السيرة التي اجتمع فيها كل هذا الخير هي سيرة واحدة، إنها سيرة رسول الله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله وسلامه.
إنها سيرة نبي ورسول أرسله الله تعالى، واصطفاه، وربّاه وأدّبه فأحسن تأديبه، إنه ليس رسولًا من رسل الله فحسب، بل هو رسول ختم الله به الرسل، وهو أفضل رسل الله جميعًا، عليهم صلوات الله وسلامه.
إن سيرة رسول الله ﷺ هي السيرة التي أُمرنا بالتأسي بها، إننا مأمورون بذلك ولا خيار لنا فيه، لأن الذي أمرنا هو ربنا ﵎.
وسيرة رسول الله ﷺ والشريعة التي جاء بها هي الطريق الوحيد إلى رضوان الله تعالى وجناته جنات النعيم.
وطريق رضوان الله، وطريق جنة الله مسدودان على من أرادهما عن غير طريق محمد رسول الله ﷺ؛ فلا يتحقق له رضوان الله ولا يفوز بجنة الله، ولا يَسْلم من عذاب الله إلا بالإيمان به وبرسوله محمد بن عبد الله عليه صلوات الله، والتزام طريقه.
[ ١٣٥ ]