عندما يخطئ إنسان فقد يكون المناسب في تصحيح الخطأ أن تجعله يكتشف الخطأ بنفسه ثم تجعله يكتشف الحل.
من الشواهد في هذا الصدد ما ذكره الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ من قصة الشيخ / عبد الرحمن البكري حينما ذهب إلى الهند فوجد أحد علمائها يلعن الشيخ / محمد بن عبد الوهاب في نهاية كل درس، فقام الشيخ البكري ونزع غلاف كتاب التوحيد، ودعا الشيخ لمنزله ثم استأذنه ليأتي بالطعام، وكان الكتاب قريبًا من الشيخ الهندي فأخذ يتصفحه، وأعجب به حتى عندما عاد إليه الشيخ البكري وجده يهز رأسه متعجبا ويقول: لمن هذا الكتاب؟!، هذه التراجم وعناوين الفصول شبه تراجم البخاري، هذا - والله - نفسه البخاري.
قال الشيخ البكري - فقلت: ألا تذهب للشيخ الغزوى نسأله، وكان صاحب مكتبة فأخبرهم أنَّه للشيخ محمد بن عبد الوهاب. فصاح العالم الهندي بصوت عال: الكافر.
فسكتنا وسكت قليلا، ثم هدأ غضبه واسترجع، ثم كان بعد ذلك يدعو تلاميذه للدعاء للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وتفرق تلاميذه في البلاد وهم على عادة شيخهم في الدعاء للشيخ.
[ ٢٣٣ ]
إخوتاه ..
الإنسان منا إذا اكتشف الخطأ، ولاح له الحل والصواب فلا شك أن يكون أكثر حماسا لأنَّه يحس أن الفكرة فكرته.
يقول ابن الجوزى: " تأملت حرص النفس على ما منعت منه، فرأيت حرص النفس على ما منعت يزيد على قدر قوة المنع.
رأيت في الأول أنَّ آدم ﵇ أبيحت له الجنة بأثمارها ومنع من شجرة حرص عليها مع وجود الأشجار المغنية عنها.
قال تعالى: " وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين" [الأعراف/ ١٩]، ولكنَّه أكل من هذه الشجرة، وفي المثل القديم: المرء حريص على ما منع، وتواق إلى ما لم ينل.
ويقال: لو أمر الناس بالجوع لصبروا، ولو نهوا عن تفتيت البعر لرغبوا فيه.
وقالوا: ما أحب شئ إلى الإنسان إلا ما منع.
فلما بحثت عن سبب ذلك وجدت سببين:
أحدهما: أنَّ النفس لا تصبر على الحصر، فإنَّه يكفي حصرها في صورة البدن، فإذا حصرت في المعنى بمنع زاد طيشها، ولهذا لو قعد الإنسان في بيته برغبته شهرا لم يصعب عليه، ولو قيل: لا تخرج من بيتك يومًا لصعب عليه وطال عليه.
الثاني: أنًّ النفس يشق عليها الدخول تحت حكم، ولهذا تجد النفس تستلذ الحرام، ولا تكاد تستطيب المباح، يسهل عليها التعبد بالبدعة؛ لأنه ما ترى وتؤثره على السنة لأنه خلاف ما ترى " أهـ
[ ٢٣٤ ]
إخوتاه ..
انتبهوا لهذا الأمر جيدًا، دع الناس يتوصلون إلى فكرتك ويقنعون بها أنفسهم دون أن تظهر ذلك لهم، فسوف يظن أنَّ الأمر من قبل نفسه فيذعن لفكرته أكثر من استجابته لنصحك إياه.