أمرنا رسول الله - ﷺ - بإفشاء السلام، وعلمنا كيفيته، ورغبنا فيه؛ لأنه يورث المحبة بين إخوة الإسلام، التي تعد من مفاتيح الجنة.
ففي جامع الترمذي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: "أفشوا السلام، وأطعموا
الطعام، واضربوا الهام، تورثوا الجنان" (١).
وفي رواية عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: "اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام" (٢).
قال الحافظ ابن حجر: والمراد بإفشائه نشره سرًّا أو جهرًا.
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم" (٣).
ولا يتوقف فضل إفشاء السلام على هذا، فهو سبيل لخفض الجناح بين المسلمين، وسبيل لنفي شبهات الكبر عن النفس، إذ الكبر بطر الحق وغمط الناس، ففي إفشاء السلام سبيل للتواضع، وتعظيم حرمات المسلمين. كما يقول الإمام النووى: والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض، وإظهار شعارهم المميز لهم من غيرهم من أهل الملل، مع ما فيه من رياضة النفس، ولزوم التواضع، وإعظام حرمات المسلمين.
وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه عن عمار بن ياسر ﵁ أنه
_________________
(١) أخرجه الترمذي (١٨٥٤) ك الأطعمة عن رسول الله، باب ما جاء فى فضل إطعام الطعام، وقال: حسن صحيح غريب. قال المباركفوري: واضربوا الهام: أي رؤوس الكفار.
(٢) أخرجه الترمذي (١٨٥٥) الموضع السابق.
(٣) أخرجه مسلم (٩٣) ك الإيمان، باب بيان أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون وأنَّ محبة المؤمنين من الإيمان.
[ ٢٤٦ ]
قال: ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان؛ الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار.
قال الإمام النووي: وبذل السلام للعالم، والسلام على من عرفت ومن لم تعرف، وإفشاء السلام كلها بمعنى واحد. وفيها لطيفة أخرى وهي أنها تتضمن رفع التقاطع والتهاجر والشحناء وفساد ذات البين التي هي الحالقة، وأن سلامه لله لا يتبع فيه هواه، ولا يخص أصحابه وأحبابه به، والله ﷾ أعلم بالصواب. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: بذل السلام يتضمن مكارم الأخلاق، والتواضع، وعدم الاحتقار، ويحصل به التآلف والتحابب.
ولإفشاء السلام منزلة عظيمة القدر؛ فبه يعلي الله من درجات أهل الايمان، وفي جامع الترمذى عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: "أتاني الليلة ربي ﵎ في أحسن صورة -قال: أحسبه قال: في المنام- فقال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: قلت: لا. قال: فوضع يده بين كتفي حتى وجدت بردها بين ثديي -أو قال: في نحري- فعلمت ما في السماوات وما في الأرض. قال: يا محمد، هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم. قال: في الكفارات، والكفارات: المكث في المساجد بعد الصلوات، والمشي على الأقدام إلى الجماعات، وإسباغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وقال: يا محمد، إذا صليت فقل: اللَّهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. قال: والدرجات إفشاء السلام، وإطعام الطعام، والصلاة بالليل والناس نيام" (١).
ولا يخفى عليكم -إخوتاه- حكم السلام، وكونه سنة عين من المنفرد، وسنة على الكفاية من الجماعة، وإن الأفضل السلام من جميعهم، أما رد السلام فهو فرض
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٣٢٣٣) ك تفسير القرآن عن رسول الله، باب ومن سورة ص.
[ ٢٤٧ ]
عين على الواحد، وفرض كفاية على الجماعة. قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦].
ومن باب التواصي بالحق أذكركم ونفسي بجملة من الآداب التى عادت مهجورة في حياتنا، ولم يعد أكثرنا يعيرها اهتمامًا.
فمن ذلك:
(١) البدء بالسلام
قال - ﷺ -: "إنَّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام" (١)، وفي رواية: قيل: يا رسول الله، الرجلان يلتقيان أيهما يبدأ بالسلام؟ قال: "أولاهما بالله تعالى" (٢).
وعن ابن عمر أنَّ الأغر -وهو رجل من مزينة وكانت له صحبة مع النبي - ﷺ --
كانت له أوسق من تمر على رجل من بنى عمرو بن عوف، اختلف إليه مرارًا. قال: فجئت الى النبي - ﷺ -، فأرسل معي أبا بكر الصديق، قال: فكل من لقينا سلموا علينا، فقال أبو بكر: ألا ترى الناس يبدءونك بالسلام فيكون لهم الأجر، ابدأهم بالسلام يكن له الأجر (٣).
(٢) صيغة السلام
عن عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: السلام عليكم. فرد ﵇، ثم جلس. فقال النبي - ﷺ -:"عشر". ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم
_________________
(١) أخرجه الترمذي (٥١٩٧) ك الأدب، باب فضل من بدأ بالسلام، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٣٢٨).
(٢) أخرجه الترمذي (٢٦٩٤) ك الاستئذان والآداب عن رسول الله، باب ما جاء في فضل الذى يبدأ بالسلام، وقال: حديث حسن. وصححه الألباني في صحيح الترمذي (٢١٦٧).
(٣) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (٩٨٤) باب من يبدأ بالسلام، وصححه الألباني في صحيح الأدب المفرد (٧٥٥).
[ ٢٤٨ ]
ورحمة الله. فرد عليه فجلس، فقال: "عشرون". ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فرد عليه فجلس فقال: "ثلاثون".
وفي رواية: ثم أتى آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته. فقال: "أربعون". قال: هكذا تكون الفضائل (١).
(٣) رد السلام
فال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وهذا من عبوديات اللسان -كما ذكر ابن القيم في مدارج الساكين (١/ ١١٤) - وهو واجب كما تقدم، وأفضله أن تقول: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
قال ابن القيم في بدائع الفوائد (٢/ ٣٨٣): "مقامات رد السلام ثلاثة: مقام فضل، ومقام عدل، ومقام ظلم؛ فالفضل أن يرد عليه أحسن من تحيته، والعدل أن ترد عليه نظيرها، والظلم أن تبخسه حقه وتنقصه منها فاختير للراد أكمل اللفظين".
(٣) تسليم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد.
فعن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله - ﷺ -: "يسلم الراكب على الماشى، والماشى على القاعد، والماشيان أيهما بدأ بالسلام" (٢).
(٣) تسليم الصغير على الكبير والقليل على الكثير.
قال - ﷺ -: "يسلم الصغير على الكبير، والمار على القاعد، والقليل على
_________________
(١) أخرجه أبو داود (٥١٩٥) ك الأدب، باب كيف السلام، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٣٢٧).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد (١٤٣، ١٤٤، ١٤٥)، وابن حبان (١٩٣٥) عن جابر موقوفًا، وله حكم الرفع لا سيما وقد ورد كذلك مرفوعًا، وصحح إسناده الحافظ فى الفتح (١١/ ١٨)، وقال الهيثمي فى المجمع (٨/ ٣٦): رواه البزار ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في الصحيحة (١١٤٦).
[ ٢٤٩ ]
الكثير" (١).
(٤) التسليم عند دخول الدار وإتيان المجالس، وعند مفارقتها.
قال تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النور: ٦١].
وقال - ﷺ -: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس فليسلم، فإذا أراد أن يقوم فليسلم، فليست الأولى بأحق من الآخرة " (٢).
(٥) إلقاء السلام على المعروف والمجهول عندك إذا غلب على الظن أنه مسلم
قال - ﷺ -: "وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف".
قال الحافظ ابن حجر: وفيه من الفوائد أنه لو ترك السلام على من لم يعرف احتمل أن يظهر أنه من معارفه فقد يوقعه في الاستيحاش منه.
ثم قال: إن عرف أنه مسلم فذاك، وإلا فلو سلم احتياطا لم يمتنع حتى يعرف أنه كافر.
وقال ابن بطال في مشروعية السلام على غير المعرفة: استفتاح المخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد، وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش ويشبه صدود المتهاجرين المنهي عنه.
تنبيه:
تبقى دائمًا مسألة السلام على أهل المعاصى والفسوق، فمن السلف من ترك
_________________
(١) أخرجه البخاري (٦٢٣١) ك الاستئذان، باب تسليم القليل على الكثير.
(٢) أخرجه أبو داود (٥٢٠٨) ك الأدب، باب في السلام إذا قام من المجلس، والترمذي (٢٧٠٦) ك الاستئذان والآداب عن رسول الله، باب ما جاء في التسليم عند القيام وعند القعود، وقال: حديث حسن، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (٤٣٤٠)، وصحيح الترمذي (٢١٧٧).
[ ٢٥٠ ]
السلام عليهم.
قال الحسن البصرى: ليس بينك وبين الفاسق حرمة.
ومنهم من تمسك بظاهر ما تقدم من الأحاديث في عموم إفشاء السلام على أهل الإسلام؛ على اعتبار أن ذلك سبيل للدعوة والتآلف.
والخوف هنا أن تترك السلام كبرًا والعياذ بالله، وقد يتسرب إليك من العجب ما يتلف عليك قلبك، فأنت أمير نفسك في هذا الأمر.
فإن تركت السلام وعلمت أن ذلك سينبه الرجل فبها ونعمت، أما إذا كان الأمر على خلاف ذلك فإن ترك السلام سيورث البغضاء والتنافر بينك وبينهم، وهذا غير مطلوب بطبيعة الحال.