اختلاف وجهات النظر ينبغي ألا يكون سببًا للاختلاف، إذ هذا ليس عيبًا، بل إنَّ المجتهد يخطئ تارة ويصيب تارة، وليس هناك عالم كل أقواله صحيحة، فما من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويرد إلا النبي - ﷺ -.
في كتاب الرد الوافر لابن ناصر يقول: لقد أجمع العلماء على أنَّ فروع الشريعة المخطئ فيها مجتهد يثاب لا يكفر ولا يفسق.
فإذا كان كذلك والحالة هذه، فعليك أن تتقدم بالنصيحة مشكورًا، وتسوق دليلك مأجورًا، وقد أوجب الله على المسلم أن ينزل عند الحق، وإن جاء على يد أصغر إخوانه، فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق بها.
ولقد أُخذ بقول الشيطان في قصته مع أبى هريرة عندما كان يأتي للسرقة، وفي النهاية قال له: اتركني وأنصحك نصيحة، ثم قال له: " إذا أويت إلى مضجعك فاقرأ آية الكرسي فإن قرأها مسلم في ليلة لن يقربه شيطان ".
فأخبر أبو هريرة - ﵁ - رسول الله - ﷺ - فقال له: " صدقك وهو كذوب ". (١)
وصارت قراءة آية الكرسي عند النوم من السُّنة، رغم أن الذي نصح بها هو الشيطان، إذن علينا أن نأخذ بالحق ممن جاء به كائنًا من كان، فأنت أحق به وأهله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٣٢٧٥) ك بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده.
[ ١٠٣ ]
والنصيحة في الله هي الأصل في هذه المسألة - كما سبق - فلا عليك خاصة إذا سيقت النصيحة في إطار من العاطفة النبيلة، والروح الأخوية والود والعطف والحب والأدب.
انظر إلى صحابة رسول الله - ﷺ - حين قال لهم النبي - ﷺ -: " لا يصلين أحدٌ العصر إلى في بنى قريظة " (١)، فبعضهم كانت وجهة نظره الوقوف عند ظاهر اللفظ فلم يصلوا العصر إلا في ديار بنى قريظة، فصلوا العصر بعد خروج وقته، وبعضهم تأول هذا على أن النبي يحثهم على الإسراع فصلوا العصر في الطريق، فما وبخ رسول الله - ﷺ - هؤلاء ولا هؤلاء.
في صحيح الإمام البخاري يخبرنا صحابة رسول الله - ﷺ - أنهم كانوا يسافرون مع رسول الله - ﷺ - فمنهم الصائم ومنهم المفطر فلم يعب الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم (٢)
فمن الأصول والثوابت التي ينبغي أن ننطلق منها لتكون لنا الريادة ويصبح القرن القادم هو قرن الإسلام، أنَّ ما اختلف فيه السلف قَبْلنا وسعنا فيه الخلاف، وما لم يختلفوا فيه لا يسعنا فيه الخلاف.