إخوتاه ..
قال رسول الله - ﷺ -: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ، فطوبى للغرباء" (١).
وهؤلاء الغرباء جاءت الروايات تصفهم بأنَّهم الذين يصلحون إذا فسد النَّاس، الذين يفرون بدينهم من الفتن، الذين يقيمون سنة رسول الله - ﷺ - بعد أن يفسدها النَّاس بالبدع والمحدثات، فهم قوم قليل في ناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم.
وقد مضى أننا في عصر الجاهلية الثانية بلا ريب، وأنَّ المتأمل لحال النَّاس في يومهم هذا لا يشك في أننا نعيش في غربة، فالفتن من كل حدب وصوب، والفساد مطبق والبلاء عَمّ، واستحكمت مكيدة الشيطان فأطاعه أكثر الخلق فمنهم من دخل في طاعته في فتنة الشبهات، ومنهم من دخل في فتنة الشهوات، ومنهم من جمع بينهما، وكل ذلك مما أخبر النبي - ﷺ - بوقوعه. ففتنة الشبهات.
قال عنهاﷺ -: "افترقت اليهود على إحدى أو ثنتين وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على إحدى أو اثنتين وسبعين فرقة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة" (٢) وفي رواية "واحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار، قيل:
_________________
(١) أخرجه مسلم (١٤٥) ك كتاب الإيمان، باب بيان أن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا، وإنه يأرز بين المسجدين.
(٢) أخرجه أبو داود (٤٥٩٦) ك السنة، باب شرح السنة، والترمذي (٢٦٤٠) ك الإيمان، باب ما جاء في افتراق هذه الأمة وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٣٩٩١) ك الفتن، باب افتراق الأمم، والإمام أحمد في مسنده (٢/ ٣٣٢) والحديث صححه الشيخ الألباني في الصحيحة (٢٠٣).
[ ٣١ ]
يا رسول الله من هم؟ قال: الجماعة" (١)
وأمَّا فتنة الشهوات فقد قال - ﷺ -: "فو الله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم". (٢)
يقول ابن رجب في كشف الكربة:
فلما دخل الناس في هاتين الفئتين أو إحداهما أصبحوا متقاطعين متباغضين بعد أن كانوا إخوانًا متحابين متواصلين، فإن فتنة الشهوات عمت غالب الخلق ففتنوا بالدنيا وزهرتها وصارت غاية قصدهم فقطعوا لذلك أرحامهم وسفكوا دماءهم وارتكبوا معاصي الله بسبب ذلك.
وأمَّا فتنة الشبهات والأهواء المضلة فبسببها تفرق أهل القبلة وصاروا شيعًا وكفَّر بعضهم بعضا، وأصبحوا أعداء وفرقًا وأحزابًا، بعد أن كانوا إخوانا قلوبهم على قلب رجل واحد".
هذا حال من افتتن ولم ينج من هذا إلا الفرقة الناجية أهل الغربة أهل السُّنة والجماعة.
إخوتاه ..
أسوق لكم هذا كله لأطرح على مسامعكم وليجول في خاطركم تساؤلٌ حتمي، هل نحن - معشر من ادّعى الالتزام - حقًا غرباء؟ هل نحن فعلًا على هذا الوصف الذي
_________________
(١) أخرجها ابن ماجه (٣٩٩٢) في الموضع السابق، وصححها الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه (٣٢٢٦)
(٢) متفق عليه أخرجه البخاري (٣١٥٨) ك الجزية والموادعة، باب الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب ومسلم (٢٩٦١) ك الزهد والرقائق.
[ ٣٢ ]
نعتهم به رسول الله - ﷺ -؟
نحتاج إلى وقفة للمحاسبة لنرى هل وقعنا في مضلات الفتن أم مازالت الأقدام ثابتة والقلوب على اليقين هذا أولًا.
فإذا ما ارتضينا نصرة دين الله وتحملنا لذلك كل الصعاب، وصبرنا على أذى أعداء الدين، وقاومنا الظلم والقهر الذي يقع على أولياء الله الصالحين، فعلينا حينئذٍ أن نتواصى بصفات الغرباء فنقيم على طاعة الله وإن عصى النَّاس، نسعى للإصلاح وإن فسد الخلق، ننشر سنة رسول الله وإن وقع النَّاس في البدع، لا نستوحش القلة فقليل من عباد الله الشكور، ثمَّ نتواصى فيما بيننا بالأخوة فإنها سبيل تخفيف هذه الوحشة.
إخوتاه ..
قال الحكماء: مصائب العالم ومحنة تعود إلى خمس: المرض في الغربة، والفقر في الشيب، والموت في الشباب، والعمى بعد البصر والغفلة بعد المعرفة.
فآهٍ من وحشة الغربة وسقم القلوب وعلة الأبدان، فكيف بالله ترضوا أن تروا أخاكم قد أضناه لهيب الهاجرة فلا تعودونه، لا تخففون من شدة وطأة الظلم عليه، فكيف وأنتم رفاق الدرب، والمآل واحد ألا تتعاونون، أَوَ ليس حري بكم أن تتحابوا وتتصافوا وتكونوا عباد الله إخوانًا.
إخوتاه ..
ماذا بكم؟ أَوَليست هذه الدار فانية، أَوَلَيس متاعها زائلًا، أليس نعيمها ناقصًا منغصًا، فما عساكم حِدتم، هذه دنيا دنية، أنتم فيها غرباء فإنما مواطنكم الجنة نسأل الله أن يجمعنا جميعًا فيها، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى وما يقرب إليه من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما يقرب إليها من قول أو عمل.
[ ٣٣ ]
إخوتاه ..
أما تذكرون الجَنَّة، أما تهفوا أنفسكم لرياضها، فلِمَ النُّفرة والتشاحن فهلموا إلى الجادة، هيا اجتمعوا على قلوب صافية متحابة، تعالوا إلى نصرة دين الله، ولتكن جنات الفردوس نصب أعينكم.
ما من غريب وإن أبدى تجلده إلا تذكر عند الغربة الوطنا
الأخوة لماذا؟