تجد الإنسان عنده مسائل في العقيدة، أو في الفقه أو في مصطلح الحديث فيقف عند هذا لا يتجاوزه ويظن أنَّ هذا هو الدين، والإسلام أوسع وأرحب من ذلك.
القضية - إخوتاه - ليست في قراءة أو تحصيل كتاب كذا وكذا، القضية أن تفهم الإسلام فهمًا عميقًا مجملًا، لا بد أن تحيط بالإسلام بعقائده وعباداته جملة.
لذلك كان السلف عندما يتكلمون في مسألة لا ينظرون إليها من خلال هذا المجهر الجزئي الهامشي، وإنما يتكلمون بنظرة شاملة، يقول الله تعالى " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين" [البقرة / ٢٠٨]، والسلم هنا الإسلام.
فالإسلام هرم ضخم لا بد أن تأخذه من جوانبه الأربعة، ولن تحيط به هكذا حتى تنطلق من القمة حيث كان النبي وأصحابه ومن تابعهم بإحسان، من حيث كان سلفنا الصالح.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: فإذا ترك الناس بعض ما أنزل الله جهلًا أو هوى وقعت بينهم العداوة والبغضاء.
[ ١٠٥ ]
قال تعالى: " وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ " [المائدة/١٤]
إخوتاه
الصبر في طلب العلم، لا بد أن تحيط بالإسلام جملة، وتصبر في تحصيل علوم الإسلام السنوات الطوال، قبل أن تتكلم لا بد أن تتعلم، قبل أن تزعم أنك علمت لا بد من صبر طويل حتى يفتح الله عليك.
قال بعض السلف: العلم ثلاثة أشبار من أخذ الشبر الأول تكبر، ومن أخذ الشبر الثاني تواضع، ومن أخذ الشبر الثالث علم أنه جاهل، فإياك أخي أن تكون أبا شبر.
يقول الإمام الشافعي ﵀: كل يوم أزداد فيه علمًا يظهر لي فيه مدى جهلي.
لذلك تعلم، اطلب العلم، وحاول أن تفهم، واصبر على مُر الطلب، يقول الإمام الشاطبي - في كلام في منتهى الخطورة ـ[في بيان الخلاف في الأمور الفرعية راجع في الحقيقة إلى الوفاق لاتفاق أطرافه على تحرى مقصود الشارع وهو واحد]، يقول: " ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد حتى لم يصيروا شيعًا، ولا تفرقوا فرقًا لأنَّهم مجتمعون على طلب قصد الشارع.
فاختلاف الطرق (للوصول إلى قصد الشارع المشرع) غير مؤثر كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة، كرجل تقربه الصلاة، وآخر يُقربه الصيام، وآخر تقربه الصدقة، إلى غير ذلك من العبادات، فهم متفقون في أصل التوجه لله المعبود، وإن اختلفوا في أصناف التوجه.
فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة
[ ١٠٦ ]
وقولهم واحدًا. أهـ (١)
وهذا يعنى أن الأئمة إذا اختلفوا في مسألة، فماذا كان قصد كل واحد منهم؟ لا شك أن قصدهم إصابة الحق، فكلهم يبغي رضا الله ورسوله - ﷺ -.
وهذا يكون في المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الاختلاف، لكن هذا لا يكون في مسائل العقيدة التي لا تقبل الخلاف.
فمثل هذه المسائل الخلافية يسعنا فيها الخلاف - اليوم - أما ما اتفقت فيه كلمتهم فلا يسوغ لنا الخلاف فيها.