من الأسباب الجالبة لتعميق أواصر الأخوة، أن تنصح أخاك فيما يصلحه، فإنه دليل اهتمامك به، وحرصك على ما ينفعه، قال تعالى: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" [سورة العصر]
يقول ابن القيم ﵀: " وهذا نهاية الكمال، فإن الكمال أن يكون الشخص كاملًا في نفسه مكملًا لغيره ".
تأمل معي هذا الكلام الممتع، هذا هو الكمال الحقيقي، وهذه حقيقة النصيحة المأمور بها في هذه السورة " وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ "
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: " أعظم ما عبد الله به نصيحة خلقه، قال تعالى: " وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِين " [فصلت/ ٣٣]
فشأن هذا أن تقوم اعوجاج نفسك، وفي نفس الوقت تقوِّم اعوجاج الناس حسب مقياس الذكر الذي هو مقياس كل شيء - كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ـ
النصيحة والتواصي بها في الإسلام تعتبر من أكبر إنجازات هذا الدين العظيم، وهي من مقتضيات التوحيد، وقد بايع رسول الله - ﷺ - المسلمين عليها.
يقول جرير بن عبد الله البجلي: بايعت رسول الله - ﷺ - على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم (١).
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (٥٧) ك الإيمان، باب الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، ومسلم (٥٦) ك الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة.
[ ٨٥ ]
وقال - ﷺ - " الدين النصيحة " (١)، وهذا نظير قوله - ﷺ - "الحج عرفة " (٢) أي أن النصيحة هي عماد الدين وقوامه، والمدار عليها وحدها.
وحقيقة النصيحة أن تقبل الحق ممن قاله، وإن كان بغيضًا، وأن ترد الباطل على قائله وإن كان حبيبًا.
فتقبل الحق ولو جاء به الشيطان، ونرد الباطل ولو قال به شيخ الإسلام.
يقول ابن القيم في مدارج السالكين - وقد مر بكلمة ذكرها الشيخ الهروي وتحتاج إلى رد ـ: وشيخ الإسلام حبيب إلينا ولكن الحق أحب إلينا منه.
فنحن نحب الحق، وندور معه حيث دار، سواءٌ جاء الحق من صغير أو كبير، من عدو أو صديق، فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق بها.
فينبغي على المسلم أن يسعى للنصيحة، ويطلبها من الصالحين الصادقين الموثوق بهم، الذين يعرفون بدينهم وتقواهم.
فهذا عمر بن عبد العزيز يطلب النصيحة من أحد رعيته (عمرو بن مهاجر) فيقول: يا عمرو إذا رأيتني ملت عن الحق فضع يدك في تلابيبي، ثم قل لي وهزني، ثم قل: ماذا تصنع يا عمر.
فأين - الآن - من يطلب النصيحة؟!! قالوا: افتضحوا فاتفقوا فالجميع لا يقبل النصيحة، وصار عامة الخلق مجاملًا، فلا تسمع إلا الثناء العاطر، والمبالغات في المدح، وكلنا يعرف أنه خداع. نسأل الله لنا ولكم العافية.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٥٥) ك الإيمان، باب بيان أن الدين النصيحة.
(٢) أخرجه الترمذي (٨٨٩) ك الحج عن رسول الله، باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج، والنسائي (٣٠١٦) ك مناسك الحج، باب فرض الوقوف بعرفة (٣٠٤٤) ك مناسك الحج، باب فيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بمزدلفة، وابن ماجه (٣٠١٥) ك المنسك، باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الترمذي (٧٠٥)، وصحيح ابن ماجه (٢٤٤١).
[ ٨٦ ]
يقول الحسن البصري: إلى من يشكو المسلم إذا لم يشك لأخيه المسلم، ومن الذي يلزمه من أمره مثل الذي يلزمه، إن المسلم مرآة أخيه المسلم يبصره عيبه، ويغفر له ذنبه.
قد كان من كان قبلكم من السلف الصالح يلقى الرجلُ الرجلَ فيقول: يا أخي ما كل ذنوبي أبصر، ولا كل عيوبي أعرف، فإذا رأيت خيرًا فمرني، وإن رأيت شرًا فانهني.
على هذا كانت لقاءاتهم، أما الآن فترى من يبصر القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه، ولا ينصح بل يشمت ويفرح؛ ولذلك لا بد أن نتواصى ونتناصح؛ لأنَّ هذا دليل الحب في الله.
يقول ابن مسعود - ﵁ -: " إذا رأيتم أخاكم قارف ذنبًا فلا تكونوا أعوانًا للشيطان عليه، أن تقولوا: اللهم خذه اللهم العنه، ولكن اسألوا الله له العافية.
هذا هو هدى ابن مسعود الذي أمرنا رسول الله - ﷺ - باتباعه. وقال - ﷺ - " وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه " (١)
فاللهم عافنا والمسلمين والمسلمات من الذنوب والخطايا.
كان صحابة رسول الله - ﷺ - يقولون: كنا لا نقول في أحد شيئًا حتى نرى على ما يموت فإن ختم له بخير علمنا أو رجونا أن يكون قد أصاب خيرًا، وإن خُتم له بشر خفنا عليه عمله.
أنت لا تدرى من يختم له بخير، ربما تبذل النصيحة لإنسان ما فتكون سببًا لهدايته فيكون هو وحسناته في صحيفة حسناتك.
قالوا مقالة عجيبة قالوا: إن عثمان بن عفان أحد حسنات أبى بكر الصديق - ﵁ -
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٧٩٩) ك المناقب عن رسول الله، باب مناقب عمار بن ياسر، وقال: حديث حسن، والإمام أحمد في مسنده (٥/ ٣٨٥، ٤٠٢) وصححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (١٢٣٣)، وصحيح الجامع (٢٥١١).
[ ٨٧ ]
فعثمان بكل بذله وكل إنفاقه وجهاده ومكانته الكبيرة عند الله ورسوله كلها في ميزان حسنات أبى بكر لأنه الذي دعاه إلى الإسلام.
عليك أخي أن تبذل النصح لجميع المسلمين ولا تيأس، فقد يهدى الله بك رجلًا مثل عثمان، فيكون هو وعمله الذي هو أفضل من عملك في ميزان حسناتك.
لذلك مودتك لإخوانك تأبى أن تراهم على شيء من الزلل ولا تنصحه ولا تحاول تغييره وإصلاحه، فالمؤمن بإخوانه النصحاء الأمناء.
قال الشاعر:
ما ضاع من كان له صاحب يقدر أن يصلح من شأنه
فإنما الدنيا بسكانها وإنما المرء بإخوانه
إخوتاه من علامات الحب في الله بذل النصح لأخيك، إذ من أحب أخاه في الله ثم رآه يصنع ما يشينه عند ربه، لا يبغض عمله ولا ينصحه فهذا لم يحبه في الله.
إخوتاه .. تفقدوا إخوانكم، تصافحوا تعارفوا تجاوروا، عليك أن تسأل عن أخيك إذا غاب لماذا لم يأت؟ هل ألم به طارئ؟ هل ؟ هل ؟ ولا يستريح بالك حتى تطمئن عليه، إن رواد المقاهي والنوادي وغيرها إذا غاب أحدهم لا يهدأ لهم بال حتى يستفسروا عن سبب غيابه، أما نحن فلا، فلماذا؟ نحن أولى منهم بهذا، لقد كان رسول الله - ﷺ - يتفقد أصحابه في صلاة الصبح إذا غاب أحدهم فيسأل عنه.
إخوتاه ..
إننا نتآكل إذا لم نبحث عن لمّ شملنا المبعثر، لا بد أن نبحث عن كل عضو منا، وننشغل بإصلاح أنفسنا، وتفقد أحوال الآخرين حتى لا تسقط سائر الأعضاء، عليك
[ ٨٨ ]
أن تمد يديك إلى إخوانك الذين على مشارف الهلكة، تقول لهم: إننا نريد لك الجنة، ونخشى أن يمسك أقل شيء من عذاب الله، فما - والله - تطيقه.
أخي ما الذي ضيعك؟ ما الذي غيرك؟ نخشى أن تموت الآن فكيف تجد نفسك؟! هكذا إخوتاه تماسكوا ترابطوا فليأخذ كل واحد منكم بيد أخيه، ويد الله مع الجماعة.
إخوتاه ..
قال عبد الرحمن بن يزيد: قال لي بلال بن سعد: بلغني أن المؤمن مرآة أخيه، فهل تستريب من أمري شيئًا.
أريدك أن تصنع كصنيع بلال بن سعد، تذهب إلى أخيك، وقل له: اصدقني القول هل تستريب من أمري شيئًا؟ واسأله النصح وكيف يرى العلاج؟ وحاول سريعًا أن تداوى آفاتك.
يقول سعيد بن جبير: رحم الله رجلًا أهدى إلىَّ عيوبي، وإذا أهديت إلينا العيوب لا نحرد، ولا نُبرئ أنفسنا حتى لا نكون معجبين بل نعترف.
قال الإمام الذهبي - رحمه الله تعالى ـ: " وعلامة المخلص إذا عوتب في نفسه، وفي عمله أن لا يحرد ولا يبرئ نفسه ولا يكون معجبًا، بل يعترف، ويتهم نفسه ويستغفر الله ".
مثال ذلك: أن يأتيك رجل فيتهمك بالرياء أو الخيلاء، هنا اتهم نفسك وقل: جزاك الله خيرًا، وسل الله المغفرة أما إذا أخذتك العزة بالإثم، ووجدت في نفسك روح التشفي ممن اتهمك فهذا نذير عدم الإخلاص.
دخل رجل على إبراهيم النخعي في مجلس درسه وأمامه الناس فوقف على باب
[ ٨٩ ]
المسجد وقال: يا مُرائي. فبكى إبراهيم وقال: نعم صدقت أول رجل يعرف اسمي، من أعلمك باسمي؟ فقام ودخل بيته وأغلق الباب.
لا بد من اتهام النفس، فإنها محل الجناية، ولا تتوارى بل عنف نفسك في الحال.
قال الشعبي مرة في مجلسه: والله لو قيل ليخرج شر من في المسجد لبادرتكم.
هكذا يرى أنه من شرار الناس، يتهم نفسه، والنصيحة لا تنقص أحدهم عند الآخر شيئًا، بل تزيده وتنميه وتطوره.
إخوتاه
قال بلال بن سعد: أخٌ لك كلما لقيك ذكرك بنصيبك من الله، وأخبرك بعيب فيك، أحب إليك وخير لك من أخ وضع في كفك دينارًا.
فالأخ الذي يقابلك فيقول لك: كيف حال قلبك مع الله؟ ما هي أخبار ورد القرآن والذكر والقيام؟ كيف حال الصيام وغض البصر؟ كيف حال طلبك للعلم وحضور الدروس الخ مثل هذا الأخ لا يقدر فضله بثمن؟ فينبغي أن يكون أحب إليك من رجل جاء فأعطاك شيئًا من المال ولو كان كثيرًا، إن كنت حقًا صادقًا مع الله، أما إذا قسا قلبك وعميت بصيرتك ولم تنفعك الكلمات فتلك مصيبة تحتاج إلى البكاء بين يدي رب الأرض والسماء.
إخوتاه ..
من أدب التواصي والنصيحة - هداك الله - ألا تغضب على أخيك إذا نصح لك في قلبك ودقيقك، بعض الناس إذا نُصح يحزن، وهذا دليل عدم صدقه مع الله، بل عليك أن تتقبل النصيحة في الصغيرة والكبيرة، وتظهر البشاشة في وجه ناصحك، وتشكره لرعايته لك، كما ينبغي عليك أن تصبر عند سماع النصيحة، إذا جاءتك
[ ٩٠ ]
بأسلوب خشن.
يقول بعض السلف: لا تهربوا من خشونة كلامي، فما رباني إلا الخشن من الكلام في دين الله ﷿، ومن هرب منى ومن أمثالي لا يُفلح.
فمن لم يصبر على مُر الكلام لا تراه ينجح، لا بد من شدة توقظك، والأمر في الأول والآخر لا يعدو مصلحتك.
إخوتاه ..
علينا أن نشجع الناصحين الأمناء، وأن نستمع لهم بإنصات، فالإنسان لا يرى إلا إذا خرج عن الصورة التي يتأملها، أما إذا كنت في داخلها فإنك لا تراها.
نعم الهدية - والله - أن ينصحك أخوك في الله، ونعم العطية أن تنصح أخاك في الله.
يقول سفيان الثوري - ﵀ - إن الرجل ليحدثني بالحديث قد سمعته قبل أن تلده أمه فيحملني حسن الأدب أن أنصت واستمع له.
وحقيقة من الدرر المنقودة التي هي في حياة المسلمين مفقودة درة الأدب، فأين الأدب مع الله؟!!.
وقد شددنا القول في شأن القبول أما البذل
فأولًا: عليك أن تخلو بأخيك بعيدًا عن أعين المتطفلين، والشامتين، تساره في أذنه، تنصحه على سبيل الرحمة لا التوبيخ والتقريع.
ثانيًا: عليك أن تراعى قلب أخيك، وتراعى حالته النفسية فترفق به، تلطف بمعنوياته، وتراعي مقتضى الحال، فتتخير الوقت المناسب والظروف المناسبة ليقبل نصيحتك.
ثالثًا: عليك أن تنصحه فيما يصلحه ويرفعه، وتظهر له اهتمامك به.
[ ٩١ ]
قال حاتم: إذا رأيت من أخيك عيبًا فإن كتمته فقد خُنته، وإن قلته لغيره فقد اغتبته، وإن واجهته به فقد أوحشته فقيل له: كيف أصنع؟
فقال: تُكني عنه، وتُعرِّض به، وتجعله في جملة الحديث
فمثلًا: ترى أخاك لا يغض بصره، فتذهب لتنصحه تقول: حديث جميل جدًا كنت أحب أن يكون حديثًا صحيحًا " النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه - جل وعزـ إيمانًا يجد حلاوته في قلبه " (١).
ثم تتكلم معه عن فوائد غض البصر، ولذة غض البصر، ومتعة غض البصر، وحُسن غض البصر، وخطورة إطلاق الطرف، وهكذا لا بد من اللطف، فتجمل العبارة وتتكلم بأسلوب غير مُنَفّر هذا بين الإخوة بعضهم مع بعض، أمَّا الشيخ المربى فقد يقسو ويشتد على تلاميذه ليصلح اعوجاجهم، وهذا أمر مقبول ينبغي أن يفهم ذلك.
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك (٤/ ٣٤٩)، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الحافظ العراقي في تخريج الإحياء، وأخرجه الطبرانى في الكبير (١٠/ ١٧٣)، وهو في مسند الشهاب (١/ ١٩٥)، وقال الهيثمى في المجمع (٨/ ٦٣): رواه الطبرانى وفيه عبد الله بن اسحق الواسطى وهو ضعيف، وضعفه المنذري في الترغيب (٣/ ٣٤)، والألباني ﵀ في الضعيفة (١٠٦٥)
[ ٩٢ ]
إنهاء الجدال والمراء حالا
ما ريت أخا لي في الله أبدا لأني إن ماريته إما أن أكذبه وإما أن أغضبه
[ ٩٣ ]
السبب الرابع