[ ١٩ ]
أقام الإسلام المجتمع على دعائم قوية ثابتة، ومنها: العدل بين الناس على اختلاف أجناسهم وطبقاتهم. والعدل صفة خلقية كريمة تعني التزام الحق والإنصاف في كل أمر من أمور الحياة، والبعد عن الظلم والبغي والعدوان والعدل في الإسلام هو مما يكمل أخلاق المسلم لما فيه من اعتدال واستقامة وحب للحق وهو كذلك صفة خلقية محمودة تدل على شهامة ومروءة من يتحلى بها وعلى كرامته واستقامته، ورحمته وصفاء قلبه، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقد ورد في الحديث الشريف قوله -ﷺ-: «تعدل بين اثنين صدقة» والإسلام يربأ بالمسلم عن الوقوع في أي لون من ألوان الظلم، فالظالم مطرود من رحمة الله، ولقد أوعد الله ﷾ الظالمين بأشد العقوبات. قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ
[ ٢٠ ]
تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ كما تضمنت السنة النبوية الشريفة مجموعة من الأحاديث التي تقر العدل وتحرم الظلم منها:
-قوله ﷺ لأصحابه رضوان الله عليهم «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة»
-وروى أبو ذر -﵁ - عن النبي ﷺ فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا»
ومن أجل إزالة الظلم وتوطيد العدل الكامل بين الناس، قيد الله ﷾ حرية بني البشر ببعض القيود وهي الحدود الشرعية التي جعلها واجبة التنفيذ. قال تعالى: تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون.
[ ٢١ ]
وقد طبق رسول الله ﷺ مضمون هذه الآية، وذلك لاستتاب العدل، كما ثبت في المرأة المخزومية القرشية التي سرقت، وقرر رسول الله ﷺ تنفيذ الحد عليها، فعظم ذلك على رجال من قريش، فطلبوا من أسامة بن زيد ﵁ أن يشفع لها عند رسول الله ﷺ، فلماا تحدث أسامة إليه ﷺ في أمرها، غضب ﷺ وقال لأسامة مستنكرا: «أتشفع في حد من حدود الله، إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد» ثم ختم حديثه بقوله ﷺ «وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها» وقد أعلن الإسلام مبدأ العدل في العقيدة والشريعة والأسرة والعهود والقضاء وكل شئون الحياة. ومن هنا صار العدل التزاما للمسلم في كل ميادين حياته الروحية والمادية، ومناطا للثواب على صالح الأعمال، فالعدل الحقيقي لا يكتمل بعيدا عن شريعة الله، لأن شريعة الله تعالى هي العدل وبناء على هذا فقد حذر النبي ﷺكل مسلم يحتكم إلى قاضي وهو يعلم أنه ظالم لا مظلوم فإن جزاءه النار.
[ ٢٢ ]
ومن مجالات العدل في الإسلام، العدل مع الأهل، وهو أن يحسن المسلم معاملات زوجته وأولاده، ويساوى بينهم، في المعاملة والعطية، ولا يفضل بعضهم على بعض، فلقد جاء في الحديث أن «صحابيا جاء إلى رسول الله - ﷺ - ليشهد على إعطائه ابنه بستانا، فقال له رسول الله - ﷺ: أأعطيت كل أولادك مثله؟ قال الصحابي: لا. فقال رسول الله ﷺ: فإني لا أشهد على ظلم»
وأخيرا فلنعلم أن في توطيد العدل ومحاربة الظلم والحيلولة دون وقوعه إقرار للأمن وتحقيق للمساواة بين أفراد المجتمع، والأمر الذي يمكن لكل فرد الوصول إلى حقه دون مشقة وعناء، وإذا فقد العدل أكل الناس بعضهم حق بعض، وسادت الفتن، وكثرت الجرائم والمنكرات وأصبح كل فرد من أفراد المجتمع عرضة لاعتداء الأشرار، وضعاف النفوس، فتفقد الحياة بهجتها وجمالها.
[ ٢٣ ]