قال تعالى: " وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إحداهما على الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ " [الحجرات / ٩]
وهذا في حال اقتتال المؤمنين ولم ينف الله عنهم الإيمان، ولم يفسق منهم أحدًا.
وهؤلاء صحابة رسول الله - ﷺ - اختلفوا واقتتلوا ولم ينف أحدٌ منهم عن الآخر اسم الإيمان، بل لما سئل على بن أبى طالب - ﵁ - عن الخوارج فقيل له: نكفرهم، قال: لا فقيل: نفسقهم. قال: لا. قالوا: فمن هم؟ قال - ﵁ -: إخواننا بَغَوا علينا.
وجاءه آخر ينتقص من قدر أم المؤمنين عائشة ﵂ فقال له: اذهب مقبوحًا أتؤذي محبوبة رسول الله - ﷺ -.
[ ١٠٨ ]
إخوتاه
نحتاج أن نستعمل أدب الخلاف، ولكن كيف؟ هذا ما نحن بصدده - إن شاء الله تعالى -
أيها الأحبة
كثيرًا ما أردد أن من أجمل وأمتع وألذ وأعظم وأحلى ما يملكه المسلم في هذه الدنيا الحب في الله، وأضيف هنا أن أقول: إنَّ من أثمن وأغلى ما يملكه المسلم في هذه الدنيا بعد صلته بالله جل وعلا عَقْد الأخوة في الله، اللهم اجعلنا إخوة متحابين، وعُمَّنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
إخوتاه
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " وأما عقد الأخوة بين الناس في زماننا، فإنْ كان المقصود منها التزام الأخوة الإيمانية التي أثبتها الله بين المؤمنين بقوله: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " [الحجرات/ ١٠]، وقول النبي - ﷺ - " المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه " (١) وقوله - ﷺ - " لا يبع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه " (٢)، وقوله - ﷺ - " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (٣)
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٤٤٢) ك المظالم والغصب، باب لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه، ومسلم (٢٥٨٠) ك البر والصلة والآداب، باب تحريم الظلم.
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري (٥١٤٢) ك النكاح، باب لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع، ومسلم (١٤١٢) ك البيوع، باب تحريم بيع الرجل على بيع الرجل وسومه على سوم أخيه - واللفظ له -
(٣) متفق عليه، أخرجه البخاري (١٣) ك الإيمان، باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ومسلم (٤٥) ك الإيمان باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير.
[ ١٠٩ ]
ونحو ذلك من الحقوق الإيمانية التي تجب للمؤمن على المؤمن، فهذه الحقوق واجبة بنفس الإيمان، والتزامها بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والصيام، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله وهي ثابتة لكل مؤمن على كل مؤمن، وإن لم يحصل بينهما عهد مؤاخاة " [مجموع الفتاوى (١١/ ١٠٠)]
إخوتاه
هذه أخوتنا، هذه محبتنا، نتقرب بها إلى الله كتقربنا بالصلاة والزكاة والصيام والحج، ووجوب التزامنا بها كوجوب الصلاة والزكاة، وحقوقها واجبة على كل مؤمن تجاه أخيه، بيد أن الواجبات تتفاضل فبعضها أكبر من بعض.
هذه الأخوة العميقة الغالية هي أثمن ما تملك، خاصة إذا اجتمعت أنت ومن تحب في الله في الدعوة لدين الله ونصرة الإسلام وأهله، إن هذا العقد من أقوى الوسائل لمواجهة التحديات، وحل المشكلات التي تعترض الطريق، وبهذا يشعر المسلم أنه ليس وحده، فهناك من يشد أزره، ويضع يده على يده.
هذه هي الأخوة، إنني أستشعر سعادة غامرة، لعل كثيرًا منكم لا يشعر بها، حين أشعر أن أخًا سأل عنى، فليس بيني وبينكم عقد شخصي، ولكننا إخوة في الله، نسأل الله أنْ يرزقنا حبًا خالصًا لوجهه.
هذه هي الأخوة التي لا يفرط المرء فيها، فهي أغلى ما تملك في هذه الدنيا، لكن هذه الأخوة قد تعكر صفوها هنات وهفوات وقد تعتريها اضطرابات وهزات، قد تكون صغيرة ولكنها تكبر مع الأيام، ويكبر أثرها فتنفر القلوب وتقع الوحشة، وهذا منزلق خطير يجب على كل مسلم تجنبه، فخسارة أخ لا يعوضها شيء، فاللهم إنا نعوذ بك من همزات الشياطين ونعوذ بك ربنا أن يحضرون.
[ ١١٠ ]
إخوتاه
إياكم والوشاة، فقد ترتبط بأخٍ مدة من الزمن تحبه وتعتقد فيه الخير، وتظن أنه من أهل الصلاح، وتثق به، فيأتيك أحد الوشاة يقول: إنَّ صاحبك هذا يقول عنك كذا وكذا، فسرعان ما تقطع الصلة وتنهي الأخوة وتكون حينئذٍ قد أزلت يقينك بشك.
ينصحك الإمام الشافعي أن تواجه أخاك فتقول له: بلغني عنك كذا وكذا، وإياك أن تُسمِّى الناقل، فإن أنكر فقل: أنت أصدق وأبر ولا تزيدن على ذلك.
هذه - لعمر الله - أخلاق المؤمنين، أخلاق هي أخلاق السلف، بل إنه ينصحك نصيحة عظيمة فيقول: فإن اعترف بذلك فرأيت له وجهًا من العذر فاقبل منه، وإن لم تر لذلك وجهًا فقل له: ماذا أردت بما بلغني عنك؟ فإن ذكر لك وجهًا من العذر فاقبل منه، وإن لم تر فضاق عليك المسلك حينئذٍ أثبتها عليه سيئة، ثم أنت في ذلك بالخيار، إن شئت كافأته بمثلها من غير زيادة، وإن شئت عفوت عنه، والعفو أقرب للتقوى وأبلغ في الكرم.
قال تعالى: " وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ " [الشورى/٤٠]
فإن نازعتك نفسك بالمكافأة فتفكر فيما سبق له لديك من الإحسان فلا تبخس إحسانه السالف بهذه السيئة فإنَّ ذلك الظلم بعينه، وعامله بالسيئة إحسانًا.
إخوتاه
هذه يمكن تسميتها بالوصية الذهبية في الأخوة الإيمانية، إن اتخاذ الصديق صعب، ومفارقته سهل، فإن كان لك صديق فشد يداك به.
فمن اليسير أن تغضب من أخيك وتتركه وتنتهي العلاقة، إنَّ إحساسك بأنَّ لك أخًا في الله يحبك لإيمانك لا لمصلحة ولا لأي شيء نعيم
[ ١١١ ]
للقلب - والله -
أسأل الله أن يرزقنا نعيم الجنة في الدنيا والآخرة، فنعيش لذة الإيمان حين نحب المرء لا نحبه إلا لله.
إخوتاه
أخوك لك بمنزلة السمع والبصر، فالأخوة الإيمانية لا يقوم مقامها شيء، قال - ﷺ -: " لو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإسلام ومودته " (١)، فأخوة الإسلام ومودته أبقى وأنقى وأعمق وأدوم فلا تفرط فيها سريعًا.
إخوتاه
إياكم والخلاف، فإنه داء يورث من الضغائن والأحقاد ما يُفسد القلوب، نعم حين نقول: " إعدام الخلاف " لا نقصد أنَّه لن يكون، فالخلاف سيظل ما دامت السماوات والأرض، فإنهاؤه محال، قال تعالى " وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ " [هود ١١٨ - ١١٩] فالاختلاف قائم، ولكن المقصود معرفة أسباب الاختلاف فنتحاشاها، فإن لم يكن بدٌ فوقع الخلاف فعلينا أن نتعامل بآداب الخلاف، حينها لا تنتج هذه الآثار الوخيمة التي شاعت في حياة المسلمين الآن.
يقول بعض السلف: " ما رأيت أعقل من الشافعي اختلفنا أنا وهو في مسألة، فلقيني بعد مدة فأخذ بيدي، فقال لي: إذا كنا قد اختلفنا في مسألة ألا يسعنا أن نبقى أخوين متحابين " والكلام ليس على عمومه، فإنَّ الخلاف العقدي يُفرق، ولا بد هنا من المفارقة لأنَّ الله لا يرضى أن يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء، فالكلام هنا على أصحاب المعتقد الواحد، وقد مَرَّ الحديث عن أسباب الاختلاف وبقى أن نتكلم عن آداب الاختلاف.
_________________
(١) جزء من حديث متفق عليه، أخرجه البخاري (٢٢٦) ك الصلاة، باب الخوخة والممر في المسجد - واللفظ له - ومسلم (٢٣٨٢) ك فضائل الصحابة، باب من فضائل أبى بكر الصديق.
[ ١١٢ ]