بسم الله الرحمن الرحيم
قال ابن المقفع:
أما بعد، فإن لكل مخلوق حاجة، ولكل حاجة غاية، ولكل غاية سبيلًا. والله وقَّت١ للأمور أقدارها، وهيأ إلى الغايات سبلها، وسبب٢ الحاجات ببلاغها.
فغاية الناس وحاجاتهم صلاح المعاش والمعاد٣، والسبيل إلى دركها٤، العقل الصحيح، وأمارة٥ صحة العقل اختيار الأمور البصر٦، وتنفيذ البصر بالعزم.
_________________
(١) ١ وقَّت: حدد وقتًا. ٢ سبب: أوجد. ٣ المعاش، والمعاد: الحياة الدنيا، والآخرة. ٤ دَركها: إدراكها. ٥ أمارة: علامة. ٦ البصر: أي البصر في الأمور، العلم بعواقبها.
[ ١١ ]
الأدب ينمي العقول
وللعقول سجيات وغرائز١، بها تقبل الأدب، وبالأدب تسمى العقول وتزكو.
فكما أن الحبة المدفونة في الأرض لا تقدر أن تخلع يبسها، وتظهر قوتها، وتطلع فوق الأرض بزعوتها وزيعها٢، ونضرتها ونمائها، إلا بمعونة الماء الذي يغور إليها في مستودعها، فيذهب عنها أذى اليبس والموت، ويحدث لها بإذن الله القوة والحياة، فكذلك سليقة٣ العقل مكنونة في مغرزها من القلب: لا قوة لها، ولا حياة بها، ولا منفعة عندها، حتى يعتملها٤ الأدب، الذي هو ثمارها، وحياتها، ولقاحها.
وجل الأدب بالمنطق، وجل المنطق بالتعلم، ليس منه حرف من حروف معجمه، ولا اسم من أنواع أسمائه، إلا وهو مروي، متعلم، مأخوذ عن إمام سابق، من كلام أو كتاب.
وذلك دليل على أن الناس لم يبتدعوا أصولها، ولم يأتهم علمها إلا من قبل العليم الحكيم.
فإذا خرج الناس من أن يكون لهم عمل أصيل، وأن يقولوا قولا
_________________
(١) ١ السجيات، الواحدة سجية: الطبيعة والخلق، الغرائز، الواحدة غريزة: الطبيعة. ٢ ريعها: نموها. ٣ السليقة: الطبيعة. ٤ يعتملها: يعملها.
[ ١٢ ]
بديعًا، فليعلم الواصفون المخبئون أن أحدهم، وإن أحسن وأبلغ، ليس زائدا على أن يكون كصاحب فصوص١؛ وجد ياقوتا، وزبرجدا ومرجانا، فنظمه قلائد وسموطا٢ وأكاليل، ووضع كل فص موضعه، وجمع إلى كل لون شبهه، وما يزيده بذلك حسنا، فسمي بذلك صانعا رفيقا، وكصاغة الذهب والفضة، صنعوا منها ما يعجب الناس من الحلي والآنية، وكالنحل؛ وجدت ثمرات أخرجها الله طيبة، وسلكت سبلا؛ جعلها الله ذللا٣، فصار ذلك شفاء وطعاما، وشرابا منسوبا إليها، مذكورا بها أمرها وصنعتها.
فمن جرى على لسانه كلام يستحسنه، أويستحسن منه، فلا يعجبن إعجاب المخترع المبتدع، فإنه إنما إجتباه كما وصفنا.
الاقتداء بالصالحين:
ومن أخذ كلامًا حسنًا عن غيره، فتكلم به في موضعه، وعلى وجهه، فلا ترين عليه في ذلك ضؤولة٤، فإنه من أعين على حفظ كلام المصيبين، وهدي للاقتداء بالصالحين، ووفق للأخذ عن الحكماء، ولا عليه أن لا يزداد، فقد بلغ الغاية، وليس
_________________
(١) ١ الفصوص، الواحد فص: ما يركب في الخاتم من الحجارة الكريمة. ٢ السموط، الواحد سمط: الخيط ما دام الخرز أو اللؤلؤ منتظمًا فيه. ٣ ذللًا، الواحد ذلول: السهل. ٤ ضؤولة: أراد حطة شأن.
[ ١٣ ]
بناقصه في رأيه، ولا غامطه١ من حقه أن لا يكون هو استحدث ذلك وسبق إليه. فإنما إحياء العقل الذي يتم به، ويستحكم: خصال سبع: الإيثار بالمحبة، والمبالغة في الطلب، والتثبت في الاختيار، والاعتياد للخير، وحسن الرعي، والتعهد لما اختير واعتقد، ووضع ذلك موضعه قولًا وعملًا.
أما المحبة فإنها تبلغ المرء مبلغ الفضل في كل شيء من أمر الدنيا والآخرة حين يؤثر بمحبته، فلا يكون شيء أمرأ٢، ولا أحلى عنده منه.
وأما الطلب، فإن الناس لا يغنيهم حبهم ما يحبون، وهواهم ما يهوون عن طلبه وابتغائه، ولا تدرك لهم بغيتهم، ونفاستها في أنفسهم، دون الجد والعمل.
وأما التثبت والتخير، فإن الطلب لا ينفع إلا معه وبه، فكم من طالب رشد، وجده والغي معًا، فاصطفى منهما الذي منه هرب، وألغى الذي إليه سعي، فإذا كان الطالب يحوي غير ما يريد، وهو لا يشك في الظفر، فما أحقه بشدة التبين وحسن الابتغاء!
وأما اعتقاد الشيء بعد استبانته، فهو ما يطلب من إحراز الفضل بعد معرفته.
_________________
(١) ١ غمطه حقه: نقصه إياه. ٢ أمرأ، أفعل مرأ الطعام: ساغ من غير غصص.
[ ١٤ ]
وأما الحفظ والتعهد، فهو تمام الدرك؛ لأن الإنسان موكل به النسيان والغفلة؛ فلا بد له إذا اجتبى١ صواب قول أو فعل من أن يحفظه عليه ذهنه لأوان حاجته.
وأما البصر بالمواضع، فإنما تصير المنافع كلها إلى وضع الأشياء مواضعها، وبنا إلى أهل كله حاجة شديدة، فإنا لم نوضع في الدنيا موضع غنى وخفض٢، ولكن بموضع فاقة وكد، ولسنا إلى ما يمسك أرماقنا٣ من المأكل والمشرب بأحوج منا إلى ما يثبت عقولنا من الأدب الذي به تقاوت العقول، وليس غذاء الطعام بأسرع في نبات الجسد من غذاء الأدب في نبات العقل، ولسنا بالكدِّ في طلب المتاع الذي يلتمس به دفع الضرر، والغلبة، بأحق منا بالكد في طلب العلم الذي يلتمس به صلاح الدين والدنيا.
ما وضع في هذا الكتاب:
وقد وضعت في هذا الكتاب من كلام الناس المحفوظ حروفًا فيها عون على عمارة القلوب، وصقالها، وتجلية أبصارها، وإحياء للتفكير وإقامة للتدبير، ودليل على محامد الأمور، ومكارم الأخلاق إن شاء الله!
_________________
(١) ١ اجتبى: اختار. ٢ الخفض: سعة العيش. ٣ الأرماق، الواحد رمق: بقية الحياة.
[ ١٥ ]
انظر أين تضع نفسك
الواصفون١ أكثر من العارفين، والعارفون أكثر من الفاعلين.
فلينظرِ امرؤ أين يضع نفسه؛ فإن لكل امرئ لم تدخل عليه آفة نصيبًا من اللب يعيش به، لا يحب أن له به من الدنيا ثمنًا، وليس كل ذي نصيب من اللب بمستوجب أن يسمى في ذوي الألباب، ولا يوصف بصفاتهم، فمن رام أن يجعل نفسه لذلك الاسم والوصف أهلًا، فليأخذ له عتاده٢، وليعد له طول أيامه، وليؤثره على أهوائه، فإنه قد رام أمرًا جسيمًا لا يصلح على الغفلة، ولا يدرك بالمعجزة، ولا يصير على الأثرة٣، وليس كسائر أمور الدنيا وسلطانها ومالها وزينتها التي قد يدرك منها المتواني ما يفوت المثابر، ويصيب منها العاجز ما يخطئ الحازم.
جماع الصواب، وجماع الخطأ:
وليعلم أن على العاقل أمورًا إذا ضيعها، حكم عليه عقله بمقارنة الجهال.
فعلى العاقل أن يعلم أن الناس مشتركون، مستوون في الحب
_________________
(١) ١ أراد بالواصفين: المكثرين الكلام. ٢ العتاد: ما أعدَّ لأمر ما. ٣ الأثرة: أن يختار المرء لنفسه أحسن الأشياء دون أصحابه.
[ ١٦ ]
لما يوافق، والبغض لما يؤذي، وأن هذه منزلة اتفق عليها الحمقى والأكياس١، ثم اختلفوا بعدها في ثلاث خصال هن جماع الصواب وجماع الخطأ، وعندهن تفرقت العلماء والجهال، والحزمة والعجزة.
الباب الأول من ذلك٢:
أن العاقل ينظر فيما يؤذيه، وفيما يسره، فيعلم أن أحق ذلك بالطلب، إن كان مما يحب، وأحقه بالاتقاء، إن كان مما يكره، أطوله وأدومه وأبقاه، فإذا هو قد أبصر فضل الآخرة على الدنيا، وفضل سرور المروءة على لذة الهوى، وفضل الرأي الجامع الذي تصلح به الأنفس والأعقاب على حاضر الرأي الذي يستمتع به قليلا، ثم يضمحل، وفضل الأكلات على الأكلة، والساعات على الساعة٣.
الباب الثاني من ذلك:
أن ينظر فيما يؤثر من ذلك، فيضع الرجاء، والخوف فيه
_________________
(١) ١ الحمقى، الواحد أحمق: قليل العقل، فاسده. الأكياس، الواحد كيِّس: الحسن الفهم، والأدب، والفطنة. ٢ أراد بالباب الأول: الخصلة الأولى، وهكذا أراد بالباب الثاني والباب الثالث: الخصلة الثانية، والخصلة الثالثة. ٣ أراد عرف كيف يعزف عن ملذات الدنيا الزائلة إلى نعيم الآخرة الدائم.
[ ١٧ ]
موضعه، فلا يجعل اتقاءه لغير المخوف، ولا رجاءه في غير المدرك.
فسيتوقى عاجل الذات طلبًا لآجلها، ويحتمل قريب الأذى توقيًا لبعيده، فإذا صار إلى العاقبة، بدا له أن فراره كان تورطًا١ وأن طلبه كان تنكبًا٢.
الباب الثالث من ذلك:
هو تنفيذ البصر بالعزم بعد المعرفة بفضل الذي هو أدوم، وبعد التثبت في مواضع الرجاء والخوف، فإن طالب الفضل بغير بصر تائه حيران، ومبصر الفضل بغير عزم ذو زمانة٣ محروم.
محاسبة النفس:
وعلى العاقل مخاصمة نفسه، ومحاسبتها، والقضاء عليها، والإثابة والتنكيل بها٤.
أما المحاسبة، فيحاسبها بما لها، فإنه لا مال لها إلا أيامها المعدودة التي ما ذهبت منها لم يستخلف كما تستخلف النفقة، وما جعل منها في الباطل لم يرجع إلى الحق، فيتنبه لهذه المحاسبة
_________________
(١) ١ تورط: وقع أمر مشكل، يصعب عليه الخلاص منه. ٢ التنكت: التجنب. ٣ الزمانة: العاهة، تعطيل القوى. ٤ أراد بالإثابة: مكافأة نفسه على ما عملته من عمل صالح، وبالتنكيل بها: معاقبتها على ما عملته من عمل فاسد.
[ ١٨ ]
عند الحول١ إذا حال، والشهر إذا انقضى، واليوم إذا ولى، فينظر فيما أفنى من ذلك، وما كسب لنفسه، وما اكتسب عليها في أمر الدين وأمر الدنيا، فيجمع ذلك في كتاب فيه إحصاء، وجد، وتذكير للأمور، وتبكيت للنفس، وتذليل لها؛ حتى تعترف، وتذعن.
وأما الخصومة، فإن من طباع النفس الآمرة بالسوء أن تدعي المعاذير فيما مضى، والأماني فيما بقي، فيرد عليها معاذيرها، وعللها، وشبهاتها.
وأما القضاء، فإنه يحكم فيما أرادت من ذلك على السيئة بأنها فاضحة، مردية، موبقة٢، وللحسنة بأنها زائنة، منجية، مربحة.
وأما الإثابة، والتنكيل، فإنه يسر نفسه بتذكر تلك الحسنات، ورجاء عواقبها، وتأميل فضلها، ويعاقب نفسه بالتذكر للسيئات، والتبشع بها، والاقشعرار منها، والحزن لها.
فأفضل ذوي الألباب أشدهم لنفسه بها أخذًا، وأقلهم عنها فيه فترة.
ذكر الموت:
وعلى العاقل أن يذكر الموت في كل يوم وليلة مرارًا، ذكرًا
_________________
(١) ١ الحول: السنة. ٢ موبقة: مهلكة.
[ ١٩ ]
يباشر به القلوب، ويقدع الطماع١، فإن في كثرة ذكر الموت عصمة من الأشر، وأمانًا، بإذن الله، من الهلع٢
إحصاء المساوئ:
وعلى العاقل أن يحصي على نفسه مساويها في الدين، وفي الأخلاق، وفي الآداب، فيجمع ذلك كله في صدره، أو في كتاب، ثم يكثر عرضه على نفسه، ويكلفها إصلاحه، ويوظف ذلك عليها توظيفًا من إصلاح الخلة٣، والخلتين، والخلال في اليوم أو الجمعة أو الشهر.
فكلما أصلح شيئًا محاه، وكلما نظر إلى محو استبشر، وكلما نظر إلى ثابت اكتأب.
الخصال الصالحة:
وعلى العاقل أن يتفقد محاسن الناس، ويحفظها على نفسه، ويتعهدها بذلك مثل الذي وصفنا في إصلاح المساوي.
وعلى العاقل أن لا يخادن، ولا يصاحب، ولا يجاور من الناس ما استطاع، إلا ذا فضل في العلم والدين والأخلاق، فيأخذ عنه، أو موافقًا له على إصلاح ذلك، فيؤيد ما عنده، وإن لم يكن له عليه فضل.
_________________
(١) ١ يقدع: يكبح. الطماح: أراد جماح النفس، وركوبها هواها. ٢ الهلع: الجزع. ٣ الخلة: الخصلة.
[ ٢٠ ]
فإن الخصال الصالحة من البر١ لا تحيا، ولا تنمى إلا بالموافقين والمؤيدين، وليس لذي الفضل قريب، ولا حميم أقرب إليه ممن وافقه على صالح الخصال، فزاده، وثبته.
ولذلك زعم بعض الأولين أن صحبة بليد نشأ مع العلماء، أحب إليهم من صحبة لبيب نشأ مع الجهال.
من نسي وتهاون خسر:
وعلى العاقل أن لا يحزن على شيء فاته من الدنيا أو تولى، وينزل ما أصابه من ذلك، ثم انقطع عنه، منزلة ما لم يصب، وينزل ما طلب من ذلك، ثم لم يدركه، منزلة ما لم يطلب، ولا يدع حظه من السرور بما أقبل منها، ولا يبلغن ذلك سكرًا ولا طغيانًا، فإن مع السكر النسيان، ومع الطغيان التهاون، ومن نسي، وتهاون خسر.
إيناس ذوي الألباب:
وعلى العاقل أن يؤنس ذوي الألباب بنفسه، ويجرئهم عليها، حتى يصبروا حرسًا على سمعه وبصره ورأيه، فيستنيم إلى ذلك، ويريح له قلبه، ويعلم أنهم لا يغفلون عنه إذا هو غفل عن نفسه.
_________________
(١) ١ البر: الطاعة، الصلاح، الصدق.
[ ٢١ ]
ساعة عون على الساعات:
وعلى العاقل، ما لم يكن مغلوبًا على نفسه، أن لا يشغله شغل عن أربع ساعات: ساعة: يرفع فيها حاجته إلى ربه، وساعة: يحاسب فيها نفسه، وساعة: يفضي فيها إلى إخوانه، وثقاته الذين يصدقونه عن عيوبه، وينصحونه في أمره، وساعة: يخلي فيها بين نفسه، وبين لذتها مما يحل ويجمل، فإن هذه الساعة عون على الساعات الأُخَر، وإن استجمام١ القلوب، وتوديعها٢ زيادة قوة لها، وفضل بلغة٣.
الرغبات الثلاث:
وعلى العاقل أن لا يكون راغبًا إلا في إحدى ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم.
الناس طبقتان متباينتان:
وعلى العاقل أن يجعل الناس طبقتين متباينتين، ويلبس لهم لباسين مختلفين، فطبقة من العامة يلبس لهم لباس
_________________
(١) ١ الاستجمام: الراحة. توديعها: تركها وادعة مطمئنة. ٣ البلغة: ما يكفي من العيش، ولا يفضل منه. ٤ مرمة لمعاش: أي الاكتفاء بما هو ضروري للحياة.
[ ٢٢ ]
انقباض وانحجاز وتحفظ في كل كلمة وخطوة، وطبقة من الخاصة يخلع عندهم لباس التشدد، ويلبس لباس الأنسة واللطفة والبذلة١ والمفاوضة، ولا يدخل في هذه الطبقة إلا واحدًا من الألف، وكلهم ذو فضل في الرأي، وثقة في المودة، وأمانة في السر، ووفاء بالإخاء.
الصغير يصير كبيرًا:
وعلى العاقل أن لا يستصغر شيئا من الخطأ في الرأي، والزلل في العلم، والإغفال في الأمور؛ فإنه من استصغر الصغير أوشك أن يجمع إليه صغيرًا وصغيرًا، فإذا الصغير كبير، وإنما هي ثلم٢ يثلمها العجز والتضييع، فإذا لم تسدَّ أوشكت أن تتفجر بما لا يطاق، ولم نر شيئًا قط إلا قد أتى من قبل الصغير المتهاون به، قد رأينا الملك يؤتى من العدو المحتقر به، ورأينا الصحة تؤتى من الداء الذي لا يحفل به، ورأينا الأنهار تنبثق من الجدول الذي يستخف به.
وأقل الأمور احتمالًا للضياع الملك؛ لأنه ليس شيء يضيع، وإن كان صغيرًا، إلا اتصل بآخر، يكون عظيمًا.
_________________
(١) ١ أراد بالبذلة: إطلاع من يثق به على أسراره، وما تكنه نفسه. ٢ الثلم، الواحدة ثلمة: الخلل في الجدار، وغيره.
[ ٢٣ ]
الرأي والهوى عدوان:
وعلى العاقل أن يجبن عن المضي على الرأي الذي لا يجد عليه موافقًا، وإن ظن أنه على اليقين.
وعلى العاقل أن يعرف أن الرأي والهوى متعاديان، وأن من شأن الناس تسويف الرأي، وإسعاف الهوى، فيخالف ذلك، ويلتمس أن لا يزال هواه مُسَوَفًّا ورأيه مسعفًا.
وعلى العاقل إذا اشتبه عليه أمران فلم يدر في أيهما الصواب، أن ينظر أهواهما عنده، فيحذره.
علم نفسك قبل تعليم غيرك:
ومن نصب نفسه للناس إمامًا في الدين، فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه وتقويمها في السيرة والطعمة والرأي واللفظ والأخدان؛ فيكون تعليمه بسيرته أبلغ من تعليمه بلسانه، فإنه كما أن كلام الحكمة يونق٢ الأسماع، فكذلك عمل الحكمة يروق العيون والقلوب، ومعلم نفسه ومؤدبها أحق بالإجلال والتفضيل من معلم الناس ومؤدبهم.
_________________
(١) ١ الطعمة: المكسب. ٢ يونق: يعجب.
[ ٢٤ ]
أعمدة السلطان:
ولاية الناس بلاء عظيم، وعلى الوالي أربع خصال هي أعمدة السلطان١، وأركانه التي بها يقوم، وعليها يثبت: الاجتهاد في التخير، والمبالغة في التقدم، والتعهد٢ الشديد، والجزاء العتيد٣.
فأما التخير للعمال والوزراء، فإنه نظام الأمر، ووضع مؤونة البعيد المنتشر، فإنه عسى أن يكون يتخيره رجلًا واحدًا قد اختار ألفا؛ لأنه من كان من العمال خيارًا فسيختار كما اختير، ولعل عمال العامل، وعمال عماله يبلغون عددًا كثيرًا، فمن تبين التخيُّر فقد أخذ بسبب وثيق، ومن أسس أمره على غير ذلك لم يجد لبنائه قوامًا.
وأما التقديم والتوكيد، فإنه ليس كل ذي لب أو ذي أمانة يعرف وجوه الأمور والأعمال، ولو كان بذلك عارفًا، لم يكن صاحبه حقيقًا أن يكل ذلك إلى علمه، دون توقيفه عليه، وتبيينه له، والاحتجاج عليه به.
وأما التعهد، فإن الوالي إذا فعل ذلك كا سميعًا بصيرًا، وإن العامل إذا فعل ذلك به كان متحصنًا حريزًا.
وأما الجزاء فإنه تثبيت المحسن، والراحة من المسيء.
_________________
(١) ١ السلطان: التسلط، والقدرة. ٢ التعهد: التفقد للشيء، والتحفظ به. ٣ العتيد: الحاضر، المهيأ.
[ ٢٥ ]
بماذا يستطاع السلطان:
لا يستطاع السلطان إلا بالوزراء والأعوان، ولا ينفع الوزراء إلا بالمودة والنصيحة، ولا المودة إلا مع الرأي والعفاف١.
وأعمال السلطان كثيرة، وقليل ما تستجمع الخصال المحمودة عند أحد، وإنما الوجه في ذلك، والسبيل الذي به يستقيم العمل، أن يكون صاحب السلطان عالِمًا بأمور من يريد الاستعانة به، وما عند كل رجل من الرأي والغناء، وما فيه من العيوب.
فإذا استقر ذلك عنده عن علمه وعلم من يأتمن، وجَّه لكل عمل من قد عرف أن عنده من الرأي والنجدة٢ والأمانة ما يحتاج إليه فيه، وأن ما فيه من العيوب لا يضر بذلك، ويتحفظ من أن يوجه أحدًا وجهًا لا يحتاج فيه إلى مروءة، إن كانت عنده، ولا يأمن عيوبه، وما يكره منه.
ثم على الملوك، بعد ذلك، تعاهد عمالهم، وتفقد أمورهم، حتى لا يخفى عليهم إحسان محسن، ولا إساءة مسيء.
ثم عليهم، بعد ذلك، أن لا يتركوا محسنًا بغير جزاء، ولا يقروا مسيئًا ولا عاجزًا على الإساءة والعجز؛ فإنهم إن تركوا ذلك، تهاون المحسن، واجترأ المسيء، وفسد الأمر، وضاع العمل.
_________________
(١) ١ أراد العفاف عن أموال الرعية، وأعراضها. ٢ النجدة: الشجاعة، الشدة والبأس.
[ ٢٦ ]
الدنيا دول:
اقتصار السعي إبقاء للجمام١، وفي بعد الهمة يكون النَصَبُ٢، ومن سأل فوق قدرته استحق الحرمان، وسوء حمل الغنى أن يكون عند الفرح مرحًا، وسوء حمل الفاقة أن يكون عند الطلب شرهًا، وعار الفقر أهون من عار الغنى، والحاجة مع المحبة خير من الغنى مع البغضة.
الدنيا دول، فما كان لك منها أتاك على ضفعك، وما كان عليك لم تدفعه بقوتك.
المثل أوضح للمنطق:
إذا جعل الكلام مثلًا، كان ذلك أوضح للمنطق، وأبين في المعنى، وآنق للسمع، وأوسع لشعوب الحديث٣.
لا مال أفضل من العقل:
أشد الفاقة عدم العقل، وأشد الوحدة وحدة اللجوج٤، ولا مال أفضل من العقل، ولا أنيس آنس من الاستشارة.
_________________
(١) ١ الجمام: الراحة. ٢ النصب: التعب. ٣ شعوب الحديث: أي متفرقة، ومتنوعة. ٤ اللجوج: الشديد الخصومة.
[ ٢٧ ]
كن مستورًا:
مما يعتبر به صلاح الصالحين، وحسن نظره للناس أن يكون إذا استعتب١ المذنب ستورًا لا يشيع، ولا يذيع، وإذا استشير سمحًا بالنصيحة مجتهدًا للرأي، وإذا استشار مطرحًا للحياء منفذًا للحزم معترفًا للحق.
الحارس والمحروس:
القسم٢ الذي يقسم للناس، ويمتعون به، نحوان: فمنه حارس، ومنه محروس، فالحارس العقل، والمحروس المال، والعقل، بإذن الله، هو الذي يحرز الحظ، ويؤنس الغربة، وينفي الفاقة، ويعرف النكرة، ويثمر المكسبة٣، ويطيب الثمرة، ويوجه السوقة عند السلطان٤، ويستنزل للسلطان نصيحة السوقة، ويكسب الصديق، ويكفي العدو.
الأدب العظيم:
كلام اللبيب، وإن كان نزرًا، أدب عظيم، ومقارفة
_________________
(١) ١ استعتبه: استرضاه، طلب عفوه. ٢ القسم: ما يقسمه الله من الرزق للناس. ٣ المكسبة: ما يكسب. ٤ وجَّهَهَم: جعلهم وجهاء.
[ ٢٨ ]
المأثم١، وإن كان محتقرًا، مصيبة جليلة، ولقاء الإخوان، وإن كان يسيرًا٢، غنم حسن.
أجناس الناس:
قد يسعى إلى أبواب السلطان أجناس من الناس كثير، أما الصالح فمدعوٌّ، وأما الطالح فمقتحمٌ٣، وأما ذو الأدب فطالب، وأما من لا أدب له فمختلس٤، وأما القوي فمدافع، وأما الضعيف فمدفوع، وأم المحسن فمستثيب، وأما المسيء فمستجير٦. فهو مجمع البر والفاجر، والعالم والجاهل، والشريف والوضيع.
الناس، إلا قليلا ممن عصم الله، مدخولون في أمورهم٧: فقائلهم باغٍ، وسامعهم عياب، وسائلهم متعنت، ومجيبهم متكلف، وواعظهم غير محقق لقوله بالفعل، وموعوظهم غير سليم من الاستخفاف، والأمين منهم غير متحفظ من
_________________
(١) ١ مقارفة: مقاربة. المأثم: الإثم، الذنب. ٢ غنم: غنيمة. ٣ الطالح: عكس الصالح. المقتحم: الهاجم على المنزل دون تروٍ. ٤ المختلس، السالب عاجلًا بمخاتلة، أراد أنه يختلس مكانًا ليس هو أهلًا له. ٥ المستثيب: طالب الثواب والمكافأة. ٦ المستجير: المستغيث، الطالب ملجأ له. ٧ مدخولون في أمورهم: أي فسد داخلهم.
[ ٢٩ ]
إتيان الخيانة، والصدوق غير محترس من حديث الكذبة، وذو الدين غير متورع عن تفريط الفجرة١، والحازم منهم غير تارك لتوقع الدوائر.
يتناقضون البناء٢، ويتراقبون الدول، ويتعايبون بالهمز٣، مولعون في الرخاء بالتحاسد، وفي الشدة بالتخاذل.
لا تغتر بالدنيا:
كم قد انتزعت الدنيا ممن استمكن منها، واعتكفت له،
فأصبحت الأعمال أعمالهم، والدنيا دنيا غيرهم، وأخذ متاعهم من لم يحمدهم، وخرجوا إلى من لا يعذرهم.
فأصبحنا خلفًا من بعدهم، نتوقع مثل الذي نزل بهم، فنحن إذا تدبرنا أمورهم، أحقَّاء أن ننظر ما نغبطهم بهو فنتَّبعه، وما نخاف عليهم منه فتجتنبه.
كيف تطلع الشيطان على عورتك؟:
كان يقال: إن الله تعالى قد يأمر بالشيء ويبتلي بثقله وينهى
_________________
(١) ١ التفريط: الهجاء حتى مجاوزة الحد. الفجرة، الواحد فاجر: العادلون عن الحق، والكذبة وراكبوا المعاصي. ٢ يتناقضون البناء: ينقضونه، يهدمونه. ٣ الهمز، من همزه: رماه بالباطل. ٤ أحقاء، الواحد حقيق: الجدير.
[ ٣٠ ]
عن الشيء، ويبتلي بشهوته.
فإذا كنت لا تعمل من الخير إلا ما اشتهيته، ولا تترك من الشر إلا ما كرهته، فقد أطلعت الشيطان على عورتك، وأمكنته من رمتك١، فأوشك أن يقتحم عليك فيما تحب من الخير، فيكرهه إليك، وفيما تكره من الشر، فيحببه إليك.
ولكن ينبغي لك في حب ما تحب من الخير التحامل على ما يستثقل منه، وينبغي لك في كراهة ما تكره من الشر التجنب لما يحب منه.
زخرف الدنيا:
الدنيا زخرف، يغلب الجوارح، مالم تغلبه الألباب، والحكيم من يغضي عنه، ولم يشغل به قلبه: اطلع من أدناه فيما وراءه، وذكر لواحق شره، فأكل مره، وشرب كدره؛ ليحلولي له، ويصفو في طول من إقامة العيش الذي يبقى ويدوم، غير عائف للرشد إن لم يلقه برضاه، ولم يأتِهِ من طريق هواه.
القيام على الثقة:
لا تألف المستوخم٢، ولا تقمْ على غير الثقة.
_________________
(١) ١ الرمة: الحبلو أراد أمكنته من أن يقودك بحبلك. ٢ المستوخم: غير المستمرئ، ولعلها بفتح الخاء، فيكون المعنى غير المستمرأ، الوخيم، أي الرديء المضر.
[ ٣١ ]
شكر الله على نعمه والعمل بطاعته:
قد بلغ فضل الله على الناس من السعة، وبلغت نعمته عليهم من السبوغ١ ما لو أن أخسهم حظًا، وأقلهم منه نصيبًا، وأضعفهم علمًا، وأعجزهم عملًا، وأعياهم لسانًا، بلغ من الشكر له، والثناء عليه بما خلص إليه من فضله، ووصل إليه من نعمته، ما بلغ له منه أعظمهم حظًا، وأوفرهم نصيبًا، وأفضلهم علمًا، وأقواهم عملًا، وأبسطهم لسانًا، لكان عما استوجب٢ الله عليه مقصرًا، وعن بلوغ غاية الشكر بعيدًا.
ومن أخذ بحظه من شكر الله، وحمده، ومعرفة نعمه، والثناء عليه والتحميد له، فقد استوجب بذلك من أدائه إلى الله القربة عنده والوسيلة إليه، والمزيد فيما شكره عليه من خير الدنيا، وحسن ثواب الآخرة.
أفضل ما يعلم به علم ذي العلم، وصلاح ذي الصلاح أن يستصلح بما أوتي من ذلك ما استطاع من الناس، ويرغبهم فيما رغب فيه لنفسه من حب الله، وحب حكمته، والعمل بطاعته، والرجاء لحسن ثوابه في المعاد إليه، وأن يبين الذي لهم من الأخذ بذلك، والذي عليهم في تركه، وأن يورث ذلك أهله ومعارفه؛ ليلحقه أجره من بعد الموت.
_________________
(١) ١ السبوغ، من سبغ الثوب: اتسع وطال، والمراد هنا شمول النعمة. ٢ استوجب: استحق.
[ ٣٢ ]
الدين أفضل المواهب:
الدين أفضل المواهب التي وصلت من الله إلى خلقه، وأعظمها منفعة، وأحمدها في كل حكمة، فقد بلغ فضل الدين والحكمة أن مدحا على السنة الجهال، على جهالتهم بهما وعماهم عنهما.
أحقُّ الناس:
أحقُّ الناس بالسلطان أهل المعرفة١، وأحقهم بالتدبير العلماء، وأحقهم بالفضل أعودهم٢ على الناس بفضله، وأحقهم بالعلم أحسنهم تأديبًا، وأحقهم بالغنى أهل الجود، وأقربهم إلى الله أنفذهم في الحق علمًا، وأكملهم به عملًا، وأحكمهم أبعدهم من الشك في الله، وأصوبهم رجاءًا أوثقهم بالله، وأشدهم انتفاعًا بعلمه أبعدهم من الأذى، وأرضاهم في الناس أفشاهم معروفًا، وأقولهم أحسنهم معونة، وأشجعهم أشدهم على الشيطان، وأفلحهم بحجةٍ أغلبهم للشهوة والحرص، وآخذهم بالرأي أتركُهُم للهوى، وأحقهم بالمودة أشدهم لنفسه حبًا، وأجودهم أصوبهم بالعطية موضعًا، وأطولهم راحة أحسنهم للأمور احتمالًا، وأقلهم
_________________
(١) ١ أراد المعرفة بسياسة الملك. ٢ أعودهم بفضله: أي صنعه الفضل.
[ ٣٣ ]
دهشًا أرحبهم ذراعًا، وأوسعهم غنى أقنعهم بما أوتي، وأخفضهم عيشًا أبعدهم من الإفراط، وأظهرهم جمالًا أظهرهم حصافة١، وآمنهم في الناس أكلُّهم نابًا ومخلبًا، وأثبتهم شهادة عليهم أنطَقَهُم عنهم، وأعدلهم فيهم أدومهم مسالمة لهم، وأحقهم بالنعم أشكرهم لما أوتي منها.
العجب آفة العقل:
أفضل ما يورث الآباء الأبناء، الثناء الحسن، والأدب النافع، والإخوان الصالحون.
فصل ما بين الدين والرأي، أن الدين يسلم بالإيمان، وأن الرأي يثبت بالخصومة٢، فمن جعل الدين خصومة، فقد جعل الدين رأيًا، ومن جعل الرأي دينًا فقد صار شارعًا٣، ومن كان هو يشرع لنفسه الدين، فلا دين له.
قد يشتبه الدين والرأي في أماكن، لولا تشابههما لم يحتاجا إلى الفصل.
العجب آفة العقل، واللجاجة قعود الهوى، والبخل لقاح
_________________
(١) ١ الحصافة: جودة الرأي، وإحكام العقل. ٢ الخصومة: المنازعة والمجادلة. ٣ الشارع: من يسن شريعة.
[ ٣٤ ]
الحرص، والمراء فساد اللسان، والحمية سبب الجهل، والأنف توأم السفه١، والمنافسة أخت العداوة.
حكمتان:
إذا هممت بخير، فبادر هواك، لا يغلبك؛ فإن ما مضى من الأيام والساعات على ذلك هو الغنم.
لا يمنعنَّك صغر شأن امرئ من اجتناء ما رأيت من رأيه صوابًا، والاصطفاء ما رأيت من أخلاقه كريمًا، فإن اللؤلؤة القائمة لا تهان لهوان غائصها الذي استخرجها.
العلم زين لصاحبه:
من أبواب التوفق، والتوفيق في التعلم أن يكون وجه الرجل الذي يتوجه فيه من العلم والأدب فيما يوافق طاعة، ويكون له عنده محمل وقبول، فلا يذهب عناؤه في غير غناء، ولا تفنى أيامه في غير درك، ولا يستفرغ نصيبه فيما لا ينجع فيه، ولا يكون كرجل أراد أن يعمر أرضا تهمة٢، فغرسها جوزًا ولوزًا، وأرضًا جلسًا٣، فغرسها نخلًا وموزًا.
_________________
(١) ١ السفه: الجهل، رداءة الخلق. ٢ التهمة: الأرض المتصوبة إلى البحر، لا يصلح فيها الغرس. ٣ الجلس: الغليظ من الأرض، لا يصلح للنخل، والموز.
[ ٣٥ ]
العلم زين لصاحبه في الرخاء، ومنجاة له في الشدة:
بالأدب تعمر القلوب، وبالعلم تستحكم الأحلام١.
العقل الذاتي:
العقل الذاتي غير الصنيع، كالأرض الطيبة غير الخراب.
الدليل على معرفة الله:
مما يدل على معرفة الله، وسبب الإيمان، أن يوكل بالغيب لكل ظاهر من الدنيا، صغير أو كبير، عينًا، فهو يصرفه، ويحركه، فمن كان معتبرًا بالجليل من ذلك، فلينظر إلى السماء، فسيعلم أن لها ربًا يُجري فَلَكَهَا، ويدبر أمرها، ومن اعتبر بالصغير، فلينظر إلى حبة الخردل فسيعرف أن لها مدبرًا بنبتها، ويزكيها، ويقدر لها أقواتها من الأرض والماء، يوقت لها زمان نباتها، وزمان تهشمها٢، وأمر النبوة والأحلام، وما يحدث في أنفس الناس من حيث لا يعلمون، ثم يظهر منهم بالقول والفعل، ثم اجتماع العلماء والجهال والمهتدين والضلال على ذكر الله، وتعظيمه، واجتماع من شك في الله، وكذب به على الإقرار بأنهم أنشئوا حديثًا، ومعرفتهم أنهم
_________________
(١) ١ الأحلام، الواحد حِلْم: العقل ٢ تهشما: تكسرها من يبسها.
[ ٣٦ ]
لم يحدثوا أنفسهم.
فكل ذلك يهدي إلى الله، ويدل على الذي كانت منه هذه الأمور، مع ما يزيد ذلك يقينًا عند المؤمنين، بأن الله حق كبير، ولا يقدر أحد على يوقن أنه بالباطل.
حق السلطان المقسط:
إن للسلطان المقسط١ حقًا لا يصلح بخاصة، ولا عامة أمر إلا بإرادته، فذو اللب حقيق أن يخلص لهم النصيحة، ويبذل لهم الطاعة، ويكتم سرَّهم، ويزين سيرتهم، ويذب بلسانه ويده عنهم، ويتوخى مرضاتهم، ويكون من أمره المؤاتاة٢ لهم، والإيثار لأهوائهم، ورأيهم على هواه ورأيه، ويقدر الأمور على موافقتهم، وإن كان ذلك له مخالفًا٣، وأن يكون منه الجد في المخالفة لمن جانبهم وجهل حقهم، ولا يواصل من الناس إلا من لا تباعد مواصلته إياه منهم، ولا تحمله عداوة أحد له، ولا إضرار به على الاضطغان عليهم، ولا مؤاتاة أحد على الاستخفاف بشيء من أمورهم، والانتقاص لشيء من حقهم، ولا يكتمهم شيئًا من نصيحتهم، ولا يتثاقل عن شيء من طاعتهم، ولا يبطر إذا أكرموه، ولا يجترئ عليهم إذا قربوه،
_________________
(١) ١ المقسط: العادل. ٢ المؤتاة: الموافقة. ٣ مخالفًا: أي مخالفًا لرأيه.
[ ٣٧ ]
ولا يطغى إذا سلطوه، ولا يُلْحِف١ إذا سألهم، ولا يدخل عليهم المؤونة، ولا يستثقل ما حمَّلوه، ولا يعتز عليهم إذا رضوا عنه، ولا يتغير لهم إذا سخطوا عليه، وأن يحمدهم على ما أصاب من خير منهم، أو من غيرهم، فإنه لا يقدر أحد على أن يصيبه بخير إلا بدفاع الله عنه بهم.
الدليل على علم العالم:
مما يدل على علم العالم معرفته ما يدرك من الأمور، وإمساكه عما لا يدرك، وتزيينه نفسه بالمكارم، وظهور علمه للناس من غير أن يظهر منه فخر ولا عجب، ومعرفته زمانه الذي هو فيه، وبصره بالناس، وأخذه بالقسط، وإرشاده المسترشد، وحسن مخالفته خلطاءه، وتسويته بين قلبه ولسانه، وتحريه العدل في كل أمر، ورحب ذرعه فيما نابه، واحتجاجه بالحجج فيما عمل، وحسن تبصيره.
علم الآخرة:
من أراد أن يبصر شيئًا من علم الآخرة، فالعلم الذي يعرف به ذلك، ومن أراد أن يبصر شيئًا من أمر الدنيا فبالأشياء التي هي تدل عليه.
_________________
(١) ١ يُلحف: يُلِحُّ.
[ ٣٨ ]
ماذا يجب على المرء؟:
ليكن المرء سؤولًا١، وليكن فصولًا بين الحق والباطل، وليكن صدوقًا؛ ليؤمن على ما قال، وليكن ذا عهد؛ ليوفى له بعهده، وليكن شكورًا؛ ليستوجب الزيادة، وليكن جوادًا؛ ليكون للخير أهلًا، وليكن رحيمًا بالمضرورين؛ لئلا يبتلى بالضر، وليكن ودودًا؛ لئلا يكون معدنًا لأخلاق الشيطان، وليكن حافظًا للسانه، مقبلًا على شأنه؛ لئلا يؤخذ بما لم يجترم، وليكن متواضعًا؛ ليفرح له بالخير، ولا يحسد عليه، وليكن قنعًا؛ لتقر عينه بما أوتي، وليسر للناس بالخير؛ لئلا يؤذيه الحسد؛ وليكن حذرًا؛ لئلا تطول مخافته، ولا يكونن حقودًا؛ لئلا يضر بنفسه إضرارًا باقيًا، وليكن ذا حياء؛ لئلا يستذم إلى العلماء، فإن مخافة العالم مذمة العلماء أشد من مخافته عقوبة السلطان.
نصائح سنية:
حياة الشيطان ترك العلم، وروحه، وجسده الجهل، ومعدنه في أهل الحقد والقساوة، ومثواه في أهل الغضب، وعيشة في المصارمة، ورجاؤه في الإصرار على الذنوب.
_________________
(١) ١ سؤولًا: أي يسأل عما لا يعلمه؛ ليعرفه، فليس في ذلك غضاضة له.
[ ٣٩ ]
وقال: لا ينبغي للمرء أن يعتدَّ بعلمه ورأيه ما لم يذاكره ذوو الألباب، ولم يجامعوه عليه١؛ فإنه لا يستكمل علم الأشياء بالعقل الفرد.
أعدل السير أن تقيس الناس بنفسك، فلا تأتي إليهم إلا ما ترضى أن يؤتى إليك.
وأنفع العقل أن تحسن المعيشة فيما أوتيت من خير، وأن لا تكترث من الشر بما لم يصبْك.
ومن العلم أن تعلم أنك لا تعلم بما لا تعلم.
ومن أحسن ذوي العقول عقلًا من أحسن تقدير أمر معاشه ومعاده تقديرًا لا يفسد عليه واحدًا منهما نفاد الآخر، فإن أعياه ذلك رفض الأدنى، وآثر عليه الأعظم.
وقال: المؤمن بشيء من الأشياء، وإن كان سحرًا، خير ممن لا يؤمن بشيء، ولا يرجو معادًا.
لا تؤدي التوبة أحدًا إلى النار، ولا الإصرار على الذنوب أحدًا إلى الجنة.
من أفضل البر٢ ثلاث خصال: الصدق في الغضب، والجود في العسرة، والعفو عند القدرة.
_________________
(١) ١ يجامعوه: يوافقوه. ٢ البر: الصلاح.
[ ٤٠ ]
رأس الذنوب:
رأس الذنوب الكذب: هو يؤسسها، وهو يتفقدها، ويثبتها، ويتلوَّن ثلاثة ألوان: بالأمنية، والجحود، والجدل، يبدو لصاحبه بالأمنية الكاذبة فيما يزين له من الشهوات، فيشجعه عليها بأن ذلك سيخفى، فإذا ظهر عليه قابله بالجحود والمكابرة، فإن أعياه ذلك ختم بالجدل، فخاصم عن الباطل، ووضع له الحجج، والتمس به التثبت، وكابر به الحق حتى يكون مسارعًا للضلالة، ومكابرًا بالفواحش.
دين المرء:
لا يثبت دين المرء على حالة واحدة أبدًا، ولكنه لا يزال إما زائدًا وإما ناقصًا.
علامات اللئيم:
من علامات اللئيم المخادع أن يكون حسن القول، سيِّء الفعل، بعيد الغضب، قريب الحسد، حمولًا للفحش، محازيًا بالحقد، متكلفًا للجود، صغير الخطر، متوسعًا فيما ليس له، ضيقًا فيما يملك.
[ ٤١ ]
اشتغل بالأعظم:
وكان يقال: إذا تخالجتك الأمور١، فاشتغل بأعظمها خطرًا، فإن لم تستبن ذلك، فأرجاها دركًا٢، فإن اشتبه ذلك، فأجدرها أن لا يكون له مرجوع، حتى تولي فرصته٣.
الرجال أربعة:
وكان يقال: الرجال أربعة: اثنان تختبر ما عندهما بالتجربة، واثنان قد كفيت تجربتهما.
فأما اللذان تحتاج إلى تجربتهما؛ فإن أحدهما بر كان مع أبرار، والآخر فاجر كان مع فجار، فإنك لا تدري لعل البر منهما، إذا خالط الفجار أن يتبدل، فيصير فاجرا، ولعل الفاجر منهما، إذا خالط الأبرار أن يتبدل برًّا، فيتبدل البر فاجرًا، والفاجر برًّا.
وأما اللذان قد كفيت تجربتهما، وتبين لك ضوء أمرهما، فإن أحدهما فاجرٌ كان في أبرار، والآخر برٌّ كان في فجار.
_________________
(١) ١ تخالجتك: تجاذبتك. ٢ أرجاها دركًا: أقربها منالا. ٣ المعنى في هذه الجملة الأخيرة غامض، وقد يكون فيها تحريف، أو لعله أراد أن يقول: إن الفرصة إذا فاتت لا تعود.
[ ٤٢ ]
حكم متفرقة:
حق على العاقل أن يتخذ مرآتين؛ فينظر من إحداهما في مساوئ نفسه، فيتصاغر بها، ويصلح ما استطاع منها، وينظر في الأخرى في محاسن الناس، فيحليهم بها١، ويأخذ ما استطاع منها.
احذر خصومة الأهل، والولد، والصديق، والضعيف، واحتج عليهم بالحجج.
لا يوقعنك بلاءٌ، خلصت منه في آخر، لعلك لا تخلص منه.
الوَرِعُ لا يَخْدَعُ، والأريب٢ لا يُخْدَعُ.
ومن ورع الرجل أن لا يقول ما لا يعلم، ومن الإرب٣ أن يتثبت فيما يعلم.
وكان يقال: عمل الرجل فيما يعلم أنه خطأ هوى، والهوى آفة العفاف، وتركه العمل بما يعلم أنه صواب تهاون، والتهاون آفة الدين، وإقدامه على ما لا يدري، أصواب هو أم خطأ جماح٤، والجماح آفة العقل.
وكان يقال: وقر من فوقك، وَلِنْ لمن دونك، وأحسن مؤاتاة أكفائك، وليكن آثر ذلك عندك مؤاتاة الإخوان، فإن
_________________
(١) ١ يحليهم: يزينهم، أو يصفهم بالتحلي بها. ٢ الأريب: العاقل. ٣ الإرب: الدهاء. ٤ الجماح: أراد به الغواية والضلال.
[ ٤٣ ]
ذلك هو الذي يشهد لك بأن إجلالك من فوقك ليس بخضوع منك لهم، وأن لينك لمن دونك ليس لالتماس خدمتهم.
غير المغتبطين:
خمسة غير مغتبطين في خمسة أشياء، يتندمون عليها، الواهن المفرط إذا فاته العمل، والمنقطع من إخوانه، وصديقه إذا نابته النوائب، والمستمكن منه عدوه؛ لسوء رأيه إذا تذكر عجزه، والمفارق للزوجة الصالحة إذا ابتلي بالطالحة، والجريء على الذنوب إذا حضره الموت.
ماذا ينفع؟
لا ينفع العقل بغير ورع، ولا الحفظ بغير عقل، ولا شدة البطش بغير شدة القلب، ولا الجمال بغير حلاوة، ولا الحسب بغير أدب، ولا السرور بغير أمن، ولا الغنى بغير جود، ولا المروءة بغير تواضع، ولا الخفض١ بغير كفاية، ولا الاجتهاد بغير توفيق.
أمور هن تبع لأمور:
فالمروءات كلها تبع للعقل، والرأي تبع للتجربة، والغبطة
_________________
(١) ١ خفض العيش: لينه وسعته.
[ ٤٤ ]
تبع لحسن الثناء، والسرور تبع للأمن، والقرابة تبع للمودة، والعمل تبع للقدر، والجدة١ تبع للإنفاق.
أصول وثمرات:
أصل العقل التثبت، وثمرته السلامة، وأصل الورع القناعة، وثمرته الظفر، وأصل التوفيق العمل، وثمرته النُّجْحُ.
الذكر السيء:
لا يذكر الفاجر في العقلاء، ولا الكذوب في الأعفاء، ولا الحذول في الكرماء، ولا الكفور٢ بشيء من الخير.
من تؤاخي؟
لا تؤاخين خبًّا٣، ولا تستنصرن عاجزًا، ولا تستعينن كسلًا.
_________________
(١) ١ الجدة: الغنى. الخذول: الذي يخذل صيدقه، فلا ينصره ولا يعينه، الكفور: الذي يكفر النعمة، أي يححدها وينساها. ٣ الخب: الخداع.
[ ٤٥ ]
بم يروح المرء عن نفسه؟:
ومن أعظم ما يروح به المرء نفسه، أن لا يجري لما يهوى وليس كائنًا، ولا لما لا يهوى، وهو لا محالة كائن.
لا تفرح بالبطالة:
اغتنم من الخير ما تعجلت، ومن الأهواء ما سوفت، ومن النصب ما عاد عليك، ولا تفرح بالبطالة، ولا تجبن عن العمل.
ضياع العقل:
من استعظم من الدنيا شيئًا فبطر، واستصغر من الدنيا شيئًا فتهاون، واحتقر من الإثم شيئًا فاجترأ عليه، واغتر بعدوٍّ، وإن قل، فلم يحذره، فذلك من ضياع العقل.
ذو العقل لا يَسْتَخِفُّ بأحد:
لا يستخف ذو العقل بأحد.
وأحق من لم يُستخف به ثلاثة: الأتقياء، والولاة، والإخوان، فإنه من استخف بالأتقياء أهلك دينه، ومن استخف بالولاة أهلك دنياه، ومن استخف بالإخوان أفسد مروءته.
[ ٤٦ ]
أزواج:
من حاول الأمور احتاج فيها إلى ست: العلم، والتوفيق، والفرصة، والأعوان، والأدب، والاجتهاد.
وهن أزواج:
فالرأي والأدب زوج: لا يكمل الرأي بغير الأدب، ولا يكمل الأدب إلا بالرأي.
والأعوان والفرصة زوج: لا ينفع الأعوان إلا عند الفرصة، ولا تتم الفرصة إلا بحضور الأعوان.
والتوفيق والاجتهاد زوج: فالاجتهاد سبب التوفيق، وبالتوفيق ينجح الاجتهاد.
سلامة العاقل:
يسلم العاقل من عظام الذنوب والعيوب بالقناعة ومحاسبة النفس.
لا تجد العاقل يحدث من يخاف تكذيبه، ولا يسأل من يخاف منعه، ولا يعد بما لا يجد إنجازه، ولا يرجو ما يعنف برجائه، ولا يقدم على من يخاف العجز عنه.
وهو يُسخي بنفسه عما يغبط به القوالون١ خروجًا من عيب
_________________
(١) ١ يسخي بنفسه: يربأ بها. القوالون: المدعون بما ليس فيهم.
[ ٤٧ ]
لتكذيب، ويسخي بنفسه عما ينال السائلون؛ سلامة من مذلة لمسألة، ويسخي بنفسه عن محمدة المواعيد؛ براءة من مذمة لحلف، ويسخي بنفسه عن فرح الرجاء؛ خوف الإكداء١، ويسخيه عن مراتب المقدمين ما يرى من فضائح المقصرين.
ذو العقل:
لا عقل لمن أغفله عن آخرته ما يجد من لذة دنياه، وليس من العقل أن يحرمه حظه من الدنيا بصره بزوالها.
سعيد، ومرجوٌّ:
حاز الخير رجلان: سيعد، ومرجوٌّ.
فالسعيد: الفالج، المرجو: من لم يخصم٣.
والفالج: الصالح ما دام في قيد الحياة، وتعرض الفتن في مخاصمة الخصماء من الأهواء والأعداء.
السعيد يرغبه الله، والشقي يرغبه الشيطان:
السعيد يرغبه الله في الآخرة حتى يقول: لا شيء غيرها، فإذا هضم دنياه، وزهد فيها لآخرته، لم يحرمه الله بذلك نصيبه
_________________
(١) ١ الإكداء: عدم الظفر بالحاجة. الفالج: من فلج سهمه: فاز، أي الفائز. لم يخصم: أي لم يخاصم.
[ ٤٨ ]
من الدنيا، ولم ينقصه من سروره فيها.
والشقي يرغبه الشيطان في الدنيا حتى يقول: لا شيئ غيرها، فيجعل الله له النغيص١ في الدنيا التي آثر، مع الحزي الذي يلقى بعدها.
الرجال أربعة:
الرجال أربعة: جواد، وبخيل، ومسرف، ومقتصد، فالجواد الذي يوجه نصيب آخرته، ونصيب دنياه جميعًا في أمر آخرته.
والبخيل الذي يخطئ واحدة منهما نصيبها.
والمسرف الذي يجمعهما لدنياه.
والمقتصد الذي يلحق بكل واحدة منهما نصيبها.
أغنى الناس، وخير ما يؤتى المرء:
أغنى الناس أكثرهم إحسانًا.
قال رجل لحكيم: ما خير ما يؤتى المرء؟ قال: غريزة عقل، قال: فإن لم يكن؟ قال: فتعلم علم، قال: فإن حرمه؟، قال: صدق اللسان، قال: فإن حرمه؟ قال: سكوت طويل، قال: فإن حرمه؟ قال: ميتة عاجلة.
_________________
(١) ١ النغيص: التنغيص.
[ ٤٩ ]
أشد العيوب:
من أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عليه، فإنَّ من خفي عليه عيبه خفيت عليه محاسن غيره، ومن خفي عليه عيب نفسه، ومحاسن غيره، فلن يقلع عن عيبه الذي لا يعرف، ولن ينال محاسن غيره التي لا يبصر أبدًا.
الخصال المذمومة:
خمول الذكر أجمل من الذكر الذميم.
لا يوجد الفخور محمودًا، ولا الغضوب مسرورًا، ولا الحر حريصًا، ولا الكريم حسودًا، ولا الشره غنيًا، ولا الملول ذا إخوان.
خصال يسر بها الجاهل، كلها كائن عليه وبالا: منها: أن يفخر من العلم والمروءة بما ليس عنده، ومنها: أن يرى بالأخيار من الاستهانة والجفوة ما يشمته بهم، ومنها: أن يناقل١ عالمًا وديعًا منصفًا له في القول، فيشتد صوت ذلك الجاهل عليه، ثم يفلجه٢ نظراؤه من الجهال حوله بشدة الصوت.
ومنها: أن تفرط منه الكلمة، أو الفعلة المعجبة للقوم، فيذكر بها.
_________________
(١) ١ يناقل: يجادل. ٢ يفلجه: يغلبه.
[ ٥٠ ]
ومنها: أن يكون مجلسه في المحفل، وعند السلطان فوق مجالس أهل الفضل عليه.
سخافة المتكلم:
من الدليل على سخافة المتكلم أن يكون ما يُرَى من ضحكه ليس على حسب ما عنده من القول، أو الرجل يكلِّم صاحبه، فيجاذبه الكلام؛ ليكون هو المتكلم، أو يتمنى أن يكون صاحبه قد فرغ، وأنصت له فإذا نصت له لم يحسن الكلام.
القائد إلى النار، وخازن الشيطان:
فضل العلم في غير الدين ملهكة، وكثرة الأدب في غير رضوان الله، ومنفعة الأخيار قائد إلى النار.
والحفظ الذاكي الواعي لغير العلم النافع مضرٌّ بالعمل الصالح، والعقل غير الوازع١ عن الذنوب خازن الشيطان.
أخوف ما يكون:
لا يؤمننك شر الجاهل قرابة، ولا جوار، ولا إلف.
فإن أخوف ما يكون الإنسان لحريق النار أقرب ما يكون منها، وكذلك الجاهل إن جاورك أنصبك، وإن ناسبك جنى عليك،
_________________
(١) ١ الوازع، مِن وزعه: رده.
[ ٥١ ]
وإن ألفك حمل عليك ما لا تطيق، وإن عاشرك آذاك وأخافك، مع أنه عند الجوع سبع ضارٍ، وعند الشبع ملك فظٌّ، وعند الموافقة في الدين قائد إلى جهنم.
فأنت بالهرب منه أحقُّ منك بالهرب من سم الأساود١ والحريق المتخوَّف، والدين الفادح، والداء العياء٢.
ماذا يعمل الحازم؟:
وكان يقال: قارب عدوك بعض المقاربة، تنلْ حاجتك، ولا تقاربه كل المقاربة، فجترئ عليك عدوك، وتذل نفسك، ويرغب عنك ناصرك.
ومثل ذلك مثل العود المنصوب في الشمس، إن أملته قليلًا زاد ظله، وإن جاوزته الحدَّ في إمالته، نقص الظل.
الحازم لا يأمن عدوه على حال: إن كان بعيدًا لم يأمن مغاورته٣، وإن كان قريبًا لم يأمن مواثبته، وإن كان منكشفًا لم يأمن استطراده٤ وكمينه، وإن رأه وحيدًا لم يأمن مكرَهُ.
الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة، كما يزداد البحر بمواده من الأنهار.
_________________
(١) ١ الأساود، الواحد أسود: الثعبان. ٢ الفادح: الثقيل، المرهق، الداء العياء: الذي لا يبرأ منه. ٣ مغاورته: غارته عليه. ٤ استطراده، من استطرد له: أظهر له الانهزام مكيدة.
[ ٥٢ ]
الظفر بالحزم، والحزم بإجالة الرأي، والرأي يتحصين الأسرار.
فائدة المشورة:
إن المستشير، وإن كان أفضل من المستشار رأيًا، فهو يزداد برأيه رأيًا، كما تزداد النار بالودك١ ضوءًا.
على المستشار موافقة المستشير على صواب ما يَرَى، والرفق به في تبصير خطأٍ إن أتى به، وتقليب الرأي فيما شكَّا فيه، حتى تستقيم لهما مشاورتهما.
الطمع:
لا يطمعن ذو الكبر في حسن الثناء، ولا الخب في كثرة الصديق، ولا السيِّء الأدب في الشرف، ولا الشحيح في المحمدة، ولا الحريص في الإخوان، ولا الملك المعجب بثبات الملك.
صرعة اللين:
صرعة اللين أشد استئصالًا من صرعة المكابرة٢.
_________________
(١) ١ الودك: الدسم من اللحم، والشحم، والدهن. ٢ المكابرة: المعاندة.
[ ٥٣ ]
أربعة أشياء:
أربعة أشياء لا يستقل منها قليل: النار، والمرض، والعدو، والدَّيْن.
أحقُّ الناس بالتوقير:
أحق الناس بالتوقير الملك الحليم، العالم بالأمور، وفرص الأعمال، ومواضع الشدة واللين والغضب والرضا والمعاجلة والأناة، الناظر في أمر يومه وغده، وعواقب أعماله.
العاجز والحازم:
السبب الذي يُدرك به العاجز حاجته، هو الذي يحول بين الحازم وبين طلبته.
أهل العقل والكرم:
إن أهل العقل والكرم يبتغون إلى كل معروف وصلة وسبيلًا.
والمودة بين الأخيار سريع اتصالها، بطيء انقطاعها، ومثل ذلك مثل كوب الذهب الذي هو بطيء الانكسار، هين الإصلاح.
والمودة بين الأشرار سريع انقطاعها، بطيء اتصالها، كالكوز من الفخار يكسره أدنى عبث، ثم لا وصل له أبدًا.
[ ٥٤ ]
والكريم يمنح الرجل مودته عن لقية واحدة، أو معرفة يوم، واللئيم لا يصل أحدًا إلا عن رغبة أو رهبة.
فإن أهل الدنيا يتعاطون فيما بينهم أمرين، ويتوطأون عليهما: ذات النفس، وذات اليد١.
فأما المتبادلون ذات اليد، فهم المتعاونون المستمتعون، الذين يلتمس بعضهم الانتفاع ببعض مناجزة ومكايلة.
المال كل شيء:
ما التبع، والأعوان، والصديق، والحشم، إلا للمال، ولا يظهر المروءة إلا المال، ولا الرأي، ولا القوة إلا بالمال.
ومن لا إخوان له فلا أهل له، ومن لا أولاد له، فلا ذكر له، ومن لا عقل له، فلا دنيا له، ولا آخرة، ومن لا مال له، فلا شيء له.
الفقر مجمعة للبلايا:
والفقر داعية إلى صاحبه مقت الناس، وهو مسلبة للعقل والمروءة، ومذهبة للعلم والأدب، ومعدن للتهمة، ومجمعة للبلايا.
ومن نزل به الفقر والفاقة لم يجد بدًا من ترك الحياء، ومن ذهب حياؤه ذهب سروره. ومن ذهب سروره مُقِتَ، ومن
_________________
(١) ١ ذات النفس: آراؤهم ونصحهم، وما تكنه نفوسهم. ذات اليد: ما ملكت أيديهم.
[ ٥٥ ]
مقت أوذي، ومن أوذي حزن، ومن حزن فقد ذهب عقله، واستنكر حفظه، وفهمه.
ومن أصيب في عقله وفهمه وحفظه، كان أكثر قوله وعمله فيما يكون عليه، لا له.
فإذا افتقر الرجل اتهمه من كان له مؤتمنًا، وأساء به الظن من كان يظن به حسنًا، فإذا أذنب غيره ظنوه، وكان للتهمة وسوء الظن موضعًا.
وليس من خلة هي للغني مدح إلا هي للفقير عيب، فإن كان شجاعًا سمي أهوج، وإن كان جوادًا سمي مفسدًا، وإن كان حليمًا سمي ضعيفًا، وإن كان وقورًا سمي بليدًا، وإن كان لسنًا سمي مهذرًا، وإن كان صموتًا سمي عييًّا.
الموت راحة:
وكان القول: من ابتلي بمرض في جسده لا يفارقه، أو بفراق الأحبة والإخوان، أو بالغربة، حيث لا يعرف مبيتًا ولا مقيلًا ولا يرجو إيابًا، أو بفاقة تضطره إلى المسألة: فالحياة له موت، والموت له راحة.
البلايا في الحرص والشره:
وجدنا البلايا في الدنيا إنما يسوقها إلى أهلها الحرص والشره، ولا
[ ٥٦ ]
يزال صاحب الدنيا يتقلب في بلية وتعب؛ لأنه لا يزال بخلَّةِ الحرص والشره.
ماذا قال العلماء؟:
وسمعت العلماء قالوا: لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكفِّ، ولا حسب كحسن الخلق، ولا غنى كالرضى. وأحق ما صبر عليه ما لا سبيل إلى تغييره، وأفضل البرِّ الرحمة، ورأس المودة الاسترسال، ورأس العقل المعرفة بما يكون ومالا يكون، وطيب النفس حسن الانصراف عما لا سبيل عليه، وليس من الدنيا سرور يعدل صحبة الإخوان، ولا فيها غم يعدل غمَّ فقدهم.
تمام حسن الكلام:
لايتم حسن الكلام إلا بجسن العمل، كالمريض الذي قد علم دواء نفسه، فإذا هو لم يتداوَ به لم يغنه علمه.
صاحب المروءة:
الرجل ذو المروءة قد يكرم على غير مال، كالأسد الذي يهاب، وإن كان عقيرًا١.
_________________
(١) ١ أراد بالعقير: المقتول.
[ ٥٧ ]
والرجل الذي لا مروءة له يهان، وإن كثر ماله، كالكلب الذي يهون على الناس، وإن هو طوق وخلخل.
تعاهد نفسك:
ليحسن تعاهدك نفسك بما تكون به للخير أهلًا، فإنك إذا فعلت ذلك، أتاك الخير يطلبك، كما يطلب الماء السيل إلى الحدورة.
أشياء غير ثابتة:
وقيل في أشياء ليس لها ثبات، ولا بقاء: ظل الغمام، وخلة١ الأشرار، وعشق النساء، والنبأ الكاذب، والمال الكثير.
وليس يفرح العاقل بالمال الكثير، ولا يحزنه قلته، ولكن ماله عقله، وما قدم من صالح عمله.
أولى الناس:
إن أولى الناس بفضل السرور، وكرم العيش، وحسن الثناء، من لا يبرح رحله٢ من إخوانه، وأصدقائه من الصالحين موطوءًا، ولا يزال عنده منهم زحام، ويسرهم، ويسرونه، ويكون من وراء حاجاتهم
_________________
(١) ١ خلة: صداقة. ٢ رحله: منزله.
[ ٥٨ ]
وأمورهم، فإن الكريم إذا عثر لم يستقبل إلا بالكرام، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه إلا الفيلة.
شراء العظيم بالصغير:
لا يرى العاقل معروفًا صنعه، وإن كان كثيرًا، ولو خاطر بنفسه، وعرضها في وجوه المعروف، لم ير ذلك عيبًا، بل يعلم أنما أخطر الفاني بالباقي، واشترى العظيم بالصغير.
وأغبط الناس عند ذوي العقل أكثرهم سائلًا منجحًا، ومستجيرًا آمنًا.
المشاركة في المال:
لا تعد غنيًا من لم يشارَك في ماله، ولا تعد نعيمًا ما كان فيه تننغيص وسوء ثناء، ولا تعد الغنم غنمًا إذا ساق غرمًا، ولا الغرم غرمًا إذا ساق غنمًا، ولا تعتد من الحياة ما كان في فراق الأحبة.
المعونة على تسلية الهموم:
ومن المعونة على تسلية الهموم، وسكون النفس، لقاء الأخ أخاه، وإفضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ببثه.
وإذا فرق بين الأليف وأليفه، فقد سلب قراره، وحرم سروره.
[ ٥٩ ]
من بلاء إلى بلاء:
وقل ما ترانا نخلف عقبة من البلاء، إلا صرنا في أخرى.
تقلب الأحوال وتعاقبها:
لقد صدق القائل الذي يقول: لا يزال الرجل مستمرًا ما لم يعثر، فإذا عثر مرة واحدة في أرض الخبار لجَّ به العثار، وإن مشي في جدد؛ لأن هذا الإنسان موكل به البلاء، فلا يزال في تصرف، وفي تقلب لا يدوم له شيء، ولا يثبت معه، كما لا يدوم لطالع النجوم طلوعه، ولا لآفلها أفوله، ولكنها في تقلب وتعاقب، فلا يزال الطالع يكون آفلًا، والآفل طالعًا.
[ ٦٠ ]