الظن - إخوتاه - من أكبر العقبات التي تحول بين ترابط المسلمين فيما بينهم فإياك وإياه.
يقول الله جل وعلا: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ " [الحجرات /١٢] قال علماؤنا: إن الغيبة من الكبائر، وهي من أعظم المحرمات عند الله، وغيبة المسلم تنشأ عن التجسس عادة، وسبب التجسس الظن فهي مراتب بعضها فوق بعض.
مثلًا: بعض الناس يمضي في طريقه فإذا به يرى من يختبئ وراء الجدار، فتستشرف نفسه الدخول فيما لا يعنيه، فيعود ويتلصص لينظر ماذا يصنع هذا الرجل فربما يرى ما يسوء، أو ما قد يعجز عن تفسيره فيقع في الغيبة.
هكذا سد الباب من البداية فمن حسن إسلام المراء تركه ما لا يعنيه، وإن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم، لذلك كان الأصل في الإسلام أن تحسنَ الظن بأخيك، وتُسيء الظن بنفسك، وهذا عكس ما هو حاصل في هذه الأيام، فتجد من
[ ٥٥ ]
يحسن الظن بنفسه إلى أقصى درجة وكأنه المعصوم، ويسيء الظن بإخوانه لأقل شاردة أو واردة، لأجل هذا دبت الفرقة، وعمت البغضاء والشحناء بين إخوة الإسلام.
إخوتاه ..
أحسنوا الظن بإخوانكم، فنفسك الأمارة بالسوء هي التي توقعك في هذه المهالك، ترى من يستأذن أخاه ليتكلم على انفراد بشخص ما لأي سبب كان، فتبدأ الوساوس والهواجس تلعب دورها فيتخيل أنه يتكلم عنه وأنه يقع فيه أو .. أو .. الخ، فيحاول أن يتجسس، ويسأل غيره عما يدور بين الرجلين، وشيئًا فشيئًا يبدأ في اغتيابه.
إخوتاه ..
سوء الظن لا يحل استعماله في الدين، فلا تدع المحكم من المنقول والصريح لما تشابه عندك، هذا - تالله - شأن كل مبطل، الأحرى بك أن تكون وقافًا عند الشبهات، تتقي الوقوع فيها " فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه " (١)
عليك أن تؤول كلام أخيك على مدلوله الخير إذا كان اللفظ يحتمله، فإن النفس الطيبة لا تبصر إلا ما كان طيبًا، والنفس الخبيثة هي التي تقف عند كل خبيث لا تكاد تبصر غيره.
إخوتاه
الإسلام دين الجمال والكمال، وقد حرص على صيانة عرض المسلم غاية الصيانة من الظن المجرد عن الدليل، الظن الذي لم ينبنِ على أصل وتحقيق نظر؛ لذلك أمرنا الله بالتثبت.
قال تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا
_________________
(١) متفق عليه - جزء من حديث - أخرجه البخاري (٥٢) ك الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه. ومسلم (١٥٩٩) ك المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات - واللفظ له -
[ ٥٦ ]
بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " [الحجرات /٦] وفي القراءة الأخرى " فَتَثَبَّتُوا ".
قديمًا كنت لا أفهم هذه الآية على وجهها، فأقول: إذا جاءني عدلٌ فأخبرني بشيء ما عن أخٍ لي فليس هو بداخل في هذه الآية، فقال لي بعض مشايخنا: لا إن الله سمى النمام فاسقًا، فكل من جاءك بنبأ يترتب عليه إفساد ذات البين فهو فاسق، سماه الله فاسقًا ابتداءً فوجب التثبت والتبين في كل ما حمله من أخبار، لما سوف ينتج عن هذا من إفساد بين المسلم وأخيه.
وعن أبى هريرة - ﵁ - قال سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: " إياكم والظن فإنَّ الظنَّ أكذبُ الحديث، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم " (١)
اللهم صلِّ على النبي محمد وآله وسلم تسليمًا كثيرًا، هذه معالم عظيمة جدًا يضعها رسول الله - ﷺ - أمام المسلم لكي تنضبط العلاقات الأخوية بين المسلمين.
يقول: " لا تجسسوا ولا تحسسوا " فينبغي أن تكون سليم الصدر، لماذا تبحث عن عورات المسلمين؟!!
يقول - ﷺ -: " يا معشر من آمن بلسانه ولم تؤمن قلوبهم لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة المسلم تتبع الله عورته " (٢)
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٠٦٤) ك الأدب، باب ما ينهي عن التحاسد والتدابر - واللفظ له ـ، ومسلم (٢٥٦٣) ك البر والصلة والآداب، باب تحريم الظن والتجسس والتنافس والتناجش ونحوها.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٨٨٠) ك الأدب، باب في الغيبة، والإمام أحمد (٤/ ٤٢١)، وصححه الشيخ الألباني - ﵀ - في صحيح الجامع (٧٩٨٤).
[ ٥٧ ]
انتبه - أُخَىّ - إن الله حيى ستير يحب الستر "ومن ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة " (١)
أليست هذه المعاني مطلوبة في حياتنا الآن؟! لماذا تترك الجوانب الجميلة الطيبة وتبحث وتفتش وتلتقط أشياء لا تدرك إلا بالمناقيش؟!، كل هذا لتقع على الذنوب والعيوب.
ما الذي يحملك على هذا؟ لا شك أنَّه سوء الظن، فلو تخلصت من هذا في البداية ما وقعت في هذا البلاء، وارتكبت كل هذه الآثام؛ ولأجل هذا أحسنْ الظنَّ، فلعله أساء التعبير حين قال بكلمةٍ حملتها أنت على محمل سوء، لعله أساء التصرف لقلة خبرته فظننت أنه تعمد هذا الصنيع الذي تراه سيئًا، فما زلت تعذر أخاك تقول: لعله لعله حتى يفضي بك ذلك إلى حسن الظن وسلامة الصدر.
انظر إلى الإمام الشافعي ﵀ وقد دخل عليه تلميذه الربيع بن سليمان في مرض موته فقال: قوى الله ضعفك يا إمام.
فقال الشافعي ﵀: انظر ماذا تقول لو قوَّى الله ضعفي لقتلني (يعنى لو زاد ضعفي أموت).
قال الربيع: والله ما قصدت يا إمام، قال: والله لو شتمتني لعلمت أنك لم تقصد.
إنه حسن الظن في المسلم، أراد الشافعي أن يلقننا هذا الدرس وهو على فراش موته.
وقيل لميمون بن مهران - وهو أحد أئمة الحديث العظام ـ: إنَّ فلان يستبطئ نفسه في زيارتك. (فهذا الطفيلي أراد أن يوقع بين الشيخ وبين أحد تلامذته لما يكون من المنافسة بين الأقران) فقال ميمون ﵀: لا عليك إذا ثبتت المودة في القلب فلا بأس
_________________
(١) جزء من حديث أخرجه مسلم (٢٦٩٩) ك الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.
[ ٥٨ ]
وإن طال المكث.
وسيأتي - بإذن الله تعالى - أنَّ من أسباب تعميق أواصر الأخوة سد باب النَّقل ورد قالة السوء.
الشاهد أنَّه ينبغي إحسان الظن بالمسلمين، فتقول مثلًا: هذا صرفه حياؤه عن حضور الدرس؛ لأنه لا يحب أن يراه الشيخ متأخرًا، أو تقول: سبحان الله لعله شُغِل، لعله ألمَّ به شيءٌ، وإذا وجدت أخاك الذي اعتاد حضور الدروس معك قد غاب مرة بعد أخرى، فبدل أن يقع في قلبك أنه تنصل من الالتزام، وعاد إلى ما كان عليه من جاهلية، عليك أن تحسن الظن به، وتذهب لتراه وتسأل عنه وتشعره بمدى اهتمامك به، هذه الروح هي المطلوبة.
فإذا بلغك عن أخيك شيء يكرهه فالتمس له الأعذار، التمس لأخيك عُذرًا من سبعين عذر، فإن لم تجدْ فقل: لعل له عذرًا لا أعرفه.
فربما هناك من الأشياء ما خفي عنك، وللناس أسرار لا يعلمها إلى من يعلم السر وأخفي.
إخوتاه
سوء الظن - في علم التربية - مثل الحامض الذي يُذيب ما يوضع فيه، فسوء الظن كذلك يذيب الحب من القلوب.
انظر لهذه الصورة المشرقة من حياة سلفنا الصالح، شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ لما عانى الأمَرّين بسبب مخالفته للأعراف والعادات والتقاليد التي تصطدم مع تعاليم الشرع؛ لذلك كانت الدنيا تقوم عليه ولا تقعد؛ لمجرد مخالفته لأعراف الناس حينئذٍ في مسألة من المسائل.
الشاهد أنَّ بعض الناس تحايل على شيخ الإسلام، واستعدى عليه السلطان فسجنه في قلعة دمشق، وعرف شيخ الإسلام أنَّ فلانًا كان السبب وراء ذلك، فأرسل إليه
[ ٥٩ ]
تلاميذُه رسالة يطلبون منه الرأي في كيفية التصرف معه.
انظر كيف كان رد شيخ الإسلام حتى تتعلم كيف كانت أخلاق هؤلاء الأكابر.
قال لهم: وأول ما أبدأ به من هذا الأصل ما يتعلق بي، فتعلمون - رضى الله عنكم - أنِّي لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين فضلًا عن أصحابنا.
(يعلمنا هنا درسًا غاليًا، إنه يسمى الرجل الذي وشيء به صاحبًا، فهو عنده شيخ داعِ إلى الله، فلا يرضى أن يؤذيه أحد، كيف وهو لا يرضى أن يؤذى أحد العامة حتى هؤلاء الذين يقعون في عرضه، فكيف بالعلماء والدعاة).
ثم يقول: لا أحب أن يؤذى أحد من عموم المسلمين بشيء لا باطنًا ولا ظاهرًا، ولا عندي عتب على أحد منهم، ولا لوم أصلًا، بل لهم عندي من الكرامة والإجلال والمحبة والتعظيم أضعاف أضعاف ما كان كلٌ بحسبه، ولا يخلو أن يكون الرجل إما أن يكون مجتهدًا مصيبًا، أو مخطئًا أو مذنبًا، فالأول مشكور مأجور، والثاني: مع أجره على الاجتهاد فمعفو عنه مغفور له، والثالث: يغفر الله لنا وله ولسائر المسلمين، قال: فنطوي بساط الكلام المخالف لهذا الأصل.
آهٍ .. أي رجل كان شيخ الإسلام ﵀ يقول: علينا أن نترك الكلام الذي يتعارض مع هذا الرجل كأنْ يقال: فلان قصَّر، فلان ما عمل شيئًا لنصرة الشيخ، فلان أوذي الشيخ بسببه، فلان وراء هذه القضية ونحو هذا من الكلمات التي يُذم فيها بعض الأصحاب والإخوان، فهو لا يسامح من يؤذيهم في هذا الباب، فمثل هذا يعود على قائله بالملام إلا أن يكون له من حسنة ماحية والله يغفر له إن شاء.
هذه الروح الجميلة لو سرت فينا لقامت أمة الإسلام من جديد، فلا تجد ضغينة، ولا تباغض، ولا تعارك.
إخوتاه
اتقوا الله في الدعاة والعلماء، إن شرذمة من الناس تحب أن تشيع الضغائن في
[ ٦٠ ]
قلوب الدعاة والعلماء بعضهم من بعض.
حدث مرة أن اختلف أحد الدعاة مع أخيه فتدخلت لحل الخلاف، والمشكلة كانت يسيرة، لكن أحد الأخوة أخذ يقول: لا يا شيخ، لا يمكن أن تقبل، هذا دين .. كيف ..؟!!
مثل هذا يريد أن يشعلها نارًا، يا أخي فلتقل خيرًا أو لتصمت، وهذه مصيبة النقل في عصرنا - فاللهم إليك المشتكى -
إخوتاه
وعلى الجانب الآخر هناك نماذج مشرقة، كنت عند الشيخ ابن باز ﵀ فجاءه أحد الأخوة وأخذ يعدد له أسماء الدعاة وأهل العلم ويقول للشيخ: فلان يلقى عليك السلام، وفلان يُقرؤك السلام وهكذا.
فلما انفضَّ المجلس قلت لأخينا هذا: أرأيت كل هؤلاء؟!! فقال: سبحان الله إنَّهم يقولون في كل صلاة: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، والشيخ من عباد الله الصالحين - نحسبه كذلك ولا نزكى على الله أحدًا -
هذا من تأليف القلوب، هذا من تجميع القلوب، لا أن تحصد العداوات وتسير في إيقاظ نار الفتن.
إخوتاه
قبل أن ننتقل إلى سبب آخر لتعميق أواصر الأخوة، أحب أن نقف مع كلمات جليلة لشيخ الإسلام.
يقول: فسبحان الناشر على الخاطئين جناح ستره، والكاشف الضر الذي بيده عاقبته، والمجيب الدعاء برحمته التي بالتوفيق أنطقت، والمنعم قبل الاستحقاق بنعمته سبحانه.
[ ٦١ ]
سبحانه كم سيئةٍ قد أخفاها حلمه حتى دخلت في عفوه، وكم حسنةٍ ضاعفها فضله حتى عظمت عليها مجازاته، ورحم الله عبدًا وقف على سهو أو خطأ من أخيه فأصلحه عاذرًا لا عازلًا، ومنيلا لا نائلًا، فليس المرء بعيدًا عن الخطأ إلا من وقى الله سبحانه وعصم فلا إله إلا الله، ولا معبود بحق سواه نسأل الله - ﷿ - أن يؤلف بين قلوب المسلم (١)
ولعل هذه الكلمات خير تلخيص لمسألة " حسن الظن " فأسأل الله تعالى أن يرزقنا حسن الظن بالمسلمين، وأن يمنَّ علينا بفضله فلا ترى أعيننا إلا خيرًا.
_________________
(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٢ - ٥٧).
[ ٦٢ ]
الإغضاء وعدم الاستقصاء
حقيقة المحبة فى الله:
أنها لا تزيد بالبرِّ ولا تَنْقُصُ بالجفاءِ
(يحيى بن معاذ)
[ ٦٣ ]
السبب الثاني لتعميق أواصر الأخوة