والمقصود بهذا أن تغض طرفك عما تجد من عيوب إذا كان الفضل أعظم؛ لأنَّه ما من إنسان إلا وفيه عيب، والمعصوم هو النبي محمد - ﷺ - والأنبياء، أما بقية البشر فليسوا بمعصومين، بل لا بد لهم من خطأ وزلل.
قال الله تعالى: " ولَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا " [طه/١١٥] وقال رسول الله - ﷺ -: " كل ابن آدم خطاء " (١).
ويقول سعيد بن المسيب (سيد التابعين): ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وُهِبَ نقصه لفضله.
وهذه من القواعد المهمة التي ينبغي أن نلتزمها وتربى عليها الأجيال ليكون القرن القادم هو قرن الإسلام بإذن الله تعالى، وذلك أنه ينبغي أن نتحلى بالحكمة فنضع كل شئ في محله فبدايةً: علينا أن نكون أصحاب أصول وثوابت ومنطلقات وقواعد فلا نكون كل يوم برأي وكل سنة بمنهج، وإذا لم يكن ذلك فسوف نتخبط وسط الآراء والخلافات، ولا يتضح الصواب من الخطأ، ولا الحق من الباطل، وحينئذٍ قد يحيد بعض أصحاب الفضل عن أحد هذه الأصول أو الثوابت، فهذا عندنا لا يشينه ولا يقلل من قدره، بل نهب نقصه إلى فضله وتنتهي القضية.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٤٩٩) ك صفة القيامة وقال: حديث غريب، وابن ماجه (٤٢٥١) ك الزهد، باب ذكر التوبة، والإمام أحمد (٢/ ١٩٨) والحاكم في المستدرك (٤/ ٢٤٤) وصححه، وتعقبه الذهبي فقال: بل فيه لين، وقال في موضع آخر: فيه ضعف، وقال الحافظ العراقي في تخريج الإحياء: فيه علي بن مسعدة ضعفه البخاري اهـ. لكن انتصر ابن القطان لتصحيح الحاكم، وقال ابن مسعدة: صالح الحديث وغرابته إنما هي فيما انفرد به عن قتادة، والحديث حسنه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٤٢٨)
[ ٦٥ ]
فالمسائل المجمع عليها، ومسائل العقيدة، والمسائل التي تعتمد على سد الذرائع، أو التي هي في الأصل لدرء المفاسد. هذه ينبغي ألا نبحث فيها، فتلك ليست قضيتنا، وإلا إذا مَيّعنا جميع القضايا فلن تثبت قدم، بل ستزل الأقدام بعد ثبوتها، وتقع في دائرة الشك الذي لا نهاية له.
من هذه الثوابت تبجيل السلف وتقديمهم فلا نسمح بالطعن في أحدٍ منهم، نقول: أن الذين يسبون الصحابة ضُلال، كيف وقد نهانا رسول الله عن سب أصحابه فقال: " لا تسبوا أصحابي " (١) فنقول: إن عليًا ومعاوية كانا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولا يجوز إلا إحسان الظن بهما، وإن كنا نقدم عليًا - ﵁ - ونوقن بأنه أفضل من معاوية - ﵁ -، ولكن هذا لا ينقص من فضل معاوية - ﵁ -، ولا يجيز الطعن عليه.
نقول: إن الذين يتهمون أبا هريرة هم الكذابون الأفاكون، وإن الذين يتنكرون لسنة المصطفي - ﷺ - من المبتدعة الضُّلال، وهم على شفا هلكة والعياذ بالله.
ثم علينا ثانيًا: أن نكون منصفين فلا نجاوز الحد، فإذا أخطأ أحد الأفاضل في مسألة ما، وقد يكون مخالفًا لأحد هذه الثوابت المستقرة عندنا فنقول: فضله يغلب نقصه وزلَله، فمن الناس من لا ينبغي أن يذكر عيبه لما له من فضل، مثلًا فضيلة الشيخ ابن باز - ﵀ - له فضل ومكانة عظيمة، وقد نفع الله المسلمين به طيلة عمره، وكان كالحصن الحصين على ثغرة من ثغرات الإسلام، لكن عندما جاءت مسألة الاستعانة بالكفار قلنا: أخطأ، ولكن للرجل تقديره وشأنه الذي لا ينبغي أن يتزعزع في صدور المسلمين، لما له من أيادٍ عظيمة .. وانتهت القضية.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٦٧٣) ك المناقب، باب قول النبي لو كنت متخذًا خليلًا - واللفظ له - ومسلم (٢٥٤٠) ك فضائل الصحابة، باب تحريم سب الصحابة.
[ ٦٦ ]
نعم - إخوتاه - الإغضاء وعدم الاستقصاء
يقول رسول الله - ﷺ - " اتق الله - ﷿ - ولا تحقرن من المعروف شيئًا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، وإياك والمخيلة فإنَّ الله ﵎ لا يحب المخيلة، وإنْ امرؤ شتمك وعَيَّرك بأمر يعلمه فيك فلا تعيره بأمر تعلمه فيه، فيكون لك أجره، وعليه إثمه، ولا تشتمن أحدًا " (١)
سبحان الله لو حفظنا أولادنا من سن الرابعة مثل هذه الأحاديث لخرج فينا جيل متأدب بآداب النبوة.
والحديث فيه فوائد عظيمة، بداية من الحث على فعل الطاعات مهما قل شأنها في عين البشر، فهذا يعطي أخاه كوب ماء ويؤثره على نفسه فيكتب الله له الأجر لمعروفه هذا.
وفيه نهي عن الكبر والخيلاء لما فيه من عبودية للمظاهر " تعس عبد الدرهم والدينار والقطيفة والخميصة " (٢)
ثم يعلمنا رسول الله - ﷺ - هذا الأدب العظيم - وهنا محل الشاهد - فلو سَبَّك شخص أو عَيّرك فعليك أن تتغاضى عن مثل هذا حتى لا تقع في الوزر إذا أردت أن تتشفى لنفسك فتعيره بما هو فيه من العيوب والخلل.
وقد كان أبو بكر - ﵁ - جالس فأخذ رجل يسبه ويشتمه، وما يزيده جهل هذا الرجل إلا حلمًا، ورسول الله - ﷺ - جالس، فلما زاد الرجل في جهله أراد أبو بكر - ﵁ - أن يرد على الرجل فقام رسول الله - ﷺ - ثم أخبره بعد ذلك أن الله بعث ملكًا كلما كان الرجل يسب أبا بكر - ﵁ - كان يقول: بل أنت، وكان أبو بكر
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٥/ ٦٣)، وابن حبان في صحيحه (٢/ ٢٧٩)، وصححه الشيخ الألباني ﵀ - في الصحيحة (٧٧٠) وصحيح الجامع (٩٨).
(٢) جزء من حديث، أخرجه البخاري (٢٨٨٧) ك الجهاد والسير، باب الحراسة في الغزو في سبيل الله.
[ ٦٧ ]
كلما سبه الرجل يقول له: يغفر الله لك فكان الملك يقول لأبى بكر بل أنت وأنت أحق به، فلما همَّ بالرجل انصرف الملك وحل محله الشيطان (١)
إننا نريد هذا السلوك القويم " التغاضي عن جهالات الناس " لأنَّك لا تعاملهم بل تعامل ربهم، وربك لا يحب أن تغضب لنفسك، وعلى الجملة يرشدنا رسول الله - ﷺ - بعدم سب أي إنسان كائنًا من كان.
إنك لن تجد إنسانًا كاملًا فلا بد له من عيب، وإذا استقصيت في البحث عن مثل هذا فلن تظفر به في الوجود، فليس بمعصوم إلا من عصمه الله، والكمال المطلق لله وحده.
من هنا فليس المقصود أن يكون أخوك من تكاملت صفاته الظاهرة والباطنة، بقدر ما يكون المطلوب أن تتوافر فيه الصفات التي تصلح بها المعاشرة، أعني شروط صحة الأخوة، فتنتفي بوجودها أسباب الملل والقطيعة، فإنَّ توافر الخير كله في إنسان عزيز قليل الوجود، والنادر لا حكم له، فلا يكاد يوجد إلا في الموفقين وهم قلة قليلة.
اللهم اجعلنا من عبادك الموفقين، اللهم وفقنا لما تحب وترضى.
إخوتاه
عليكم أن تتحلوا بشيء من الإغضاء ولا تستقصوا في معرفة أدق التفاصيل والصفات، كان بعض السلف إذا مضى إلى درس شيخه يُخرج صدقة، ويقول: اللهم استر عيب معلمي عني ولا تذهب بركة علمه مني، أما الآن فتجد من يتتبع العورات، ويتفقد الأخطاء، هذه والله نية فاسدة.
جاءني أحد الشباب فقال لي: إن الإمام النووي مبتدع، قلت: أعوذ بالله كيف هذا؟ قال أنت قرأت صحيح مسلم بشرح النووي؟ قلت: الحمد لله قال: قرأته كم
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٨٩٦) ك الأدب، باب في الانتصار، والإمام أحمد (٢/ ٤٣٦) وحسنه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٢٣٧٦).
[ ٦٨ ]
مرة؟ قلت: كذا، قال: عليك أن تقرأه مرة أخرى لكن هذا المرة بعين النقد والبحث عن الأخطاء.
قلت: معاذ الله أن أصنع هذا، نحن نقرأ لنتعلم ونتعبد وتتنزل علينا رحمات ربنا، نقرأ لنعبد الله على بصيرة، نقرأ لنتعلم ونُعلم الناس، لكن نقرأ من أجل تخطئة فلان من أهل العلم، هذه نية فاسدة، فإن وُجد خطأ نقول كما قال شيخ الإسلام: مجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر.
قال - ﷺ -: " أقيلوا ذوى الهيئات عثراتهم إلا الحدود " (١)
فالإمام النووي والقرطبي وابن حجر العسقلاني من ذوى الهيئات، فينبغي أن نقيل عثراتهم، نعم أخطأ من أخطأ منهم في مسألة التأويل، ووافقوا قول الأشاعرة لكن نقول: يغفر الله لهم، ألم نقل: إنَّ من الناس من لا ينبغي أن يذكر عيبه لما له من فضل فنهب نقصه لفضله.
وأصحاب الهيئات كما يقول الشافعي ﵀ إنَّهم الذين لا يعرفون بالشر فيزل أحدهم الزلة، فتغفر له زلته، ولا تذكر، ولا يُشَنّع بها عليه.، " إلا الحدود " فلا شفاعة في حد من حدود الله.
إخوتاه
قال عبد الرحمن بن عمر الأصبهاني: كنا في مجلس عبد الرحمن بن مهدى (وهو من المحدثين الأكابر وشيخ الإمام البخاري) إذ دخل عليه شاب فما زال يدنيه حتى أجلسه إلى جنبه.
فقال شيخٌ في المجلس فقال: يا أبا سعيد هذا الشاب يتكلم فيك حتى إنَّه ليكذبك.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٣٧٥) ك الحدود، باب الحد يشفع فيه، والإمام أحمد (٦/ ١٨١)، وأبو نعيم في الحلية (٩/ ٤٣)، وصححه الشيخ الألباني - ﵀ - في الصحيحة (٦٨٣) وصحيح الجامع (١١٨٥).
[ ٦٩ ]
فقال عبد الرحمن: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، " ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ " [فصلت /٣٤ـ٣٥]
فانظر كيف عالج القضية إنَّه الرد بالحسنى، اعقل هذا - أخي - عن سلفنا الصالح حتى تعرف كيف تعيش بمنهج السلف وتمضى على إثره.
ثم ساق عبد الرحمن سنده فقال: حدثني أبو عبيدة الناجي قال: كنا في مجلس الحسن البصري إذ قام إليه رجلٌ فقال: يا أبا سعيد إنَّ هنا قومًا يحضرون مجلسك ليتتبعوا سقط كلامك.
فقال الحسن: يا هذا إني أطمعت نفسي في جوار الله فطمعت، وأطمعت نفسي في الحور العين فطمعت، وأطمعت نفسي في السلامة من الناس فلم تطمع، إنِّي لما رأيت الناس لا يرضون عن الله علمت إنَّهم لا يرضون عن مخلوق مثلهم. أ. هـ
فإذا كان الناس يتكلمون في حق الله جل وعلا فكيف بالمخلوقين؟!! هكذا تعالج القضية، فليس لنا أن نتكلم في شأن غيرنا إلا بالحسنى، فإن وقع فينا أحد، فالعلاج هو أن ترد السيئة بالحسنة فتدعو لمن أساء إليك.
وإذا أنت اتقيت الله - جل وعلا ـ؟ يحول القلوب إلى حبك، فالقلوب بيد الرحمن يقلبها كيف يشاء.
عن سعيد بن عبد العزيز قال: إن رفيقًا لحبيب بن مسلمة ضاق يومًا عن شيء. (أي أن أخلاقه ساءت في شيء ما). قال حبيب: إن استطعت أن تغير خلقك بأحسن منه فافعل وإلا فسيسعك من أخلاقنا ما ضاق عنَّا من خلقك.
إخوتاه
إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم.
قال محمد بن محبوب: كنا عند عبد الله بن الطالب التميمي المكي المالكي يومًا
[ ٧٠ ]
فخاطبه بعض أهل مجلسه بخطاب خشن، لم يخاطب مثله بمثله، فتمادى ابن الطالب في مكالمته كأنَّه ما سمع مكروهًا فقام الرجل وذهب.
فقال ابن الطالب: رأيت نظر بعضكم إلى بعض، فقلت في نفسي رجل قصدني يؤدى الذي يجب من حقي هنا، عليه أصول، عليه بسلطاني والله إن هذا لهو اللؤم. (١)
أراد ﵀؟ أن هذا الرجل الذي جاء يشتمني أتاني، وهو يعلم أنى لن أخطأ في حقه، فلما كنتم حولي استكثر بكم فأرد عليه، فهذا هو اللؤم.
فانظر كيف كان كرم أخلاقهم حتى وسعت صدورهم جهالات الناس وسفههم.
إخوتاه
قال ابن مراد تكلم عبد الله بن عياش بكلام أساء به إلى عمر بن ذر (٢) فقام إلى منزله؟ وكان عبد الله ابن عمه؟، فندم ابن عياش لما بدر منه فأتى عمر فقال: أيدخل الظالم؟!! فقال عمر: نعم مغفورًا له، والله ما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. فصارت مثلًا سائرًا.
هذا هو الإغضاء حتى لا تدع في النفس شائبة تجاه أي إنسان، فقط عليك أن تعامله بالحسنى، أن تدعو الله له، أن تطيع الله في نفسك فلا تتشفى، وتطيع الله في غيرك فلا تعامله بنظير عمله، واعلم أنَّه في الأول والآخر أخوك فلا تبتئس!!
قال الجاحظ [في الترفق بالصاحب واحتماله]: " لا تكوننَّ لشيء ممَّا في يديك أشد ضنًا، ولا عليه أشد حدبًا منك بالأخ ". (٣)
_________________
(١) انظر ترتيب المدارك في ترجمة أصحاب الإمام مالك للقاضي عياض.
(٢) وهو من زهاد التابعين وكان ذاكرًا لله تعالى واعظًا يعظ الناس ويذكرهم.
(٣) نفح الطيب [٤/ ٦٧].
[ ٧١ ]
يريد أن أغلى ما تملكه هو أخوك فلا تفرط فيه أبدًا، فليس بخطأ يُبعد ويُهجر، بل اثبت عليه، فإنَّنا بحاجة إلى الأخوة ثم يقول:
" الأخ الذي بلوته في السراء والضراء فعرفت مذاهبه، وخبرت شيمه، وصح لك غيبه، وسلمت لك ناصيته، فإنَّما هو شقيق روحك، وباب الروح إلى حياتك، ومستمد رأيك، وهو توأم عقلك، إذا صفا لك أخٌ فكنْ به أشد ضنًا منك بنفائس أموالك، ثم لا يزهدن لك فيه أن ترى منه خلقًا أو خلقين تكرههما، فإنَّ نفسك التي هي نفسك لا تعطيك المقادة في كل ما تريد فكيف بنفس غيرك " أهـ
يريد أن أخاك إذا ساءك منه خلق فلا تتركه لأجل ذلك، فأنت تجد في نفسك أشياء كثيرة لا ترضيك وتصبر عليها، فكما صبرت على نفسك فصبرًا على أخيك.
قالوا: بحسبك أن يكون لك من أخيك أكثره؛ لذلك قال أكثم بن صيفي: من لك بأخيك كله.
وقال النابغة الذبياني:
ولست بمستبقٍ أخًا لك لا تَلُمُّه على شَعثِ أي الرِّجَال المُهَذَّبُ
إخوتاه
هل تريدون من إخوانكم أن يكونوا على أكمل صورة في مخيلاتكم؟!! هل تظنون أنكم ستجدون الأخ العابد الزاهد العالم أو طالب العلم المتواضع الكريم المنفق الصوَّام القوام، ذا الوجه الطلق، الذي تجده دائمًا بجوارك، فمن أين لكم بهذا وأنتم لا تتصفون بكل ذلك؟ ولذلك نقول: عليكم بالإغضاء وعدم الاستقصاء، ولينشغل كلٌ منا بعيب نفسه.
يقول رجاء بن حيوة [وزير عمر بن عبد العزيز]: " من يؤاخى من الإخوان إلا
[ ٧٢ ]
من لا عيب فيه قلَّ صديقه، ومن لا يرضى من صديقه إلا بإخلاص له دام سخطه، ومن عاتب إخوانه على كل ذنب كثر عدوه ". (١)
لذلك جاء عن بعض السلف أنَّه أغضب أخًا له فجاءه يقول: جئتك لنتعاتب، فقال: لا تقل هكذا بل جئت لنتغافر ونتسامح، بل نسيتُ فنسيتَ.
قال الرجل لأخيه: إني أحبك في الله، قال: لو علمت ذنوبي لأبغضتني في الله، قال: لو علمت ذنوبك لمنعني من بغضك في الله علمي بذنوبي.
على مثل هذا ينبغي أن تكون نفسيات الأخوة ويكون التعامل بمثل هذه الطريقة لماذا لا؟!!
ما كان حسنًا فأهده إلى نفسك، وما كان غير ذلك فألقه، ولا تقم له وزنًا، فلا يؤلمنَّك مساوئهم فتنسى محاسنهم، من كانت حسناته أكثر من سيئاته دخل الجنة على ما كان منه.
فلماذا لا يكون هذا هو منهجنا، فمن كانت حسناته أكثر من سيئاته فذلك هو الرجل الذي يستحق أخوتك، فما بالذنب الواحد يهجر الخلان، فالروضة الحسنة لا تترك لموضع قبر، فالحديقة الغناء المليئة بالزهور النضرة والجمال الفتان والطبيعة الخلابة لا تترك لمجرد وجود قبر في وسطها فلا يجوز التنزه فيها.
فهذا الإنسان الذي وقع في زلل يسير لا ينبغي هجره، بل نقول؟: " إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِين " [هود ١١٤]
_________________
(١) مختصر تاريخ دمشق (٥/ ٣١٧).
[ ٧٣ ]