لماذا تقرأ هذا الكتاب، هل سألت نفسك هذا السؤال على مدى هذه اللحظات التي قلبت فيها صفحات الكتاب؟
هل تذكر العهد الذي أخذته عليك، واتفقت أن تصحبني هذه اللحظات لنقيم معا صرح الأخوة، لتخرج بعدها تصحح علاقاتك الأخوية الإيمانية، لتعرف كيف تتعامل مع إخوانك؟
إخوتاه
لا أريد أن أذكركم أنكم - معشر الملتزمين - تحملون العبء الثقيل في إعادة الاتزان للأمة، فأنتم رمانة الميزان، أنتم الصفوة التي اختارها الله لإقامة دينه في أرضه،
[ ١٣٥ ]
فإذا كان وجه الأرض قد تغير، ولا تجد إلا ما يزري ويخجل من إسلام مشوه، ودين مميع، وأخلاق تأنف الحيوانات أن تتخذها، وإذا كنت تجد البلاء عاما يئن تحته الفرد فثمَّ خلل فينا، فإنَّ الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
إخوتاه
حرام أن تولى ظهرك لهذا الحال المزري للأمة ولا ترجع باللائمة على نفسك.
حرام أن تنشغل بأي شئ عن إصلاح نفسك وأمتك التي تفت الأدواء من عضدها.
حرام أن يكون فينا من يسلم أعداء الإسلام من لسانه ولا يسلم المسلمون منه.
صدق ابن المبارك لمَّا جاءه الرجل يغتاب مسلما فقال له: - أغزوت الروم.
فقال: لا. قال: أغزوت الفرس. قال: لا. قال: غزوت الهند والسند.
فقال: لا. قال: سلمت منك فارس والروم والهند والسند، ولم يسلم منك أخوك المسلم.
إخوتاه
الوقت حرج - والله ـ، نحن في حاجة لجهودك في الذب عن الأمة، للدفاع عن أبجدياتها المطعون فيها من كل سفيه، نحتاج إلى النفوس النفيسة والقلوب النقية، نريد من يكف عنا أذى المؤذين الذين ينشبون أظفارهم في جلود المسلمين، وينهشون في أعرضهم ويطلقون ألسنتهم في تجريحهم.
إخوتاه
نريد " صرح الأخوة "، فالأخوة منحة قدسية إلهية، إشراقة ربانية، منة عظيمة
[ ١٣٦ ]
لمن يقدرها، نعمة يمن الله بها على من يشاء من عباده، يقذفها في قلوب المخلصين من أوليائه لإعلاء دينه.
إخوتاه
الأخوة قوة إيمانية نفسية تورث الشعور العميق بالمحبة والاحترام والود والثقة المتبادلة والإكرام وغض الطرف واحتمال الأذى وبذل الندى.
كل ذلك يكمن في ذات الأخوة القائمة على رباط العقيدة والإيمان، فإنَّ الشعور الأخوي إذا صدق يولد في القلب مجموعة من الصفات الإيجابية والسلبية على السواء، فتجد التعاون والإيثار والرحمة والعفو والتكاتف، وفي نفس الوقت ترى الابتعاد عن كل ما يضر الناس في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ترى ترك الإنسان لما لا يعنيه.
إخوتاه
لا أخوة بلا إيمان، ولا إيمان بلا أخوة " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ " [الحجرات/ ١٠] و"إنما" للحصر، فإذا كنت مؤمنا حقا فلابد من أخوة.
وقال - ﷺ - " من أحب لله وأبغض لله وأعطى له ومنع لله فقد استكمل الإيمان " (١)
مفهوم ذلك أن من لم يصنع ذلك فإنَّه لم يستكمل الإيمان.
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٤٦٨١) ك السنة، باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه. والطبرانى في الكبير (٨/ ١٣٤) وقال الهيثمى في المجمع (١/ ٩٠): - رواه الطبرانى في الأوسط وفيه صدقة بن عبد الله السمين ضعفه البخاري وأحمد وغيرهم، وقال أبو حاتم: محله الصدق. وصححه الألباني في الصحيحة (٣٨٠).
[ ١٣٧ ]
إخوتاه
ومن الباب ذاته أقول لكم: لا صداقة بدون تقوى، ولا تقوى بلا صداقة.
قال تعالى: " الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ " [الزخرف / ٦٧]
فالأخوة إذا انعدمت التقت النفوس على المصالح الذاتية والمنافع الشخصية، والصداقة إذا انسلخت من التقوى قامت على توريث العداوة والبغضاء.
وإذا رأيت إيمانا وتقوى ولم تجد أخوة فهذا إيمان ناقص وتقوى مزعومة. قال - ﷺ -: " لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه " (١).
وقال تعالى - مخاطبا أهل الإيمان ـ: " وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ " [المائدة / ٢] فالأتقياء والصالحون على قلب رجل واحد، تحوطهم مشاعر الصدق والصفاء؛ لذلك يستشعرون الأنس من أول لقاء.
إخوتاه
والله ما أجملها من حياة وما أمتعها وألذها من معيشة إذا تنسمنا هذا النعيم في حياتنا، إنه نعيم جنة الدنيا، وبذلك نعيش حياة حقيقية لا تعرف هذا الضنك الذي يشعر به من جراء الإعراض عن الله واتباع غير سبيل المؤمنين.
إخوتاه
كونوا يدًا واحدة فإنَّ الأخطار تستشرف بوجهها الكالح وأنتم بغير سلاح، تعاونوا توافقوا فهل ينهض البازي بغير جناح؟! وكما قيل: حافظ على الصديق ولو في الحريق، فهدُّ الأركان فقد الإخوان. فتدبر!!
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١٣٨ ]
استعمال الرحمة والرفق وخفض الجناح
تِهْ أَحتملُ ..
واستظل أصبر ..
وعز أهن ..
وول أقبل ..
وقل أسمع ..
ومر أطع ..
[ ١٣٩ ]
السبب السابع