قال الله تعالى: " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ " [الحجرات /٦] وفي القراءة الأخرى " فتثبتوا ".
فإذا أردت سعة الصدر، وطيب القلب والخاطر فلا تسمع أحدًا عن أحدٍ، ولا تلتفت إلى حديثهم، أما علمت أن كثيرًا منهم لا يعقلون ولا يتثبتون.
وصفهم بعض السلف فقال: هؤلاء إذا رأوا خيرًا كتموه، وإن رأوا شرًا أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا.
فهم في جميع الأحوال أعداءٌ، أرباب الفتنة، مثيرو الشغب، فالنمام رجل مريض قد امتلأ عقله بالتخيلات، وقلبه بالظنون السيئة، فالناس معه بالهمز واللمز والطعن، الناس دائمًا من وجهة نظره لا يتكلمون إلا في العيب والتلصص، شُغل بالناس عن خويصة نفسه وشئونه، ولو علم أن لو كانت مناقب الناس ملء الأرض لن تنفعه، ولو كانت للناس مساوئ ملء الأرض لن يضيره شيء، كان في نفسه شُغل، وأي شغل؟!
إخوتاه
يقول الإمام الشافعي: "نزهوا أسماعكم عن استماع الخنا، كما تنزهون ألسنتكم عن النطق به، فإن المستمع شريك القائل، وإن السفيه ينظر إلى أخبث شيء في وعائه فيعرض على أن يفرغه في أوعيتكم، ولو ردَّت كلمة السفيه لسعد رادُّها كما شقي بها قائلها ".
[ ١٢٧ ]
وذلك لأنَّ النمام الساعي بقالة السوء يبتغي بذلك سلمًا إلى الفتنة، وإفساد صفو الإخوان، وعلى هذا ينبغي محاربته وصده عن طريقته لعله يتدارك ما فرط منه، وإلا كنا شركاء له في إثمه وإفساده.
إخوتاه
يقول الإمام الشافعي: قبول السعاية أضر من السعاية، لأنَّ السعاية دلالة، والقبول إجازة، وليس من دل على شيء كمن قبل وأجاز" أهـ
السعاية بمعنى النميمة، سميت هكذا لأنَّ المقصود بالكلام لم يحضر، ولكن شخصًا يسمع فيسعى بصفة المنافقين، تراه في الحق نائمًا، وفي الباطل على الأقدام، وهكذا انعكست الصورة عما كان عليه السلف.
إخوتاه
عن ابن مسعود - ﵁ - قال: دخل رسول الله - ﷺ - المسجد وهو بين أبى بكر وعمر، وإذا ابن مسعود يصلى، وإذا هو يقرأ النساء فانتهي إلى رأس المائة، فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلى، فقال النَّبي - ﷺ -: " اسأل تعطه، اسأل تعطه ". ثم قال: " من سرَّه أنْ يقرأ القرآن غضًا كما نزل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد ".
فلما أصبح غدا إليه أبو بكر - ﵁ - ليبشره، وقال له: ما سألت البارحة. قال: قلت: اللهم إنِّي أسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة محمَّد في أعلى جنة الخلد. ثم جاء عمر - ﵁ - فقيل له: إنَّ أبا بكر قد سبقك. قال: يرحم الله أبا بكر ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه. (١)
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد (١/ ٤٥٤)، وقال الهيثمى في المجمع: رواه أحمد والبزار والطبرانى، وفيه عاصم بن أبى النجود، وهو على ضعفه حسن الحديث، وبقية رجاله رجال الصحيح، ورجال الطبرانى غير فرات ابن محبوب وهو ثقة، يشير إلى ما رواه الطبرانى في الكبير (٩/ ٦٧) لكنه لم يذكر قصة الحديث.
[ ١٢٨ ]
فانظر كيف يسعد المسلم بالخير الذي يناله أخوه، ويسعى لبشارته، فنسأل الله لنا ولكم العافية، هذه سعاية بالحق والصدق والخير، لا السعاية بالباطل والإثم والعدوان.
إخوتاه ..
الساعي منقوص إن كان صادقًا لهتكه العورة، وإضاعته الحرمة، ومعاقب إن كان كاذبًا لمبارزته الله بالبهتان وشهادة الزور، فالنمام مريض ينبغي أن نعالجه، فإن لم يكن ثم دواء فعلينا أن نستأصل هذا العضو حفاظًا على بقية الجسد.
إخوتاه ..
أين هؤلاء من صدى صوت رسول الله - ﷺ - وهو يقول: " لا يدخل الجنة قتات " (١) " لن يدخل الجنة نمام " (٢)؟!
أين هؤلاء من قول النبي - ﷺ -: " المؤمن مرآة المؤمن، المؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه " (٣)
ألا يخشى هؤلاء من تهديد ووعيد رسول الله - ﷺ - " يا معشر من آمن بلسانه ولم تؤمن قلوبهم لا تتبعوا عورات المسلمين، فإن من تتبع عورة المسلم تتبع الله عورته " (٤) نعم هؤلاء مَرضى، والذي يقبل منهم أشد مرضًا وأسوأ خلقًا، أليس من
_________________
(١) متفق عليه، أخرجه البخاري (٦٠٥٦) ك الأدب، باب ما يكره من النميمة، ومسلم (١٠٥) ك الإيمان، باب بيان غلظ تحريم النميمة.
(٢) أخرجه مسلم في الموضع السابق.
(٣) أخرجه أبو داود (٤٩١٨) ك الأدب، باب في النصيحة والحياطة، والبخاري في الأدب المفرد (٢٣٩) باب المسلم مرآة أخيه. والحديث حسنه الشيخ الألباني في صحيح الأدب المفرد (١٧٨).
(٤) أخرجه أبو داود (٤٨٨٠) ك الأدب، باب في الغيبة، والإمام أحمد (٤/ ٤٢١)، وصححه الشيخ الألباني - ﵀ - في صحيح الجامع (٧٩٨٤).
[ ١٢٩ ]
هؤلاء من قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ - بعد أن قاموا بعملية إحصاء دقيقة لكل اجتهاداته، وصوروها بحسب ما يتخيلون بعقولهم المريضة، وما يظنون من قِبل قلوبهم الضعيفة فاتخذوا ذلك سلمًا للفتنة.
لما قتل عثمان بن عفان - ﵁ - صعد حذيفة بن اليمان على المنبر فخطب فقال: اللهم العن قتلته وشتامه، اللهم إنا كنا نعاتبه ويعاتبنا، فاتخذوا ذلك سلمًا إلى الفتنة، اللهم لا تمتهم إلا بالسيوف.
إخوتاه
لا ينبغي أن تتخذ الأخطاء سلمًا إلى الفتنة، نحن في وقت نحتاج فيه لتأليف القلوب لا إشاعة الفتن، فأين هؤلاء من قول الله تعالى " إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون" [النور/١٩]؟!!
إنَّ الأبواب كلها مغلقة، والطرق كلها مسدودة أمام النمام إلا أن يتوب إلى الله جل وعلا، " والله تعالى يبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل، ويبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار " (١)
حبيبي في الله ..
لا تبسط يدك إلا إلى خير، ولا تقل بلسانك إلا معروفًا. يقول الفضيل بن عياض: لم يُدرك عندنا ما أُدرِك إلا بسخاء النفس وسلامة الصدر والنصح للمسلمين.
بمعنى أن الدرجة العليا من الإيمان لا تُنال إلا بهذه الثلاثة، إنها وصية غالية لمن أراد سلوك الطريق الآمنة التي يتحصل فيها الإيمان، وتغسل فيها الخطايا والذنوب العظام.
_________________
(١) أخرجه مسلم (٢٧٥٩) ك التوبة، باب قبول التوبة من الذنوب.
[ ١٣٠ ]
إخوتاه
ليكن شعارك دائمًا " النظافة "، فنحن لا نريد نظافة الظاهر فحسب، بل آكد من ذلك نظافة الباطن، نظافة الضمير والتفكير، نظافة اللسان واليد والجنان، النظافة في التعامل والمسلك، نظافة القلب من الأحقاد والأدران. اللهم طهر قلوبنا يا رب.
ولم يكن رسول الله - ﷺ - سبابًا ولا فحاشًا ولا لعانًا، كان يقول عند المعتبة: " ماله ترب جبينه " (١)
فالمسلم " من سلم المسلمون من لسانه ويده " (٢)، نريد نظافة للجوارح، ونظافة للقلب من الشبهات والشهوات.
قال الله تعالى " إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين " [البقرة / ٢٢٢] نسأل الله أن يجعلنا منهم.
إخوتاه
لابد من سد هذا الباب حتى لا تسمع أحدا يتكلم في أحد، حتى لا تقبل كلام شخص في شخص، حتى تعيش سليم الصدر، هادئ البال، مرتاح الضمير، نريد حسن الظن بيننا.
أريدك - أخي - أن تقول للنمام إذا جاءك: سل الله أن يغفر لي ولك وله، أريدك أن تصده، فلينصرف راشدا دون أن تسمع منه ما يؤذيك، فإنَّ السبيل شائكة.
يقول - ﷺ - " سيصيب أمتي داء الأمم، فقالوا يا رسول الله: - وما داء الأمم؟
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠١) ك الأدب، باب لم يكن النبي فاحشًا ولا متفحشًا.
(٢) متفق عليه، أخرجه البخاري (١٠) ك الإيمان، باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ومسلم (٤١) ك الإيمان، باب بيان تفاضل الإسلام وأى أموره أفضل.
[ ١٣١ ]
قال: - الأشر والبطر والتكاثر والتناجش في الدنيا والتباغض والتحاسد حتى يكون البغي ". (١)
اللهم اهد أمة حبيبك محمد - ﷺ -، اللهم ألف بين قلوب المسلمين.
عن الزبير بن العوام أنَّ النبي - ﷺ - قال: " دب إليكم داء الأمم قبلكم، الحسد والبغضاء هي الحالقة، لا أقول: تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين. والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم بما يثبت ذلكم لكم أفشوا السلام بينكم " (٢).
إخوتاه
أخاف على الذين يسعون في إيقاع الفتن بين المسلمين، أخاف على الذين يمشون بالنميمة من سوء المنقلب غدا، وأنتم تعرفون قصة هذين الرجلين اللذين أخبر رسول الله - ﷺ - أنهما يعذبان وما يعذبان في كبير فالأول: - كان لا يستتر من بوله والثاني: - كان يمشي بالنميمة (٣).
يا هذا لتقل خيرا أو لتصمت، انشغل بعيب نفسك، واترك ما لا يعنيك، وإياك أن تكون سبب الخصومات والعداوات بين المسلمين، أخاف أن يحلق دينك بإفسادك لذات البين.
_________________
(١) أخرجه الحاكم (٤/ ١٦٨) وصححه ووافقه الذهبي. وصححه الشيخ الألباني ﵀ في الصحيحة (٦٨٠) وقال: - رجاله ثقات رجال مسلم غير أبى سعيد الغفارى.
(٢) أخرجه الترمذي (٢٥٠١) ك صفة القيامة والرقائق والورع، والإمام أحمد في مسنده (١/ ١٦٥، ١٦٧). وقال الهيثمى في المجمع (٨/ ٣٠): - رواه البزار وإسناده جيد، وصححه الشيخ الألباني ﵀ في صحيح الجامع (٣٣٦١).
(٣) متفق عليه أخرجه البخاري (٢١٦) ك الوضوء، باب من الكبائر ألا يستتر من بوله، ومسلم (٢٩٢) ك الطهارة، باب الدليل على نجاسة البول ووجوب الاستبراء منه.
[ ١٣٢ ]
عن أبى الدرداء - ﵁ - قال: - قال رسول الله - ﷺ -: " ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة، قالوا: - بلى. قال: صلاح ذات البين، فإنَّ فساد ذات البين هي الحالقة (١).
إخوتاه
كم من أخ لنا هجر أخاه بسبب الوشاية والنميمة، كان يأتي منشرح الصدر وسط إخوانه الذين يحبونه، فما إن دخل هذا الشيطان المريد حتى ودبت البغضاء في دمائهم وفسدت القلوب، وبدأ يهجر المسجد، وصار عونا للشيطان.
أُخَيَّ
تذكر دائما لإخوانك لحظات القرب، كيف كنت تتعاون معه على طلب العلم، كيف كان يذكرك بالله؟ كيف كان يوقظك لصلاة الصبح، أنسيت كل هذا؟ واستمعت لقالة السوء فضاع الدين بسبب البغض والغل الذي ملأ الصدور.
" رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ " [الحشر / ١٠].
إخوتاه
إذا أردنا سعة الصدر، وطيب القلب والخاطر فعلينا ألا نسمع في أحد شيئا إلا ما كان حسنا، ويخبرك السلف بحقيقة شأن من تسمع له وتترك أخاك من أجل تلك السموم التي ينفثها في صدرك.
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٢٥٩٠) ك صفة القيامة، وقال: حديث صحيح، وأبو داود (٤٩١٩) ك الأدب، باب في إصلاح ذات البين، والإمام أحمد (٦/ ٤٤٤)، وصححه الألباني ﵀ في صحيح الجامع (٢٥٩٥).
[ ١٣٣ ]
يقولون: إنَّ أول سبب لهذا المرض هو " الدفاع عن النفس " فأصحاب العيوب يتوقعون نقدا لهم من ناصح أمين، ويظنون هذا النصح هجوما، فيهرولون لأخذ زمام المبادرة، وتحويل الهجوم بهمز ولمز وغمز من وراء ظهر.
فأجرأ من ترى يغتاب ويعيب الناس هم أصحاب العيوب والذنوب فيعيرون الناس، وأصحاب الأخطاء - دائمًا - يبحثون عن أخطاء الناس ويشيعون عنهم ما لا يستطاب، والأمر مشاهد لا يحتاج إلى فراسة، هذه الخصلة ملازمة لكل ذي لسان طويل.
قال السامع للمهزار: قد استدللت على كثرة عيوبك بما تكثر من عيب الناس؛ لأن الطالب للعيوب إنما يطلبها بقدر ما فيه منها.
قال بعض السلف: ما رأيت شيئا أحبط للأعمال، ولا أفسد للقلوب، ولا أسرع في هلاك العبد، ولا أدوم للأحزان، ولا أقرب للمقت، ولا ألزم لمحبة الرياء والعجب والرياسة: من قلة معرفة العبد لنفسه، وكثرة نظره في عيوب الناس.
اللهم ارزقنا غضَّ أبصارنا عن عيوب الناس، إذ من يرى عيب الناس يغتر، ويعجب بنفسه فهو منشغل بعيوب الناس عن عيب نفسه.
إخوتاه
(٢) من أسباب الوقوع في هذا المرض الخطير " الغفلة "
يقول التابعي الجليل عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: ما أحسب أحدًا تفرغَ لعيب الناس إلا من غفلة غفلها عن نفسه.
فالغفلة شئ ظاهر، ولا شك فلولاها لاعتنى بملكه واشتغل بفرسه وجنى الثمار، أما هؤلاء فأعداء المروءة، بنو عم السوء، إذا رأوا حسنا كتموه، وإذا رأوا عيبا أذاعوه، وإن لم يعلموا كذبوا، نسأل الله أن يقينا شرهم.
[ ١٣٤ ]
فأصحاب هذه النفوس الدودية لا يقعون على شئ حتى يتسخ، أصحاب نفوس ذبابية لا تقع إلا على القاذورات، يبصر أحدهم القذاة في عين أخيه، ولا يبصر الجذع في عين نفسه.
إخوتاه
سدوا مسامعكم عن قالة السوء؛ فإن السامع شريك القائل، اهجروا هؤلاء وانصحوهم في الله أن يكفوا عن نقل الأخبار السيئة، فلا نريد الولوغ في أعراض المسلمين، ولا تسمعوا لمن يقول: هذا من أجل خدمة الدين، هذا لبيان المجروح ممن يتصف بالعدالة، لا .. لا .. لا تسمع .. قل له: أخي عرضه عرضي، لا أقبل أن أسمع عنه ما يشينه وانتهت المسألة.