بسم الله الرحمن الرحيم
قال عبد الله بن المقفع:
إنا وجدنا الناس قبلنا كانوا أعظم أجسامًا، وأوفر مع أجسامهم أحلامًا١، وأشد قوة، وأحسن بقوتهم للأمور إتقانًا، وأطول أعمارًا، وأفضل بأعمارهم للأشياء اختبارًا.
فكان صاحب الدين منهم أبلغ في أمر الدين علمًا وعملًا من صاحب الدين منا، وكان صاحب الدنيا على مثل ذلك من البلاغة والفضل، ووجدناهم لم يرضوا بما فازوا به من الفضل الذي قسم لأنفسهم حتى أشركونا معهم في ما أدركوا من علم الأولى والآخرة، فكتبوا به الكتب الباقية، وضربوا الأمثال الشافية، وكفونا به مؤونة٢
_________________
(١) ١ الأحلام، جمع حلم بالكسر: العقل. ٢ المؤونة: الثقل، والشدة.
[ ٦٣ ]
التجارب والفطن.
وبلغ من اهتمامهم بذلك أن الرجل منهم كان يفتح له الباب من العلم، أو الكلمة من الصواب، وهو في البلد غير المأهول، فيكتبه على الصخور؛ مبادرة للأجل، وكراهية منه أن يسقط ذلك عمن بعده.
فكان صنيعهم في ذلك صنيع الوالد الشفيق على ولده٣، الرحيم البرِّ بهم، الذي يجمع لهم الأموال، والعقد٤؛ إرادة ألا تكون عليهم مؤونة في الطلب، وخشية عجزهم، إن هم طلبوا.
فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم، وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم.
وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم، فيكون كأنه إياهم يحاور، ومنهم يستمع، وآثارهم يتبع، غير أن الذي نجد في كتبهم هو المنتخل٦ من آرائهم، والمنتقى من أحاديثهم.
_________________
(١) ١ الأجل: غاية الوقت في الموت والعمر، يريد أنهم يبادرون بتدوين ما يفتح لهم؛ مخالفة أن يوافيهم الأجل. ٢ يسقط: يفوته، ويضيع عليه. ٣ الولد: كل ما ولده شيء، يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد والمثنى والجمع. ٤ العقد، جمع عقدة: العقار الذي اعتقده صاحبه ملكًا. ٥ يحاور: يناقش. ٦ المنتخل: المختار.
[ ٦٤ ]
ولم نجدهم غادروا شيئًا يجد واصف بليغ في صفة له مقالًا لم يسبقوه إليه: لا في تعظيم لله، ﷿، وترغيب فيما عنده، ولا في تصغير للدنيا، وتزهيد فيها، ولا في تحرير صنوف العلم، وتقسيم أقسامها، وتجزئة أجزائها، وتوضيح سبلها، وتبين مآخذها، ولا في وجه من وجوه الأدب، وضروب١ الأخلاق.
فلم يبقَ في جليل الأمر، ولا صغيره لقائل بعدهم مقال.
وقد بقيت أشياء من لطائف الأمور فيها مواضع لصغار الفطن، مشتقة من جسام حكم الأولين وقولهم، فمن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس.
يا طالب الأدب:
يا طالب الأدب إن كنت نوع العلم تريد، فاعرف الأصول والفصول٢، فإن كثيرًا من الناس يطلبون الفصول مع إضاعة الأصول، فلا يكون دركهم٣ دركًا، ومن أحرز الأصول اكتفى بها عن الفصول، وإن أصاب الفصل بعد إحراز الأصل، فهو أفضل.
فأصل الأمر في الدين أن تعتقد الإيمان على الصواب، وتجتنب الكبائر، وتؤدي الفريضة، فالزم ذلك لزوم من لا غنى له عنه،
_________________
(١) ١ الضروب: الأنواع. ٢ الأصول: القوانين والقواعد التي يبنى عليها العلم، الفصول: الفروع. ٣ الدرك: اللحاق والوصول إلى الشيء.
[ ٦٥ ]
طرفة عين، ومن يعلم أنه إن حرمه هلك، ثم إن قدرت على أن تجاوز ذلك إلى التفقه١ في الدين والعبادة، فهو أفضل، وأكمل.
وأصل الأمر في صلاح الجسد ألا تحمل عليه من المآكل والمشارب والباه إلا خفافًا٢، ثم إن قدرت على أن تعلم جميع منافع الجسد، ومضاره، والانتفاع بذلك كله، فهو أفضل.
وأصل الأمر في البأس والشجاعة ألا تحدث نفسك بالإدبار٣، وأصحابك مقبلون على عدوهم، ثم إن قدرت على أن تكون أول حامل وآخر منصرف، من غير تضييع للحذر٤، فهو أفضل.
وأصل الأمر في الجود ألا تضن بالحقوق على أهلها، ثم إن قدرات أن تزيد ذا الحق على حقه، وتطول٥ على من لا حق له، فافعل، فهو أفضل.
وأصل الأمر في الكلام أن تسلم من السقط٦ بالتحفظ، ثم إن قدرت على بارع الصواب، فهو أفضل.
وأصل الأمر في المعيشة ألا تَنِيَ٧ عن طلب الحلال، وأن
_________________
(١) ١ تفقه في الدين: صار عالمًا به. ٢ الباه: النكاح، الخفاف: الخفيف. ٣ الإدبار: الفرار. ٤ الحذر: الاحتراز من الشيء. ٥ تطول: من طال على فلان: امتن عليه، وأنعم. ٦ السقط: الخطأ. ٧ تني، من: ونى الرجل في الأمر: فتر وضعف.
[ ٦٦ ]
تحسن التقدير لما تفيد١، وما تنفق، ولا يغرنك من ذلك سعة تكون فيها، فإن أعظم الناس في الدنيا خطرًا٢ أحوجهم إلى التقدير، والملوك أحوج إليه من السوقة٣؛ لأن السوقة قد تعيش بغير مال، والملوك لا قوام٤ لهم إلا بالمال، ثم إن قدرت على الرفق واللطف في الطلب، والعلم بوجوه المطالب، فهو أفضل.
وأنا واعظك في أشياء من الأخلاق اللطيفة، والأمور الغامضة التي لو حنكتك٥ سن كنت خليقًا أن تعلمها، وإن لم تخبر عنها.
ولكنني قد أحببت أن أقدم إليك فيها قولًا؛ لتروض٦ نفسك على محاسنها، قبل أن تجري على عادة مساوئها، فإن الإنسان قد تبتدر إليه٧ في شبيته المساوئ، وقد يغلب عليه ما بدر إليه منها للعادة. وإن لترك العادة مؤونة شديدة، ورياضة صعبة.
_________________
(١) ١ تفيد: تستفيد. ٢ الخطر: الشرف، وارتفاع القدر. ٣ السوقة: الرعية التي يسوسها الولاة. ٤ قوام الأمر: نظامه وعماده الذي يقوم به. ٥ حنكتك: راضتك، وهذبتك. ٦ راضه: ذلَّلَهُ، وجعله مطيعًا. ٧ تبتدر إليه: تسبق إليه.
[ ٦٧ ]
في السلطان:
إذا ابتليت بالسلطان تعوذ بالعلماء:
إن ابتليت بالسلطان فتعوذ بالعلماء١.
وأعلم أن من العجب أن يبتلى الرجل بالسلطان، فيريد أن ينتقص من ساعات نصبه٢، وعمله، فيزيدها في ساعات دعته٣، وفراغه، وشهوته، وعبثه، ونومه.
وإنما الرأي له والحق عليه أن يأخذ لعمله من جميع شغله، فيأخذ له من طعامه، وشرابه، ونومه، وحديثه، ولهوه، ونسائه.
وإنما تكون الدعة بعد الفراغ.
فإذا تقلدت شيئًا من أمر السلطان، فكن فيه أحد رجلين: إما رجلًا مغتبطًا به٤، محافظًا عليه؛ مخافة أن يزول عنه، وإما رجلًا كارهًا له مكرهًا عليه، فالكاره عامل في سخرة: إما للملوك، إن كانوا هم سلطوه، وإما لله تعالى، إن كان ليس فوقه غيره.
_________________
(١) ١ السلطان: الولاية والإمارة والوالي والملك. تعوذ: اعتصم بهم، وألجأ إليهم. ٢ النَصَب: التعب. ٣ الدعة: الراحة، وخفض العيش. ٤ مغتبطًا: مسرورًا.
[ ٦٨ ]
وقد علمت أنه من فرَّط في سخرة الملوك أهلكوه، فلا تجعل للهلاك على نفسك سلطانًا، ولا سبيلًا.
إياك، وحب المدح:
وإياك إذا كنت واليًا، أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية١، وأن يعرف الناس ذلك منك، فتكون ثلمة٢ من الثلم، يتقحمون عليك منها، وبابًا، يفتتحونك منه، وغيبة٣، يغتابونك بها، ويضحكون منك لها.
واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه، والمرء جدير أن يكون حبه المدحَ هو الذي يحمله على رده، فإن الرادَّ له محمود، والقابل له معيب.
لتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال: رضى ربك، ورضى سلطان، إن كان فوقك، ورضى صالح من تلى عليه.
ولا عليك٤ أن تلهو عن المال والذكر، فسيأتيك منها ما يحسن، ويطيب، ويكتفى به.
واجعل الخصال الثلاث منك بمكان ما لا بد لك منه، واجعل المال والذكر بمكان ما أنت واجد منه بدًا.
_________________
(١) ١ التزكية: من زكى نفسه: مدحها. ٢ الثلمة: فرجة المكسور، والمهدوم. ٣ الغيبة: ذكر المرء بما يسوؤه أثناء غيابه. ٤ لا عليك: لا بأس عليك.
[ ٦٩ ]
اعرف الفضل في أهل الدين والمروءة في كل كورة١، وقرية، وقبيلة، فيكونوا هم إخوانك وأعوانك وأخدانك وأصفياءك وبطانتك٢ وثقاتك وخلطاءك، ولا تقذفن في روعك٣ أنك إن استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فإنك لست تريد الرأي للافتخار به، ولكنما تريده للانتفاع به، ولو أنك مع ذلك أردت الذكر، كان أحسن الذكرين، وأفضلهما عند أهل الفضل، والعقل، أن يقال: لا يتفرد برأيه دون استشارة ذوي الرأي، إنك إن تلتمس رضى جميع الناس، تلتمس ما لا يدرك.
وكيف يتفق لك رأي المختلفين، وما حاجتك إلى رضى من رضاه الجور، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة؟، فعليك بالتماس رضى الأخيار منهم وذوي العقل، فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه.
ما ينبغي للسلطان نحو رعيته:
لا تمكن أهل البلاء الحسن عندك، من التدلل٤ عليك، ولا تمكنن من سواهم من الاجتراء عليهم، والعيب لهم.
لتعرف رعيتك أبوابك التي لا ينال ما عندك من الخير إلا
_________________
(١) ١ الكورة: البقعة التي تجتمع فيها المساكن والقرى. ٢ بطانة الرجل: أهله، وخاصته، والذين يشاورهم في أموره. ٣ الروع: القلب، والذهن. ٤ البلاء: الاختبار. تدلل عليه: أظهر الجرأة إيهاما بالمخالفة، وليس في نفسه خلاف.
[ ٧٠ ]
بها، والأبواب التي لا يخافك خائف إلا من قِبَلِها.
احرص الحرص كله على أن تكون خابرًا أمور عمالك، فإن المسيء يفرق١ من خبرتك، قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن يستبشر بعلمك، قبل أن يأتيه معروفك.
ليعرف الناس، في ما يعرفون من أخلاقك، أنك لا تعاجل بالثواب، ولا بالعقاب، فإن ذلك أدوم لخوف الخائف، ورجاء الراجي.
عَوِّدْ نفسك الصبر على من خالفك من ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم، وعذلهم، ولا تسهلن سبيل ذلك إلا لأهل العقل والسن والمروءة؛ لئلا ينتشر من ذلك ما يجترئ به سفيه، أو يستخف به شَانِئٌ٢.
مباشرة الصغير تضيع الكبير:
لا تتركن مباشرة جسيم أمرك، فيعود شأنك صغيرًا، ولا تلزمن نفسك مباشرة الصغير، فيصير الكبير ضائعًا.
واعلم أن مالك لا يغني الناس كلهم، فاخصص به أهل الحق، وأن كرامتك لا تطيق العامة كلها، فَتَوَخَّ٣ بها أهل الفضل، وأن قلبك لا يتسع لكل شيء، ففرغه للمهم، وأن ليلك ونهارك
_________________
(١) ١ يفرق: يخاف. الشانئ: المبغض. ٣ توخَّي الأمر: تحراه في الطلب، وتعمده دون سواه.
[ ٧١ ]
لا يستوعبان حاجاتك، وإن دأبت١ فيهما، وأن ليس لك إلى إدامة الدأب فيهما سبيل، مع حاجة جسدك إلى نصيبه منهما، فأحسن قسمتهما بين عملك، ودعتك.
وأعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم، أزرى بك في المهم، وما صرفت من مالك في الباطل، فقدته حين تريده للحق، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص، أضر بك في العجز عن أهل الفضل، وما شغلت من ليلك ونهارك في غير الحاجة، أزرى بك عند الحاجة منك إليه.
إياك والإفراط في الغضب:
اعلم أن من الناس ناسًا كثيرًا يبلغ من أحدهم الغضب، إذا غضب، أن يحمله ذلك على الكلوح٢ والقطوب٣ في وجه غير من أغضبه، وسوء اللفظ لمن لا ذنب له، والعقوبة لمن لم يكن يهم بمعاقبته، وشدة المعاقبة باللسان واليد لمن لم يكن يريد به إلا دون ذلك، ثم يبلغ به الرضى، إذا رضي، أن يتبرع بالأمر ذي الخطر٤ لمن ليس بمنزلة ذلك عنده، ويعطي من لم يكن يريد إعطاءه، ويكرم من لم يرد إكرامه، ولا حق له، ولا مودة عنده
_________________
(١) ١ دأب الرجل في عمله: جدَّ، وتعب، واستمر عليه. ٢ الكلوح: التكشر في عبوس. ٣ القطوب: أن يزوي المرء ما بين عينيه. ٤ يتبرع: يعطي من غير سؤال. الأمر ذو الخطر: العظيم الرفيع الشأن.
[ ٧٢ ]
فاحذر هذا الباب الحذر كله!، فإنه ليس أحد أسوأ فيه حالًا من أهل السلطان الذين يفرطون باقتدارهم في غضبهم، وبتسرعهم في رضاهم، فإنه لو وصف بهذه الصفة من يلتبس بعقله، أو يتخبطه المسُّ١ أن يعاقب عند غضبه غير من أغضبه، ويحبو٢ عند رضاه غير من أرضاه، لكان جائزًا ذلك في صفته.
الملك ثلاثة:
أعلم أن الملك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوىً.
فأما ملك الدين، فإنه إذا أقام للرعية دينهم، وكان دينهم هو الذي يعطيهم الذي لهم، ويلحق بهم الذي عليهم، أرضاهم ذلك، وأنزل الساخط منهم منزلة الراضي في الإقرار والتسليم.
وأما ملك الحزم، فإنه يقوم به الأمر، ولا يسلم من الطعن والتسخط٣، ولن يضر طعن الضعيف مع حزم القوي.
وأما ملك الهوى، فلعب ساعة، ودمار٤ دهر.
_________________
(١) ١ المسُّ: الجنون. ٢ يحبو: يعطي. ٣ التسخط، من تسخطه: لم يرضه، فتغضب عليه، وتكرهه. ٤ دمار: هلاك.
[ ٧٣ ]
الاعتدال في الكلام، والسلام:
إذا كان سلطانك عند جِدَّةِ١ دولة، فرأيت أمرًا استقام بغير رأي، وأعوانًا أجزوا٢ بغير نيل، وعملًا أنجح٣ بغير حزم، فلا يغرنك ذلك، ولا تستنيمن إليه، فإن الأمر الجديد ربما يكون له مهابة في أنفس أقوام، وحلاوة في قلوب آخرين، فيعين قوم على أنفسهم، ويعين قوم بما قبلهم، ويستتبَّ٤ ذلك الأمر غير طويل، ثم تصير الشؤون إلى حقائقها، وأصولها.
فما كان من الأمور بُنِيَ على غير أركان وثيقة، ولا دعائم محكمة، أوشك أن يتداعى، ويتصدع.
لا تكونن نزر٦ الكلام والسلام، ولا تبلغن بهما إفراط الهشاشة والبشاشة٧؛ فإن إحداهما من الكبْر، والأخرى من السخف٨.
_________________
(١) ١ الجدة: ضد القِدَم. ٢ الإجزاء: الكفاية. ٣ أنجح الأمر: تيسر. ٤ يستتب: يستوي، ويستقيم. ٥ يتداعى: يؤذن بالسقوط. ويتصدع: يتشقق. ٦ نزر: قليل. ٧ الهشاشة، من هش له: تبسم له. البشاشة، من بش له: أقبل عليه، وفرح به. ٨ الكبر: التجبر: السخف: رقة العقل.
[ ٧٤ ]
بأي شيء تكون الثقة؟:
إذا كنت إنما تضبط أمورك، وتصول على عدوك بقوم لست منهم على ثقة من دين، ولا رأي، ولا حفاظ١ من نية، فلا تنفعنك نافعة حتى تحولهم، إن استطعت، إلى الرأي، والأدب الذي يمثله تكون الثقة، أو تستبدل بهم، إن لم تستطع نقلهم إلى ما تريد.
ولا تغرنك قوتك بهم على غيرهم، فإنما أنت في ذلك كراكب الأسد الذي يهابه من نظر إليه، وهو لمركبه أهيب.
تجنب الغضب، والكذب:
ليس للملك أن يغضب؛ لأن القدرة من وراء حاجته.
وليس له أن يكذب؛ لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد.
وليس له أن يبخل؛ لأنه أقل الناس عذرًا في تخوف الفقر، وليس له أن يكون حقودا؛ لأن خطره قد عظم عن مجاراة كل الناس٢.
وليس له أن يكون خلافًا؛ لأن أحق الناس باتقاء الإيمان الملوك، فإنما يحمل الرجل على الحلف إحدى هذه الخصال:
_________________
(١) ١ الحفاظ: الدفاع عن المحارم. ٢ أي أن رفعة شأنه تأبى عليه أن يجاري الناس في كل أعمالهم.
[ ٧٥ ]
إما مهانة١ يجدها في نفسه، وضرع٢، وحاجة إلى تصديق الناس إياه.
وإما عيٌّ٣ بالكلام، فيجعل الأيمان له حشوًا ووصلًا.
وإما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه، فهو ينزل نفسه منزلة من لا يقبل قوله إلا بعد جهد اليمين.
وإما عبث٤ بالقول، وإرسال للسان على غير روية، ولا حسن تقدير، ولا تعويد له قول السداد، والتثبت٥.
التفويض إلى الكفاة:
لا عيب على الملك في تعيشه، وتنعمه، ولعبه، ولهوه، إذا تعهد٦ الجسيم من أمره بنفسه، وأحكم المهم، وفوَّض ما دون ذلك إلى الكفاة.
ما يزين الجور، ويحمل على الباطل:
كل أحد حقيق، حين ينظر في أمور الناس، أن يتهم نظره
_________________
(١) ١ المهانة: المذلة. ٢ الضرع: التذلل. ٣ العيُّ: العجز. ٤ العبث: اللغو. ٥ السداد: الصواب. التثبت، من تثبت في الأمر: تأنى فيه، وفحص عنه. ٦ تعهد: تفقد.
[ ٧٦ ]
بعين الريبة١، وقلبه بعين المقت٢، فإنهما يزينان الجور٣، ويحملان على الباطل، ويقبِّحان الحسن، ويحسِّنَان القبيح.
وأحق الناس باتهام نظره بعين الريبة، وعين المقت، السلطان الذي ما وقع في قلبه ربا٤ مع ما يقيض٥ له من تزيين القرناء والوزراء.
وأحق الناس بإجبار نفسه على العدل في النظر والقول والفعل الوالي الذي ما قال أو فعل كان أمرًا نافذًا غير مردود.
ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد، ونسيان الودِّ، فليكابد نقض٦ قولهم، وليبطل عن نفسه، وعن الولاة صفات السوء التي يصفون بها.
تفقد الوالي لرعيته، وتجنبه الحسد:
حق الوالي أن يتفقد لطيف أمور رعيته، فضلًا عن جسيمها، فإن للَّطيف موضعًا ينتفع به، وللجسيم موضعًا لا يستغنى عنه، ليتفقَّدِ الوالي، في ما يتفقد من أمور رعيته، فاقة٧ الأخيار
_________________
(١) ١ الريبة: الشك. ٢ المقت: البغض. ٣ الجور: الظلم، وتجاوز الحد. ٤ ربا: نشأ، وزاد. ٥ يقيض: يُهيَّأ. ٦ كابد الشيء: قاساه، وتحمل المشاق فيه. نقض قولهم: إبطاله. ٧ الفاقة: الفقر.
[ ٧٧ ]
الأحرار منهم، فيلعملْ في سدها، وطغيان السفلة منهم، فليقمعه١، وليستوحش٢ من الكريم الجائع، واللئيم الشبعان، فإنما يصول٣ الكريم إذا جاع، واللئيم إذا شبع.
لا ينبغي للوالي أن يحسد الولاة إلا على حسن التدبير.
ولا يحسدن الوالي من دونه، فإنه أقل في ذلك عذرًا من السوقة التي إنما تحسد من فوقها، وكلٌّ لا عذر له.
لا يلومن الوالي على الزلة من ليس بمتهم عنده في الحرص على رضاه، إلا لوم أدب وتقويم، ولا يعدلن بالمجتهد في رضاه البصير بما يأتي أحدًا.
فإنهما إذا اجتمعا في الوزير والصاحب نام الوالي واستراح، وجلبت إليه حاجاته، وإن هدأ عنها، وعمل له فيما يهمه، وإن غفل.
لا يولعن الوالي بسوء الظن لقول الناس، وليجعل لحسن الظن من نفسه نصيبًا موفورًا يروح به٤ عن قلبه، ويصدر عنه٥ في أعماله.
لا يضيعن الوالي التثبت عندما يقول، وعندما يعطي، وعندما يعمل.
_________________
(١) ١ يقمعه: يردعه. ٢ استوحش منه: لم يأنس به. ٣ يصول: يسطو. ٤ يروح به: يخفف به عن نفسه. ٦ يصدر عنه: أي يبني عليه أعماله.
[ ٧٨ ]
فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن العطية بعد المنع أجمل من المنع بعد الإعطاء، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحسن من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه.
وكل الناس محتاج إلى التثبُّت.
وأحوجهم إليه ملوكهم الذي ليس لقولهم وفعلهم دافع، وليس عليهم مستحث١.
كيف يكسد الفجور والدناءة؟:
ليعلم الوالي أن الناس على رأيه إلا من لا بال له٢، فيكن للدين والبر والمروءة عنده نفاق٣، فيكسد بذلك الفجور والدناءة في آفاق الأرض.
ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا:
جماع٤ ما يحتاج إليه الوالي من أمر الدنيا رأيان: رأي يقوِّي به سلطانه، ورأي يزينه في الناس.
_________________
(١) ١ المستحث: الحاض، والمنشط. ٢ لا بال له: لا شأن له. ٣ النفاق: الرواج. ٤ جماع الشيء: جمعه.
[ ٧٩ ]
ورأي القوة أحقهما بالبداءة، وأولاهما بالأثرة١.
ورأي التزيين أحضرهما حلاوة، وأكثرهما أعوانًا.
مع أن القوة من الزينة، والزينة من القوة، ولكن الأمر ينسب إلى معظمه وأصله.
ماذا على المبتلى بصحبة السلطان، وصحبة الوالي؟:
إن ابتليت بصحبة السلطان فعليك بطول المواظبة في غير معاتبة، ولا يحدثن لك الاستئناس به غفلة، ولا تهاونًا.
إذا رأيت السلطان يجعلك أخًا فاجعله أبًا، ثم إن زادك فزده.
إذا نزلت من ذي منزلة أو سلطان، فلا ترين أن سلطانه زادك له توقيرًا وإجلالًا، من غير أن يزيدك ودًا ولا نصحًا، وأنك ترى حقًا له التوقير والإجلال، وكن في مداراته، والرفق به كالمؤتنف٢ ما قبله، ولا تقدر الأمر بينك وبينه على ما كنت تعرف من أخلاقه، فإن الأخلاق مستحيلة٣ مع الملك، وربما رأينا الرجل المدل٤ على ذي السلطان بقدمه، قد أضر به قدمه.
إن استطعت ألا تصحب من صحبت من الولاة إلا على
_________________
(١) ١ أولاهما: أحقُّهما. الأثرة: اختيار المرء الأشياء الحسنة لنفسه دون أصحابه. ٢ المؤتنف، من ائتنف الشيء: أخذ فيه، وابتدأه. ٣ مستحيلة: متغيرة. ٤ المدلُّ: المتجرئ بدالة.
[ ٨٠ ]
شعبة من قرابة١ أو مودة، فافعل، فإن أخطأك ذلك، فاعلم أنك إنما تعمل على السخرة٢.
إن استطعت أن تجعل صحبتك لمن قد عرفك بصالح مروءتك، وصحة دينك، وسلامة أمورك، قبل ولايته، فافعل.
فإن الوالي لا علم له بالناس إلا ما قد علم قبل ولايته، أما إذا ولي، فكل الناس يلقاه بالتزين والتصنع٣، وكلهم يحتال لأن يثني عليه عنده بما ليس فيه، غير أن الأنذال والأرذال هم أشد لذلك تصنعًا، وأشد عليه مثابرة، وفيه تمحلًا٤.
فلا يمتنع الوالي، وإن كان بليغ الرأي والنظر، من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخانة٥ بمنزلة الأمناء، وكثير من الغدرة٦ بمنزلة الأوفياء، ويغطي عليه أمر كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التمحل والتصنع.
إذا عرفت نفسك من الوالي بمنزلة الثقة، فاعزل عنه كلام الملق، ولا تكثرن من الدعاء له في كل كلمة، فإن ذلك شبيه
_________________
(١) ١ شعبة من قرابة: أي ما يجمعك إليه من قرابة. ٢ السخرة: ما سخرت من خادم، ودابة، بلا أجر. ٣ التصنع: أن يظهر المرء من نفسه ما ليس فيه. ٤ التمحل: طلب الشيء بحيلة وتكلف. ٥ الخانة: جمع خائن، كخونة. ٦ الغدرة، جمع غادر: الخائن، وناقض العهد.
[ ٨١ ]
بالوحشة والغربة، إلا أن تكلمه على رؤوس الناس، فلا تألُ١ عما عظمه، ووقره.
لا يعرفنك الولاة بالهوى في بلد من البلدان، ولا قبيلة من القبائل، فيوشك أن تحتاج فيهما إلى حكاية أو شهادة، فتتهم في ذلك.
فإذا أردت أن يقبل قولك، فصحح رأيك، ولا تشوبنه٢ بشيء من الهوى، فإن الرأي الصحيح يقبله منك العدو، والهوى يرده عليك الولد والصديق.
وأحقُّ من احترست من أن يظن بك خلط الرأي بالهوى الولاة، فإنها خديعة وخيانة وكفر عندهم.
إن ابتليت بصحبة والٍ لا يريد صلاح رعيته، فاعلم أنك قد خيرت بين خلتين٣، ليس منهما خيار:
إما الميل مع الوالي على الرعية، وهذا هلاك الدين.
وإما الميل مع الرعية على الوالي، وهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك إلا الموت، أو الهرب.
واعلم أنه لا ينبغي لك، وإن كان الوالي غير مرضيِّ السيرة إذا علقت حبالك بحباله، إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلًا.
_________________
(١) ١ لا تأل: لا تقصر. ٢ لا تشوبنه: لا تخلطنه. ٣ الخلة: الخصلة.
[ ٨٢ ]
تبصَّر ما في الوالي من الأخلاق التي تحب له، والتي تكره، وما هو عليه من الرأي الذي ترضي له، والذي لا ترضي، ثم لا تكابرنه١ بالتحويل له عما يحب ويكره، إلى ما تحب وتكره، فإن هذه رياضة صعبة تحمل على التنائي والقلى٢.
فإنك قلما تقدر على رد رجل عن طريقة هو عليها بالمكابرة، والمناقضة، وإن لم يكن ممن يجمح به٣ عز السلطان، ولكنك تقدر على أن تعينه على أحسن رأيه، وتسدده فيه، وتزينه، وتقويه عليه، فإذا قويت منه المحاسن كانت هي التي تكفيك المساوئ، وإذا استحكمت منه ناحية من الصواب، كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطأ بألطف من تبصيرك، وأعدل من حكمك في نفسك، فإن الصواب يؤيد بعضه بعضًا، ويدعو بعضه إلى بعض، حتى تستحكم لصاحبه الأشياء، ويظهر عليها٤ بتحكيم الرأي، فإذا كانت له مكانة من الأصالة اقتلع ذلك الخطأ كله.
فاحفظ هذا الباب، وأحكمه.
لا تسأل السلطان، ولا تتدلل عليه:
لا يكونن طلبك ما عند الوالي بالمسألة، ولا تستبطئه،
_________________
(١) ١ تكابره: تعانده. ٢ التنائي: التباعد. القلى: البغض. ٣ يجمح به: يطوح به، فيسير على هواه. ٤ يظهر عليها: بتغلب عليها.
[ ٨٣ ]
وإن أبطأ عليك، ولكن أطلب ما قبله بالاستحقاق له، واستأن١ به وإن طالت الأناة منه٢، فإنك إذا استحققته أتاك عن غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له.
لا تخبرن الوالي أن لك عليه حقًا، وأنك تعتد عليه ببلاء٣، وإن استطعت ألا ينسى حقك وبلاءك، فافعل، وليكن ما يذكره به من ذلك تجديدك له النصيحة والاجتهاد، وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكره أول بلائك.
واعلم أن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وأن الكثير من أولئك أرحامهم٤ مقطوعة، وحبالهم مصرومة، إلا عمن رضوا عنه، وأغنى عنهم في يومهم وساعتهم.
إياك أن يقع في قلبك تعتب على الوالي، أو استزراء له.
فإنه إن وقع في قلبك بدا في وجهك، إن كنت حليمًا، وبدا على لسانك، إن كنت سفيهًا.
فإن لم يزد ذلك على أن يظهر في وجهك لآمن الناس عندك، فلا تأمنن أن يظهر ذلك للوالي، فإن الناس إلى السلطان بعورات٦ الإخوان سراع، فإذا ظهر
_________________
(١) ١ استأن: تمهل، وترفق. ٢ الأناة: الرفق، والتمهل. ٣ اعتد بالشيء: أدخله في العد، والحساب. البلاء: الاختبار بعد إظهار البأس. ٤ الأرحام: القرابات. ٥ أغنى عنهم: نفعهم. ٦ العورات: العيوب، والمساوئ.
[ ٨٤ ]
ذلك للوالي، كان قلبه هو أسرع إلى النفور والتغير من قلبك، فمحق ذلك حسناتك الماضية، وأشرف بك على الهلاك، وصرت تعرف أمرك مستدبرًا١، وتلتمس مرضاة سلطانك مستصعبًا.
ولو شئت كنت تركته راضيًا، وازددت من رضاه دنوًا.
احذر سخط السلطان، واخضع له:
اعلم أن أكثر الناس عدوًا جاهدًا حاضرًا جريئًا واشيًا وزير السلطان ذو المكانة عنده، لأنه منفوس عليه٢ مكانه بما ينفس على صاحب السلطان، ومحسود كما يحسد، غير أنه يُجترأ عليه، ولا يُجترأ على السلطان، لأن من حاسديه أحباء السلطان، وأقاربه الذين يشاركونه في المداخل والمنازل٣، وهم وغيرهم من عدوه الذين هم حُضَّاره ليسوا كعدو السلطان النائي عنه والمكتتم منه، وهم لا ينقطع طعمهم من الظفر به، فلا يغفلون عن نصب الحبائل٤ له.
فاعرف هذه الحال، والبس لهؤلاء القوم الذين هم أعداؤك سلاح الصحة والاستقامة ولزوم المحجَّة٥ فيما تسرُّ وتعلن.
_________________
(١) ١ استدبر الرجال الأمر: رأي في عاقبته ما لم يره في صدره. ٢ يقال: نفس عليه الشيء: إذا حسده عليه. ٣ المداخل، الواحد مدخل: أي دخوله على السلطان، ومواجهته له. المنازل، الواحدة منزلة: أي رتبته عنده، ومقامه. ٤ الحبائل، الواحد حبالة: الأشراك، والمراد أنهم يكيدون له المكايد. ٥ المحجَّة: أراد محجة الصواب أي طريقه.
[ ٨٥ ]
ثم روِّح عن قلبك١، حتى كأنك لا عدو لك، ولا حاسد.
وإن ذكرك ذاكر عند السلطان بسوء في وجهك، أو في غيبتك، فلا يرين السلطان، ولا غيره منك اختلاطًا لذلك، ولا اغتياظًا، ولا ضجرًا.
ولا يقعن ذلك في نفسك موقع ما يكرثك٢، فإنه إن وقع منك ذلك الموقع، أدخل عليك أمورًا مشتبهة بالريبة، مذكرة لما قال فيك العائب، وإن اضطرك الأمر في ذلك إلى الجواب، فإياك وجواب الغضب والانتقام، وعليك بجواب الحجة في حلم ووقار، ولا تشكَّن في أن الغلبة والقوة للحليم أبدًا.
لا تتكلمن عند الوالي كلامًا أبدًا إلا لعناية، أو يكون جوابًا لشيء سئلت عنه، ولا تحضرن عند الوالي كلامًا أبدًا لا تعنى به أو تؤمر بحضوره.
ولا تعدن شتم الوالي شتمًا، ولا إغلاظة إغلاظًا، فإن ريح العزة قد تبسط اللسان بالغلظة في غير سخط، ولا بأس.
جانب المسخوط عليه، والظنين٣ به عند السلطان، ولا يجمعنك وإياه مجلس ولا منزل، ولاتظهرن له عذرًا، ولا تثنين عليه خيرًا عند أحد من الناس.
_________________
(١) ١ روح عنه: أنعشه. ٢ يكرثك: يغمك غمًا شديدًا. ٣ الظنين: المتهم.
[ ٨٦ ]
فإذا رأيته قد بلغ من الإعتاب١ مما سخط عليه فيه ما ترجو أن تلين له به قلب الوالي، واستيقنت أن الوالي قد استيقن بمباعدتك إياه، وشدتك عليه عند الناس، فضع عذره عند الوالي، واعمل في إرضائه عنه في رفق ولطف.
ليعلم الوالي أنك لا تستنكف عن شيء من خدمته، ولا تدع مع ذلك أن تقدم إليه القول، عند بعض حالات رضاه، وطيب نفسه، في الاستعفاء من الأعمال التي هي أهل أن يكرهها ذو الدين وذو العقل وذو العرض وذو المروءة، من ولاية القتل، والعذاب، وأشباه ذلك.
إذا أصبت الجاه والخاصة عند السلطان، فلا يحدثن لك ذلك تغيرًا على أحد من أهله وأعوانه، ولا استغناء عنهم، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة، أو تغير، فتذل لهم فيها، وفي تلون الحال عند ذلك من العار ما فيه.
ليكن مما تحكم من أمرك ألا تسارَّ أحدًا من الناس، ولا تهمس٢ إليه بشيء تخفيه على السلطان، أو تعلنه، فإن السرار مما يخيل إلى كل من رآه من ذي سلطان أو غيره، أنه المراد به، فيكون ذلك في نفسه حسيكة، ووغرًا، وثقلًا٣.
_________________
(١) ١ الإعتاب: الرجوع عن الإساءة إلى ما يرضي العاتب. ٢ تهمس: تتكلم سرًا. ٣ الحسيكة: العقد والعداوة. الوغر: شدة الغيظ. الثقل هنا: بمعنى الفتور.
[ ٨٧ ]
الكذب يبطل الحق ويرد الصدق:
لا تتهاونن بإرسال الكذبة عند الوالي أو غيره في الهزل، فإنها تسرع في إبطال الحق، ورد الصدق مما تأتي به.
تنكب١، في ما بينك وبين السلطان، وفي ما بينك وبين الإخوان، خلقًا قد عرفناه في بعض الوزراء والأعوان في ادعاء الرجل، عندما يظهر من صاحبه حسن أثر، أو صواب رأي، أنه عمل في ذلك، وأشار به، وإقراره بذلك إذا مدحه به مادح، بل إن استطعت أن تعرف صاحبك أنك تنحله٢ صواب رأيك، فضلًا عن أن تدعي صوابه، وتسند ذلك إليه، وتزينه به، فافعل.
فإن الذي أنت آخذ بذلك أكثر مما أنت معطٍ بأضعاف.
لا تجب إلا إذا سئلت، وأحسن الإصغاء:
إذا سأل الوالي غيرك فلا تكونن أنت المجيب عنه، فإن استلابك الكلام خفة بك، واستخفاف منك بالمسؤول وبالسائل.
وما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألت؟ أو قال لك المسؤول عند المسألة يعاد له بها: دونك، فأجب.
وإذا لم يقصد السائل في المسألة لرجل واحد، وعم بها جماعة
_________________
(١) ١ تنكب: تجنب. ٢ نحله القول: نسبة إليه دون ن يكون له فيه أثر.
[ ٨٨ ]
من عنده فلا تبادرَنَّ بالجواب، ولا تسابق الجلساء، ولا تواثب بالكلام مواثبة، فإن ذلك يجمع مع شين١ التكلف، والخفة، أنك إذا سبقت القوم إلى الكلام صاروا لكلامك خصماء، فتعقبوه بالعيب والطعن، وإذا أنت لم تعجل بالجواب، وخليته للقوم، اعترضت٢ أقاويلهم على عينك، ثم تدبرتها، وفكرت في ما عندك، ثم هيَّأت من تفكيرك، ومحاسن ما سمعت جوابًا رضيًا، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخ٣ إليك الأسماع، ويهدأ عنك الخصوم.
وإن لم يبلغك الكلام حتى يكتفى بغيرك، أو ينقطع الحديث قبل ذلك، فلا يكون من العيب عندك، ولا من الغبن٤ في نفسك فوت ما فاتك من الجواب.
فإن صيانة القول خير من سوء وضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب موضعها خير من مئة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها. مع أن كلام العجلة والبدار موكل به الزلل، وسوء التقدير، وإن ظن صاحبه أنه قد أتقن وأحكم.
وأعلم أن هذه الأمور لا تدرك، ولا تملك إلا برحب الذرع٥
_________________
(١) ١ الشين: العيب. ٢ اعترضتها: أمررتها من أمام بصرك، من قولهم: اعترض القائد الجند، إذا عرضهم واحدًا بعد واحد. ٣ تصيخ: تصغي. ٤ من قولهم: غبن فلانًا في البيع أو الشراء، إذا خدعه وغلبه. ٥ رحب الذرع: سعة قوته. الذرع: بسط اليد.
[ ٨٩ ]
عندما قيل، وما لم يُقَلْ، وقلة الإعظام لما ظهر من المروءة، وما لم يظهر، وسخاوة النفس عن كثير من الصواب؛ مخافة الخلاف والعجلة والحسد والمراء.
إذا كلمك الوالي فأصغِ إلى كلامه، ولا تشغل طرفك١ عنه بنظر إلى غيره، ولا أطرافك٢ بعمل، ولا قلبك بحديث نفس، واحذر هذه الخصلة من نفسك، وتعاهدها بجهدك.
رفق الوزير بنظرائه:
ارفق بنظرائك من وزراء السلطان، وإخلائه، ودخلائه، واتخذهم إخوانًا، ولا تتخذهم أعداء، ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها، أو العمل يؤمرون به دونك.
فإنما أنت في ذلك أحد رجلين:
إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك، فسوف يبدو ذلك، ويحتاج إليه، ويلتمس منه، وأنت مجمل٣.
وإما ألا يكون ذلك عندك، فما أنت مصيب من حاجتك عند وزراء السلطان بمقاربتك إياهم وملاينتك، وما أنت واجد في موافقتك إياهم، ولينك لهم من موافقتهم إياك، ولينهم لك أفضل مما أنت مدرك بالمنافسة، والمنافرة لهم.
_________________
(١) ١ الطرف: العين. ٢ الأطراف، الواحد طرف: وهو من البدن: اليدان والرجلان والرأس. ٣ أجمل الرجل: أتَّأَد وترفق في الطلب.
[ ٩٠ ]
لا تجترئن على خلاف أصحابك عند الوالي؛ ثقة باعترافهم لك، ومعرفتهم بفضل رأيك، فإنا قد رأينا الناس يعترفون بفضل الرجل، وينقادون له، وتعلمون منه، وهم أخلياء١. فإذا حضروا السلطان، لم يرضَ أحد منهم أن يقرَّ له، ولا أن يكون له عليه في الرأي والعلم فضل، فاجترأوا عليه بالخلاف والنقض.
فإن ناقضهم صار كأحدهم، وليس بواجد في كل حين سامعًا فهمًا أو قاضيًا عدلًا.
وإن ترك مناقضهم، كان مغلوب الرأي، مردود القول.
لكل أليف وجليس:
إذا أصبت عند السلطان لطف منزلة؛ لغناء٢ يجده عندك، أو هوىً يكون له فيك، فلا تطمحن كل الطماح، ولا تزينن لك نفسك المزايلة له عن أليفه، وموضع ثقته، وسره قبلك: تريد أن تقلعه وتدخل دونه، فإن هذه خلة من خلال السفه قد يبتلى بها الحلماء عند الدنو من السلطان، حتى يحدث الرجل منهم نفسه أن يكون دون الأهل والولد؛ لفضل يظنه بنفسه، أو نقص يظنه بغيره.
_________________
(١) ١ أخلياء: منفردون. ٢ غناء: نفع وكفاية. ٣ الطماح: الإبعاد في الطلب. ٤ المزايلة: المفارقة.
[ ٩١ ]
ولكل رجل من الملوك، أو ذي هيئة من السوقة، أليف وأنيس، قد عرف روحه، واطلع على قلبه، فليست عليه مؤونة في تبذل يتبذله١ عنده، أو رأي يستبين منه، أو سر يفشيه إليه، غير أن تلك الأنسة٢، وذلك الإلف، يستخرج من كل واحد منهما ما لم يكن ليظهر منه عند الانقباض والتشدد، ولو التمس ملتمس مثل ذلك عند من يستأنف ملاطفته، ومؤانسته، ومناسمته٣، وإن كان ذا فضل في الرأي وبسطة في العلم، لم يجد عنده مثل ما هو منتفع به، ممن هو دون ذلك في الرأي، ممن قد كفي مؤانسته، ووقع على طباعه.
لأن الأنسة روح٤ للقلوب، وأن الوحشة روع عليها، ولا يلتاط٦ بالقلوب إلا ما لان عليها، ومن استقبل الأنس بالوحشة استقبل أمرا ذا مؤونة.
فإذا كلفتك نفسك السمو إلى منزلة من وصفت لك، فاقدعها٧ عن ذلك بمعرفة فضل الأليف والأنيس، وإذا حدثتك نفسك أو غيرك، ممن لعله أن يكون عنده فضل في مروءة،
_________________
(١) ١ التبذل: ترك الاحتشام والتصاون. ٢ الأنسة: ضد الوحشة. ٣ المناسمة: المسارة. ٤ الروح: الراحة. ٥ الروع: الذعر. ٦ يلتاط: يلتصق. ٧ اقدعها: كفها وامنعها.
[ ٩٢ ]
أنك أولى بالمنزلة عند السلطان من بعض دخلائه وثقاته، فاذكر الذي على السلطان من حق أليفه، وثقته، وأنيسه في التكرمة، والمكانة والرأي، والذي يعينه على ذلك من الرأي أنه يجد عنده من الإلف والأنس ما ليس واجدًا عند غيره.
فليكن هذا مما تتحفظ فيه على نفسك، وتعرف فيه عذر السلطان ورأيه.
والرأي لنفسك مثل ذلك، إن أرادك مريد على الدخول، دون أليفك وأنيسك، وموضع ثقتك، وسرك، وجدك، وهزلك.
واعلم أنه يكاد يكون لكل رجل غالبة حديث لا يزال يحدث به: إما عن بلد من البلدان، أو ضرب من ضروب العلم، أو صنف من صنوف الناس، أو وجه من وجوه الرأي، وعندما يغرم به الرجل من ذلك يبدو منه السخف١، ويعرف منه الهوى، فاجتنب ذلك في كل موطن، ثم عند السلطان خاصة.
احتمل ما خالفك من رأي السلطان:
لا تشكون إلى وزراء السلطان، ودخلائه ما اطلعت عليه من رأي تكرهه له؛ فإنك لا تزيد على أن تفطنهم لهواه، أو تقربهم منه، وتغريهم٢ بتزيين ذلك، والميل عليك معه.
_________________
(١) ١ السخف: نقص العقل. ٢ أغراه بالشيء: ولعه به، وحضه عليه.
[ ٩٣ ]
واعلم أن الرجل ذا الجاه عند السلطان والخاصة، لا محالة أن يرى من الوالي ما يخالفه من الرأي في الناس والأمور، فإذا آثر١ أن يكره كل ما خالفه، أوشك أن يمتعض من الجفوة٢، يراها في المجلس، أو النبوة٣ في الحاجة، أو الرد للرأي، أو الإدناء لمن لا يهوى إدناءه، أو الإقصاء لمن يكره إقصاءه.
فإذا وقعت في قلبه الكراهية؛ تغير لذلك وجهه، ورأيه وكلامه، حتى يبدو ذلك للسلطان وغيره، فيكون ذلك لفساد منزلته، ومروءته سببا وداعيا.
فذلل نفسك باحتمال ما خالفك من رأي السلطان، وقررها على أن السلطان إنما كان سلطانا؛ لتتبعه في رأيه، وهواه، وأمره، ولا تكلفه اتباعك، وتغضب من خلافه إياك.
تصحيح النصيحة للسلطان:
اعلم أن السلطان يقبل من الوزراء التبخيل٤، ويعده منهم شفقة ونظرا له، ويحمدهم عليه، فإن كان جوادا وكنت مبخلا، شنت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت مسخيًا، ٥،
_________________
(١) ١ آثر: فضل واختار. ٢ يمتعض: يغضب، الجفوة: البعد. ٣ النبوة: الارتداد. ٤ التبخيل: الترغيب في البخل. ٥ مسخيًا: مرغبا في الكرم والسخاء.
[ ٩٤ ]
لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك عنده.
فالرأي لك تصحيح النصيحة على وجهها، والتماس المخلص من العيب واللائمة في ما تترك من تبخيل صاحبك، بألا يعرف منك في ما تدعوه إليه ميلًا إلى شيء من هوك، ولا طلبًا لغير ما ترجو أن يزينه وينفعه.
الطاعة للملوك:
لاتكونن صحبتك للملوك إلا بعد رياضة١ منك لنفسك على طاعتهم في المكروه عندك، وموافقتهم في ما خالفك، وتقدير الأمور على أهوائهم دون هواك، وعلى ألاتكتمهم سرك، ولا تستطلع ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه على الناس كلهم، حتى تحمي نفسك الحديث به، وعلى الاجتهاد في رضاهم، والتلطف لحاجتهم، والتثبيت لحجتهم، والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وعلى قلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساؤوا، وترك الانتحال لما فعلوا إذا أحسنوا، وكثرة النشر لمحاسنهم، وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لمن قاربوا وإن كانوا بعداء، والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا أقرباء، والاهتمام بأمرهم وإن لم يهتموا به، والحفظ لهم وإن ضيعوه، والذكر لهم وإن نسوه، والتخفيف عنهم من مؤونتك، والاحتمال لهم كل مؤونة، والرضى
_________________
(١) ١ رياضة: تذليل.
[ ٩٥ ]
منهم بالعفو، وقلة الرضى من نفسك لهم إلا بالاجتهاد.
وإن وجدت عنهم، وعن صحبتهم غنى، فأغنِ عن ذلك نفسك، واعتزله جهدك، فإنه من يأخذ عملهم بحقه، يُحَلْ بينه وبين لذة الدنيا وعمل الآخرة، ومن لا يأخذ بحقه، يحتمل الفضيحة في الدنيا، والوزر في الآخرة.
إنك لا تأمن أنفة الملوك إن أعلمتهم، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم، ولا تأمن غضبتهم إن صدقتهم، ولا تأمن سلوتهم إن حدثتهم، وإنك إن لزمتهم لم تأمن تبرمهم١ بك، وإن زايلتهم لم تأمن عقابهم، وإن تستأمرهم حملت المؤونة عليهم، وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم، إنهم إن سخطوا عليك أهلكوك، وإن رضوا عنك تكلفت من رضاهم ما لا تطيق.
فإن كنت حافظًا إن بلوك، جلدًا٢ إن قربوك، أمينًا إن ائتمنوك: تعلمهم، وأنت تريهم أنك تتعلم منهم، وتؤدبهم، وكأنهم يؤدبونك، تشكرهم، ولا تكلفهم الشكر، بصيرًا بأهوائهم، مؤثرًا لمنافعهم، ذليلًا إن ظلموك، راضيًا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كل البعد، والحذر منهم كل الحذر.
تحزر من سكر السلطان، وسكر المال، وسكر العلم، وسكر
_________________
(١) ١ التبرم: الملل. ٢ بلا فلانًا: جربه. الجلد: القوي الصبور.
[ ٩٦ ]
المنزلة، وسكر الشباب، فإنه ليس من هذا شيء إلا وهو ريح جنة١ تسلب العقل، وتذهب بالوقار، وتصرف القلب، والسمع، والبصر، واللسان إلى غير المنافع.
_________________
(١) ١ الجنة: الجنون.
[ ٩٧ ]
في الأصدقاء
ابذل لصديقك دمك ومالك:
ابذل لصديقك دمك ومالك، ولمعرفتك رفدك١ ومحضرك٢، وللعامة بشرك وتحنُّنَك، ولعدوك عدلك وإنصافك، واضنن بدينك وعرضك على كل أحد.
لا تنتحلْ رأي غيرك:
إن سمعت من صاحبك كلامًا، أو رأيت منه رأيًا يعجبك، فلا تنتحله تزينًا به عند الناس، واكتفِ من التزين بأن تجتني الصواب إذا سمعته، وتنسبه إلى صاحبه.
واعلم أن انتحالك ذلك مسخطة لصاحبه، وأن فيه مع ذلك عارًا، وسخفًا.
فإن بلغ بك ذلك أن تشير برأي الرجل، وتتكلم بكلامه، وهو يسمع، جمعت مع الظلم قلة الحياء، وهذا من سوء الأدب الفاشي في الناس.
_________________
(١) ١ الرفد: العطاء. ٢ محضرك: مشهدك.
[ ٩٨ ]
ومن تمام حسن الخلق والأدب في هذا الباب أن تسخو نفسك لأخيك بما انتحل من كلامك ورأيك، وتنسب إليه رأيه وكلامه، وتزينه مع ذلك ما استطعت.
تمام إصابة الرأي والقول:
لا يكوننَّ من خلقك أن تبتدئ حديثًا، ثم تقطعه، وتقول: سوف. كأنك روَّأت١ فيه بعد ابتدائك إياه، وليكن تروِّيك فيه قبل التفوه به. فإن احتجان٢ الحديث بعد افتتاحه سخف وغمٌّ.
اخزن عقلك وكلامك إلا عند إصابة الموضع، فإنه ليس في كل حين يحسن كل صواب، وإنما تمام إصابة الرأي والقول بإصابة الموضع، فإن أخطأك ذلك أدخلت المحنة٣ على عقلك وقولك، حتى تأتي به، إن أتيت به، في غير موضعه، وهو لا بهاء ولا طلاوة له، وليعرف العلماء حين تجالسهم أنك على أن تسمع أحرص منك على أن تقول.
_________________
(١) ١ روأ في الأمر: نظر فيه، وتدبره، ولم يعجل بجواب. ٢ الاحتجان: الاختزان. ٣ المحنة: البلية.
[ ٩٩ ]
لا تخلط الجد بالهزل:
إن آثرت أن تفاخر أحدًا ممن تستأنس إليه في لهو الحديث، فاجعل غاية ذلك الجد، ولا تعتدْ أن تتكلم فيه بما كان هزلًا، فإن بلغه أو قاربه، فدعه.
ولا تخلطن بالجد هزلًا، ولا بالهزل جدًا، فإنك إن خلطت بالجد هزلًا هجنته١، وإن خلطت بالهزل جدًا كدرته.
غير أني قد علمت موطنًا واحدًا إن قدرت أن تستقبل فيه الجد بالهزل أصبت الرأي، وظهرت على الأقران٢: وذلك أن يتوردك٣ متورد بالسفه، والغضب، وسوء اللفظ، فتجبيه إجابة الهازل المداعب، برحب من الذرع، وطلاقة من الوجه، وثبات من المنطق.
لا تتطاول على الأصحاب:
إن رأيت صاحبك من عدوك، فلا يغضبنك ذلك، فإنما هو أحد رجلين:
إن كان رجلًا من إخوان الثقة، فأنفع مواطنه لك أقربها من
_________________
(١) ١ هجنته: قبحته. ٢ ظهرت: تغلبت. الأقران: النظراء. ٣ تورده: طلب وروده، وحضوره. ٤ الرحب من الذرع: السعة من القوة.
[ ١٠٠ ]
عدوك؛ لشر يكفه عنك، أو لعورة١ يسترها منك، أو غائبة يطلع عليها لك، فأما صديقك فما أغناك أن يحضره ذو ثقتك.
وإن كان رجلًا من غير خاصة إخوانك، فبأي حق تقطعه عن الناس، وتكلفه ألا يصاحب، ولا يجالس إلا من تهوى؟.
تحفظ في مجلسك، وكلامك من التطاول على الأصحاب، وطب نفسًا عن كثير مما يعرض لك فيه صواب القول والرأي، مداراة؛ لئلا يظن أصحابك أن دأبك٣ التطاول عليهم.
إذا أقبل إليك مقبل بوده فسرك ألا يدبر عنك، فلا تنعم الإقبال عليه ٣، والتفتح له، فإن الإنسان طبع على ضرائب٤ لؤم، فمن شأنه أن يرحل عمن لصق به، ويلصق بمن رحل عنه، إلا من حفظ بالأدب نفسه، وكابر طبعه.
فتحفظ من هذا فيك، وفي غيرك.
ادعاء العلم فضيحة:
لا تكثرن ادعاء العلم في كل ما يعرض بينك وبين أصحابك؛ فإنك من ذلك بين فضيحتين.
إما أن ينازعوك فما ادعيت، فيهجم منك على الجهالة
_________________
(١) ١ العورة: كل أمر يستحيا منه. ٢ الدأب: العادة، والشأن. ٣ تنعم الإقبال عليه: تبالغ فيه. ٤ ضرائب: طبائع.
[ ١٠١ ]
والصلف١، وإما ألا ينازعوك، ويخلوا في يديك ما ادعيت من الأمور، فينكشف منك التصنع والمعجزة.
واستحِ الحياء كله من أن تخبر صاحبك أنك عالم، وأنه جاهل: مصرحًا أو معرضًا.
وإن استطلت على الأكفاء، فلا تثقن منهم بالصفاء.
وإن آنست من نفسك فضلًا فتحرَّج٢ أن تذكره، أو تبديه، واعلم أن ظهوره منك بذلك الوجه يقرر لك في قلوب الناس من العيب أكثر مما يقرر لك من الفضل.
واعلم أنك إن صبرت، ولم تعجل ظهر ذلك منك بالوجه الجميل المعروف عند الناس.
ولا يخفين عليك أن حرص الرجل على إظهار ما عنده، وقلة وقاره في ذلك، باب من أبواب البخل واللؤم.
وأن من خير الأعوان على ذلك السخاء والتكرم.
وإن أردت أن تلبس ثوب الوقار، والجمال، وتتحلى بحلية المودة عند العامة، وتسلك الجدد٣ الذي لا خبار٤ فيه، ولا عثار، فكن عالمًا كجاهل، وناطقا كعييٍّ.
فأما العلم، فيزنك، ويرشدك. وأما قلة ادعائه، فتنفي عنك
_________________
(١) ١ الصلف: ادعاء المرء فوق قدره تكبرًا. ٢ تحرَّج: تجنب الإثم. ٣ الجدد: الأرض المستوية. ٤ الخبار: ما استرخى من الأرض.
[ ١٠٢ ]
الحسد، وأما المنطق إذا احتجت إليه، فيبلغك حاجتك، وأما الصمت، فيكسبك المحبة والوقار.
وإذا رأيت رجلًا يحدث حديثًا، قد علمته، أو يخبر خبرا قد سمعته، فلا تشاركه فيه، ولا تتعقبه عليه؛ حرصًا على أن يعلم الناس أنك قد علمته، فإن في ذلك خفة١ وشحًا وسوء أدب، وسخفًا.
وليعرف إخوانك والعامة أنك، إن استطعت، إلى أن تفعل ما لا تقول أقرب منك إلى أن تقول ما لا تفعل.
فإن فضل القول على الفعل عار وهجنة٢، وفضل الفعل على القول زينة.
وأنت حقيق فيما وعدت من نفسك، أو أخبرت به صاحبك، أن تحتجن٣ بعض ما في نفسك؛ إعدادًا لفضل الفعل على القول، وتحرزًا بذلك عن تقصير فعل إن قصر، وقلما يكون إلا مقصرًا.
العدل نحو العدو، والرضى نحو الصديق:
احفظ قول الحكيم الذي قال: لتكن غايتك فيما بينك وبين عدوك العدل، وفيما بينك وبين صديقك الرضاء.
_________________
(١) ١ الخفة: الطيش، وعدم الترصن. ٢ فضل القول على الفعل: زيادته عليه. الهجنة: القبح والعيب. ٣ تحتجن: تدخر.
[ ١٠٣ ]
وذلك أن العدو خصم تصرعه بالحجة، وتغلبه بالحكام، وأن الصديق ليس بينك وبينه قاضٍ، فإنما حكمه رضاه.
كيف تختار صديقك؟:
اجعل غاية تشبشك في مؤاخاة من تؤاخي، ومواصلة من تواصل، توطين نفسك على أنه لا سبيل لك إلى قطيعة أخيك، وإن ظهر لك منه ما تكره، فإنه ليس كالمملوك تعتقه متى شئت، أو كالمرأة التي تطلقها إذا شئت، ولكنه عرضك ومروءتك، فإنما مروءة الرجل إخوانه وأخدانه١، فإن عثر الناس على أنك قطعت رجلًا من إخوانك، وإن كنت معذرًا٢، نزل ذلك عند أكثرهم بمنزلة الخيانة للإخاء والملال فيه، وإن أنت مع ذلك تصبرت على مقارته٣ على غير الرضا، عاد ذلك إلى العيب والنقيصة.
فالاتئاد الاتئاد٤! والتثبت التثبت٥.
وإذا نظرت في حال من ترتئيه لإخائك، فإن كان من إخوان الدين فليكن فقيهًا، غير مراءٍ، ولا حريص، وإن كان من إخوان
_________________
(١) ١ أخدانه، الواحد خِدْن: الصاحب. ٢ أعذر الرجل: بلغ أقصى الغاية من العذر. ٣ مقارته: البقاء معه، والاطمئنان إليه. ٤ الاتئاد: التأني والتمهل. ٥ التثبت: التأني في الأمر، والفحص عنه، والمشاورة فيه.
[ ١٠٤ ]
الدنيا فليكن حرًا، ليس بجاهل، ولا كذاب، ولا شرير، ولا مشنوع١.
فإن الجاهل أهل أن يهرب منه أبواه، وإن الكذاب لا يكون أخًا صادقًا؛ لأن الكذب الذي يجري على لسانه، إنما هو من فضول كذب قلبه، وإنما سمي الصديق من الصدق، وقد يهتم صدق القلب، وإن صدق اللسان، فكيف إذا ظهر الكذب على اللسان؟، وإن الشرير يكسبك العدو، ولا حاجة لك في صداقة تجلب العداوة، وإن المشنوع شانع٢ صاحبه.
واعلم أن انقباضك عن الناس يكسبك العداوة، وأن انبساطك إليهم يكسبك صديق السوء، وسوء الأصدقاء أضر من بغض الأعداء. فإنك إن واصلت صديق السوء أعيتك جرائره٣، وإن قطعته شانك اسم القطيعة، وألزمك ذلك من يرفع عيبك، ولا ينشر عذرك، فإن المعايب تنمي، والمعاذير لا تنمي.
لباس انقباض، ولباس انبساط:
البس للناس لباسين ليس للعاقل بد منهما، ولا عيش، ولا مروءة، إلا بهما:
لباس انقباض، واحتجاز من الناس، تلبسه للعامة، فلا يلقونك
_________________
(١) ١ المشنوع: المشهور بالقبيح. ٢ شانع: فاضح. ٣ أعيتك: أعجزتك. جرائره: جناياته، والواحدة جريرة. ٤ تنمي: تذيع.
[ ١٠٥ ]
إلا متحفظًا متشددًا متحرزًا مستعدًا.
ولباس انبساط واستئناس، تلبسه للخاصة الثقات من أصدقائك، فتلقاهم بذات صدرك، وتفضي إليهم بمصون حديثك، وتضع عنك مؤونة الحذر والتحفظ في ما بينك وبينهم.
وأهل هذه الطبقة، الذين هم أهلها، قليل من قليل حقا؛ لأن ذا الرأي لا يدخل أحدًا من نفسه هذا المدخل إلا بعد الاختبار والتكشف١ والثقة بصدق النصيحة ووفاء العهد.
صن لسانك:
اعلم أن لسانك أداة مصلتة٢، يتغالب عليه عقلك، وعضبك، وهواك، وجهلك، فكل غالب عليه مستمتع به، وصارفه في محبته، فإذا غلب عليه عقلك، فهو لك، وإن غلب عليه شيء من أشباه ما سميت لك، فهو لعدوك.
فإن استطعت أن تحتفظ به وتصونه، فلا يكون إلا لك، ولا يستولي عليه، أو يشاركك فيه عدوك، فافعل.
مؤاساة الصديق:
إذا نابت أخاك إحدى النوائب من زوال نعمة أو نزول
_________________
(١) ١ التكشف: إظهار ما في النفس. ٢ مصلتة: مجردة.
[ ١٠٦ ]
بلية، فاعلم أنك قد ابتليت معه، إما بالمؤاساة١، فتشاركه في البلية، وإما بالخذلان٢، فتحتمل العار.
فالتمس المخرج عند أشباه ذلك، وآثر مروءتك على ما سواها.
فإن نزلت الجائحة٣ التي تأبى نفسك مشاركة أخيك فيها، فأجمل٤، فلعل الإجمال يسعك، لقلة الإجمال في الناس.
وإذا أصاب أخاك فضل، فإنه ليس في دنوك منه، وابتغائك مودته، وتواضعك له مذلة، فاغتنم ذلك، واعمل به.
إلى من تعتذر؟:
لا تعتذرن إلا إلى من يحب أن يجد لك عذرًا، ولا تستعينن إلا بمن يحب أن يظفرك بحاجتك، ولا تحدثن إلا من يرى حديثك مغنمًا، ما لم يغلبك اضطرار.
وإذا اعتذر إليك معتذر، فتلقه بوجه مشرق، وبشر، ولسان طلق إلا أن يكون ممن قطيعته غنيمة.
إذا غرست من المعروف غرسًا، وأنفقت عليه نفقة، فلا تضنن في تربية ما غرست، واستنمائه، فتذهب النفقة الأولى ضياعًا.
_________________
(١) ١ المؤاساة: التعزية. ٢ الخذلان، من خذله: ترك نصرته. ٣ الجائحة: النازلة العظيمة. ٤ أجمل: اصنع الجميل.
[ ١٠٧ ]
إخوان الصدق:
اعلم أن إخوان الصدق هم خير مكاسب الدنيا، هم زينة في الرخاء، وعدة١ في الشدة، ومعونة على خير المعاش والمعاد٢، فلا تفرطن في اكتسابهم، وابتغاء الوصلات، والأسباب٣ إليهم.
واعلم أنك واجد رغبتك من الإخاء عن أقوام قد حالت بينك وبينهم بعض الأبهة التي قد تعتري بعض أهل المروءات، فتحجز عنهم كثيرًا ممن يرغب في أمثالهم، فإذا رأيت أحدًا من أولئك قد عثر به الدهر، فأَقِلْهُ٤.
الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف:
إذا كانت لك عند أحد صنيعة، أو كان لك عليه طول٦، فالتمس إحياء ذلك بإماتته، وتعظيمه بالتصغير له، ولا تقتصرن في قلة المنِّ٧ به على أن تقول: لا أذكره، ولا أصغي بسمعي إلى
_________________
(١) ١ العدة: ما أعددته لحوادث الدهر من مال وسلاح. ٢ المعاش والمعاد: الحياة الدنيا والآخرة. ٣ فرَّط في الشيء: قصَّر فيه. الوصلة: الاتصال. الأسباب، الواحد سبب: كل ما ربط به شيء بآخر من حبل، ونحوه. ٤ أَقِلْهُ: أنهضه من عثرته. ٥ الصنيعة: ما أصطنعته من المعروف. ٦ طول: فضل. ٧ المن: هو أن تذكر لمن أحسنتهم إليه ما فعلته له من المعروف.
[ ١٠٨ ]
من يذكره، فإن هذا قد يستحيي منه بعض من لا يوصف بعقل، ولا كرم، ولكن احذر أن يكون في مجالستك إياه، وما تكلمه به، أو تستعينه عليه، أو تجاريه فيه، شيء من الاستطالة١، فإن الاستطالة تهدم الصنيعة، وتكدر المعروف.
احترس من سورة الغضب:
احترس من سورة٢ الغضب، وسورة الحمية، وسورة الحقد، وسورة الجهل، وأعدد لكل شيء من ذلك عدة تجاهده بها من الحلم، والتفكر، والروية، وذكر العاقبة، وطلب الفضيلة.
واعلم أنك لا تصيب الغلبة إلا بالاجتهاد والفضل، وأن قلة الإعداد لمدافعة الطبائع المتطلعة، هو الاستسلام لها. فإنه ليس أحد من الناس إلا وفيه من كل طبيعة سوء غريزة، وإنما التفاضل بين الناس في مغالبة طبائع السوء،
فأما أن يسلم أحد من أن تكون فيه تلك الغرائز، فليس في ذلك مطمع، إلا أن الرجل القوي إذا كابرها بالقمع لها كلما تطلعت، لم يلبث أن يميتها، حتى كأنها ليست فيه، وهي في ذلك كامنة كمون النار في العود، فإذا وجدت قادحًا٣ من علة، أو
_________________
(١) ١ الاستطالة: التفضل. ٢ سورة كل شيء: شدته، وحدته. ٣ القادح: الذي يقدح بالزند أي يروم إخراج ناره.
[ ١٠٩ ]
غفلة استورت١، كما تستوري النار عند القدح، ثم لا يبدأ ضرها إلا بصاحبها، كما لا تبدأ النار إلا بعودها الذي كانت فيه.
ذلِّل نفسه على الصبر:
ذلل نفسك بالصبر على جار السوء، وعشير السوء، وجليس السوء؛ فإن ذلك مما لا يكاد يخطئك.
واعلم أن الصبر صبران: صبر المرء على ما يكره، وصبره عما يحب.
والصبر على المكروه أكبرهما، وأشبههما٢ أن يكون صاحبه مضطرًا.
واعلم أن اللئام أصبر أجسادًا، وأن الكرام هم أصبر نفوسًا، وليس الصبر الممدوح بأن يكون جلد الرجل وقاحًا٣ على الضرب، أو رجله قوية على المشي، أو يده قوية على العمل، فإنما هذا من صفات الحمير.
ولكن الصبر الممدوح أن يكون للنفس غلوبًا، وللأمور محتملًا، وفي الضراء متجملًا٤، ولنفسه عند الرأي والحفاظ٥
_________________
(١) ١ استورت: اتقدت، واستعرت. ٢ أشبههما: أمثلهما. ٣ الوقاح: الصلب. ٤ من تجمل الفقير: تصبر، ولم يظهر المسكنة والذل. ٥ الحفاظ: الغضب.
[ ١١٠ ]
مرتبطًا١، وللحزم مؤْثِرًا، وللهوى تاركًا، وللمشقة التي يرجو حسن عاقبتها مستخفًا، وعلى مجاهدة الأهواء والشهوات مواظبًا، ولبصيرته بعزمه منفذًا.
حَبِّبْ العلم إلى نفسك:
حبب إلى نفسك العلم حتى تلزمه وتألفه، ويكون هو لهواك، ولذتك، وسلوتك، وبلغتك٢.
واعلم أن العلم علمان: علم للمنافع، وعلم لتذكية العقول٣.
وأفشى العلمين، وأحراهما أن ينشط له صاحبه من غير أن يحض عليه علم المنافع، وللعلم الذي هو ذكاء العقول، وصقالها، وجلاؤها، فضيلة منزلة عند أهل الفضيلة والألباب.
في السخاء كمال الجود والكرم:
عود نفسك السخاء.
واعلم أنه سخاءان: سخاوة نفس الرجل بما في يديه، وسخاوته عما في أيدي الناس.
_________________
(١) ١ مرتبطًا: مسكنًا نفسه. ٢ البلغة: ما يكتفي به من العيش. ٣ تذكية العقول: إشعال ذكائها.
[ ١١١ ]
وسخاوة نفس الرجل بما في يديه أكثرهما، وأقربهما من أن تدخل فيه المفاخرة، وتركه ما في أيدي الناس أمحض في التكرم، وأبرأ من الدنس، وأنزه.
فإن هو جمعهما، فبذل، وعف، فقد استكمل الجود والكرم.
لا تكن حسودًا:
ليكن مما تصرف به الأذى والعذاب عن نفسك، ألا تكون حسودًا.
فإن الحسد خلق لئيم، ومن لؤمه أنه موكل١ بالأدنى، فالأدنى من الأقارب، والأكفاء، والمعارف، والخلطاء، والإخوان.
فليكن ما تعامل به الحسد أن تعلم أن خير ما تكون حين تكون، مع من هو خير منك، وأن غنمًا حسنًا لك أن يكون عشيرك، وخليطك، أفضل منك في العلم، فتقتبس من علمه، وأفضل منك في القوة، فيدفع عنك بقوته، وأفضل منك في المال، فتفيد من ماله، وأفضل منك في الجاه، فتصيب من حاجتك بجاهه، وأفضل منك في الدين، فتزداد صلاحًا بصلاحه.
كيف تعامل عدوك؟:
ليكن مما تنظر فيه من أمر عدوك وحاسدك، أن تعلم أنه
_________________
(١) ١ موكل: ملازم.
[ ١١٢ ]
لا ينفعك أن تخبر عدوك وحاسدك أنك له عدو، فتنذره بنفسك، وتؤذنه بحربك قبل الإعداد والفرصة، فتحمله على التسلح لك، وتوقد ناره عليك.
واعلم أنه أعظم لخطرك١ أن يرى عدوك أنك لا تتخذه عدوًا، فإن ذلك غرة٢ له، وسبيل لك إلى القدرة عليه، فإن أنت قدرت واستطعت اغتفار العداوة عن أن تكافئ بها، فهنالك استكملت عظيم الخطر.
إن كنت مكافئًا بالعداوة والضرر، فإياك أن تكافئ عداوة السر بعداوة العلانية، وعداوة الخاصة بعداوة العامة، فإن ذلك هو الظلم.
واعلم مع ذلك أنه ليس كل العداوة والضرر، يكافأ بمثله: كالخيانة لا تكافأ بالخيانة، والسرقة لا تكافأ بالسرقة.
ومن الحيلة في أمرك مع عدوك أن تصادق أصدقاءه، وتؤاخي أخوانه، فتدخل بينه وبينهم في سبيل الشقاق، والتلاحي٣، والتجافي، حتى ينتهي ذلك بهم إلى القطيعة والعداوة له، فإنه ليس رجل ذو طرق٤ يمتنع من مؤاخاتك إذا التمست ذلك منه، وإن كان إخوان عدوك غير ذوي طرق، فلا عدو لك.
_________________
(١) ١ الخطر: الشر، ورفعة القدر. ٢ غرة: غفلة. ٣ التلاحي: التنازع. ٤ يراد بالطرق هنا: الأساليب في الدهاء.
[ ١١٣ ]
لا تدع، مع السكوت عن شتم عدوك، إحصاء مثالبه١ ومعايبه، واتباع عوارته، حتى لا يشذَّ عنك من ذلك صغير ولا كبير، من غير أن تشيع ذلك عليه، فيتقيك به، ويستعد له، أو تذكره في غير موضعه، فتكون كمستعرض الهواء بنبله قبل إمكان الرمي.
ولا تتخذن اللعن والشتم على عدوك سلاحًا، فإنه لا يجرح في نفس، ولا منزلة، ولا مال، ولا دين.
إن أردت أن تكون داهيًا ٢ فلا تحبَّن أن تسمي داهيًا. فإنه من عرف بالدهاء خاتل٣ علانية، وحذره الناس، حتى يمتنع منه الضعيف، ويتعرض له القوي.
وإن من إرب٤ الأريب دفن إربه ما استطاع، حتى يعرف بالمسامحة في الخليقة، والاستقامة في الطريقة.
ومن إربه ألا يؤارب العاقل المستقيم الطريقة، والذي يطَّلع على غامض إربه، فيمقته عليه.
وإن أردت السلامة، فأشعر قلبك الهيبة للأمور، من غير أن تظهر منك الهيبة، فتفطن الناس بنفسك، وتجرئهم عليك،
_________________
(١) ١ المثالب: النقائص. ٢ من الدهاء، وهو جودة الرأي. ٣ خاتل: خادع. ٤ الإرب: الدهاء، والعقل. ٥ يؤارب: يخادع.
[ ١١٤ ]
وتدعو إليك منهم كل الذي تهاب.
فاشعب١ لمدارة ذلك من كتمان الهيبة، وإظهار الجرأة، والتهاون طائفة من رأيك.
وإن ابتليت بمحاربة عدوك، فحالف هذه الطريقة التي وصفت لك من استشعار الهيبة، وإظهار الجرأة، والتهاون، وعليك بالحذر، والجد في أمرك، والجرأة في قلبك، حتى تملأ قلبك جراءة، ويستفرغ عملك الحذر.
اعلم أن من عدوك من يعمل في هلاكك، ومنهم من يعمل في مصالحتك، وممنهم من يعمل في البعد منك.
فاعرفهم على منازلهم.
ومن أقوى القوة لك على عدوك، وأعزِّ أنصارك في الغلبة له، أن تحصي على نفسك العيوب والعورات، كما تحصيها على عدوك، وتنظر عند كل عيب تراه، أو تسمعه لأحد من الناس: هل قارفت ذلك العيب؟، أو ما شاكله، أو سلمت منه؟.
فإن كنت قارفت شيئًا منه، جعلته مما تحصي على نفسك، حتى إذا أحصيت ذلك كله، فكاثر٢ عدوك بإصلاح نفسك، وعثراتك، وتحصين عوراتك، وإحراز مقاتلك٣،
وخذ نفسك بذلك ممسيًا ومصبحًا.
_________________
(١) ١ اشعب: اجمع. ٢ المكاثرة: المغالبة. ٣ المقاتل، الواحد مقتل: وهو العضو الذي إذا أصيب لم يسلم صاحبه.
[ ١١٥ ]
فإذا آنست منها دفعًا، وتهاونًا به، فاعدد نفسك عاجزًا ضائعًا خائبًا، معورًا١ لعدوك، ممكنًا له من رميك.
وإن حاصل من عيوبك، وعوراتك ما لا تقدر على إصلاحه من ذنب مضى لك، أو أمر يعيبك عند الناس ولا تراه أنت عيبًا، فاحفظ ذلك وما عسى أن يقول فيه قائل من حسبك٢ أو مثالب آبائك، أو عيب إخوانك، ثم اجعل ذلك كله نصب عينك، واعلم أن عدوك مريدك بذلك، فلا تغفل عن التهيؤ له، والإعداد لقوتك وحجتك وحيلتك وحيلتك فيه سرًا وعلانية.
فأما الباطل، فلا تروعن به قلبك، ولا تستعدن له، ولا تشتغلن بشيء من أمره، فإنه لا يهولك ما لم يقع، وما إن وقع اضمحل.
الشهود العدل:
واعلم أنه قلما بده٣ أحد بشيء يعرفه من نفسه، وقد كان يطمع في إخفائه عن الناس، فيعيره به معير عند السلطان، أو غيره، إلا كاد يشهد به عليه وجهه وعيناه ولسانه، للذي يبدو منه عند ذلك، والذي يكون من انكساره وفتوره عند تلك البديهة.
_________________
(١) ١ من أعور الفارس: إذا بدا فيه موضع خلل للضرب. ٢ حسب الرجل: ما يعده من مآثر آبائه، وما ينشئه لنفسه من المفاخر. ٣ بدهه بأمر: استقبله به مفاجأة.
[ ١١٦ ]
فاحذر هذه، وتصنع لها، وخذ أهبتك لبغتاتها، وتقدم في أخذ العتاد لنفيها.
حاذر الغرام بالنساء:
اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأقتلها للعقل، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار، الغرام بالنساء.
ومن البلاء على المغرم بهن، أنه لا ينفك يأجم١ ما عنده، وتطمح عيناه إلى ما ليس عنده منهن.
إنما النساء أشباه، وما يتزين في العيون والقلوب من فضل مجهولاتهن على معروفاتهن باطل وخدعة، بل كثير مما يرغب عنه الراغب مما عنده، أفضل مما تتوق إليه نفسه منهن.
وإنما المرتغب عما في رحله٢ منهن إلى ما في رحال الناس، كالمرتغب عن طعام بيته إلى ما في بيوت الناس، بل النساء بالنساء أشبه من الطعام بالطعام، وما في رحال الناس من الأطعمة، أشد تفاضلًا وتفاوتًا مما في رحالهم من النساء.
ومن العجب أن الرجل الذي لا بأس بلبه ورأيه يرى المرأة
_________________
(١) ١ يأجم: يكره، ويمل. ٢ الرحل: أراد به المثوى، والمنزل. وارتغب عنه: لم يرده.
[ ١١٧ ]
من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوَّر لها في قلبه الحسن والجمال، حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية، ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح، وأدم الدمامة١، فلا يعظه ذلك، ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفًا بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن لها شأنًا غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق، والشقاء، والسفه.
ومن لم يحمِ نفسه، ويظلفها، ويحلئها٢ عن الطعام، والشراب، والنساء في بعض ساعات شهوته وقدرته، كان أيسر ما يصيبه من وبال ذلك انقطاع تلك اللذات عنه بخمود نار شهوته، وضعف حوامل٣ جسده، وقل من تجده إلا مخادعًا لنفسه في أمر جسده عند الطعام والشراب والحمية والدواء، وفي أمر مروءته عند الأهواء والشهوات، وفي أمر دينه عند الريبة والشبهة والطمع.
كن متواضعا، سكوتًا، واحذر المراءاة:
إن استطعت أن تضع نفسك دون غايتك في كل مجلس
_________________
(١) ١ الدمامة: القبح. ٢ ظلف نفسه عن الشيء: منعها عن أن تأتيه. يحلئها، من قولهم حلأ الإبل: إذا منعها عن مناهل الماء. ٣ الحوامل: الأرجل، ومن القدم، والذراع عصبها.
[ ١١٨ ]
ومقام، ومقال، ورأي، وفعل، فافعل، فإن رفع الناس إياك فوق المنزلة التي تحط إليها نفسك، وتقريبهم إياك إلى المجلس الذي تباعت منه، وتعظيمهم من أمرك ما لم تعظم، وتزيينهم من كلامك ورأيك وفعلك مالم تزين، هو الجمال.
لا يعجبنك العالم ما لم يكن عالِمًا بمواضع ما يعلم، ولا العامل إذا جهل موضع ما يعمل، وإن غلبت على الكلام وقتًا، فلا تغلبن على السكوت، فإنه لعله يكون أشدهما لك زينة، وأجلبهما إليك للمودة، وأبقاهما للمهابة، وأنفاهما للحسد.
احذر المراء، وأغربه١، ولا يمنعنك حذر المراء من حسن المناظرة والمجادلة.
واعلم أن المماري هو الذي لا يريد أن يتعلم، ولا أن يُتَعَلَّمَ منه، فإن زعم زاعم أنه مجادل في الباطل عن الحق، فإن المجادل، وإن كان ثابت الحجة، ظاهر البينة، حاضر الذهن، فإن يخاصم إلى غير قاضٍ، وإنما قاضيه الذي لا يعدل بالخصومة إلا إليه عدل صاحبه وعقله، فإن آنس أو رجا عند صاحبه عدلًا يقضي به على نفسه، فقد أصاب وجه أمره، وإن تكلم على غير ذلك كان مماريًا.
وإن استطعت ألا تخبر أخاك عن ذات نفسك٢ بشيء إلا
_________________
(١) ١ المراء: الجدال مما يشغل عن ظهور الحق. أغربه: أبعده. ٢ ذات نفسك: ما تخفيه، وتضمره فيها.
[ ١١٩ ]
وأنت محتجن عنه بعض ذلك؛ التماسًا لفضل الفعل على القول، واستعدادًا لتقصير فعل، إن قصر، فافعل.
واعلم أن فضل الفعل على القول زينة، وفضل القول على الفعل هجنة، وأن إحكام هذه الخلة من غرائب الخلال.
الصبر على الأعمال يخففها:
إذا تراكمت عليك الأعمال، فلا تلتمس الروح١ في مدافعتها٢، بالروغان منها٣، فإنه لا راحة لك إلا في إصدارها٤، وإن الصبر عليها هو الذي يخففها عنك، والضجر هو الذي يراكمها عليك.
فتعهد من ذلك في نفسك خصلة قد رأيتها تعتري بعض أصحاب الأعمال، وذلك أن الرجل يكون في أمر من أمره، فيرِدُ عليه شغل آخر، أو يأتيه شاغل من الناس يكره إتيانه، فيكدر ذلك بنفسه تكديرًا يفسد ما كان فيه، وما ورد عليه، حتى لا يحكم واحدًا منهما، فإذا ورد عليك مثل ذلك، فليكن معك رأيك، وعقلك اللذان بهما تختار الأمور، ثم اختر أولى الأمرين بشغلك، فاشتغل به حتى تفرغ منه، ولا يعظمن عليك فوت ما فات، وتأخير ما تأخر إذا أعملت الرأي معمله، وجعلت
_________________
(١) ١ الروح: الاستراحة. ٢ مدافعتها: تمهيلها إلى يوم بعد يوم. ٣ الروغان: الانحراف. ٤ إصدارها: إنجازها، والفراغ منها.
[ ١٢٠ ]
شُغلك في حقه، واجعل لنفسك في كل شغل غاية ترجو القوة، والتمام عليها.
لا تجاوز الغاية:
اعلم أنك إن جاوزت الغاية في العبادة، صرت إلى التقصير، وإن جاوزتها في حمل العلم، لحقت بالجهال، وإن جاوزتها في تكلف رضى الناس، والخفة١ معهم في حاجاتهم، كنت المحشود المصنع٢.
واعلم أن بعض العطية لؤم، وبعض السلاطة٣ غيم، وبعض البيان عيٌّ، وبعض العلم جهل، فإن استطعت ألا يكون عطاؤك جورًا، ولا بيانك هذرًا٤، ولا علمك وبالًا، فافعل.
احفظ المليح، والرائع من الأحاديث:
اعلم أنه ستمر عليك أحاديث تعجبك: إما مليحة، وإما رائعة.
فإذا أعجتك كنت خليقًا أن تحفظها، فإن الحفظ موكل
_________________
(١) ١ الخفة: الطيش، وعدم الترصن. ٢ المحشود: هو الرجل المحفوف بالجماعات. والمصنع، من قولهم: أصنع الرجل، إذا أعان امرأ أخرق. ٣ السلاطة: حدة اللسان وشدته. ٤ الهذر: سقط الكلام.
[ ١٢١ ]
بما ملح وراع، وستحرص على أن تعجب منها الأقوام، فإن الحرص على ذلك التعجب من شأن الناس، وليس كل معجب لك معجبًا لغيرك.
فإذا نشرت ذلك المرة والمرتين، فلم تَرَهُ وقع من السامعين موقعه منك، فأزدجر١ عن العودة، فإن العجب من غير عجيب سخف شديد.
وقد رأينا من الناس من يعلق الشيء، ولا يقلع عنه، وعن الحديث به، ولا يمنعه قلة قبول أصحابه له من أن يعود إليه، ثم يعود.
ثم انظر الأخبار الرائعة فتحفظ منها، فإن الإنسان من شأنه الحرص على الأخبار، ولا سيما ما راع منها، فأكثر الناس من يحدث بما سمع، ولا يبالي ممن سمع، وذلك مفسدة للصدق، ومزراة بالمروءة، فإن استطعت ألا تخبر بشيء إلا وأنت به مصدق، ولا يكون تصديقك إلا ببرهان، فافعل، ولا تقل كما يقول السفهاء: أخبر بما سمعت، فإن الكذب أكثر ما أنت سامع، وإن السفهاء أكثر من هو قائل، وإنك إن صرت للأحاديث واعيًا وحاملًا، كان ما تعي وتحمل عن العامة أكثر مما يخترع المخترع بأضعاف.
_________________
(١) ١ ارزدجر: ارتدع، وامتنع.
[ ١٢٢ ]
من تصاحب من الناس؟:
انظر من صاحبت من الناس: من ذي فضل عليك بسلطان أو منزلة، أو من دون ذلك من الأكفاء والخلطاء والإخوان، فوَطِّنْ نفسك في صحبته على أن تقبل منه العفو، وتسخو نفسك عما اعتاض عليك مما قبله، غير معاتب، ولا مستبطئ، ولا مستزيد، فإن المعاتبة مقطعة للودِّ، وإن الاستزادة من الجشع، وإن الرضا بالعفو، والمسامحة في الخلق مقرب لك كل ما تتوق إليه نفسك، من بقاء العرض والمودة والمروءة.
واعلم أنك ستبلى من أقوام بسفه، وأن سفه السفيه سيطلع له منك حقدًا، فإن عارضته، أو كافأته بالسفه، فكأنك قد رضيت ما أتى به، فأحببت أن تحتذي على مثاله، فإن كان ذلك عندك مذمومًا، فحقق ذمك إياه بترك معارضته، فأما أن تذمَّه، وتمتثله١ فليس في ذلك لك سداد٢.
لا تصاحب أحدًا إلا بمروءة:
لا تصاحبن أحدًا، وإن استأنست به أخًا ذا قرابة، أو أخًا ذا مودة، ولا ولدًا إلا بمروءة، فإن كثيرًا من أهل
_________________
(١) ١ تمتثله: تسلك طريقه. ٢ السداد: الصواب.
[ ١٢٣ ]
المروءة قد يحملهم الاسترسال١ والتبذل٢ على أن يصحبوا كثيرًا من الخلطاء بالإدلال٣ والتهاون والتبذل،
ومن فقد من صاحبه صحبة المروءة، ووقارها، وجلالها، أحدث ذلك له في قلبه رقة شأن، وسخف منزلة.
ولا تلتمس غلبة صاحبك، والظفر عليه عند كل كلمة ورأي، ولا تجترئن على تقريعه بظفرك، إذا استبان، وحجتك عليه، إذا وضحت.
فإن أقوامًا قد يحملهم حب الغلبة، وسفه الرأي في ذلك على أن يتعقبوا الكلمة بعدما تنسى، فيلتمسوا فيها الحجة، ثم يستطيلوا٤ بها على الأصحاب، وذلك ضعف في العقل، ولؤم في الأخلاق.
أي إكرام يعجب؟:
لا يعجبنك إكرام من يكرمك؛ لمنزلة أو لسلطان، فإن السلطان أوشك٥ أمور الدنيا زوالًا، ولا يعجبنك أكرام من يكرمك؛ للمال، فإنه هو الذي يتلو السلطان في سرعة الزوال، ولا يعجبنك إكرامهم إياك؛ للنسب، فإن الأنساب أقل مناقب
_________________
(١) ١ الاسترسال، من استرسل إليه: ابنسط، واستأنس. ٢ التبذل: رفع الاحتشام. ٣ الإدلال: الاجتراء. ٤ استطال على فلان: قهره، وتطاول عليه. ٥ أوشك: أسرع.
[ ١٢٤ ]
الخير غناء عن أهلها في الدين والدنيا.
ولكن إذا أُكرمت على دين أو مروءة، فذلك فليعجبك، فإن المروءة لا تزايلك١ في الدنيا، وإن الدين لا يزايلك في الآخرة.
الجبن والحرص مقتلة ومحرمة:
اعلم أن الجبن مقتلة، وأن الحرص محرمة.
فانظر في ما رأيت أو سمعت: أمن قتل في القتال مقبلًا أكثر، أم من قتل مدبرا؟ وانظر أمن يطلب إليك بالإجمال والتكرم أحق أن تسخو نفسك له بطلبته؟، أم من يطلب إليك بالشره والزيغ؟
واعلم أنه ليس كل من كان لك فيه هوىً، فذكره ذاكر بسوء، وذكرته أن بخير ينفعه ذلك، بل عسى أن يضره، فلا يستخفنك ذكر أحد من صديقك أو عدوك إلا في مواطن دفع أو محاماة، فإن صديقك إذا وثق بك في مواطن المحاماة، لم يحفل بما تركت مما سوى ذلك، ولم يكن له عليك سبيل لائمة.
وإن من أحزم الرأي لك في أمر عدوك، ألا تذكره إلا حيث تضره، وألا تعد يسير الضرر له ضررًا.
_________________
(١) ١ تزايلك: تفارقك.
[ ١٢٥ ]
احترس مما يقال فيك:
اعلم أن الرجل قد يكون حليمًا، فيحمله الحرص على أن يقول الناس: جليد١، والمخافة أن يقال: مهين٢، على أن يتكلف الجهل، وقد يكون الرجل زِمِّيْتًا٣، فيحمله الحرص على أن يقال: لسن، والمخافة من أن يقال: عييٌّ، على أن يقول في غير موضعه، فيكون هذرًا٤.
فاعرف هذا، وأشباهه، واحترس منه كله.
نزاهة العرض، وبقاء العز:
إذا بدهك أمران لا تدري أيهما أصوب، فانظر أيهما أقرب إلى هواك، فخالفه، فإن أكثر الصواب في خلاف الهوى.
وليجتمع في قلبك الافتقار إلى الناس، والاستغناء عنهم، وليكن افتقارك إليهم في لين كلمتك لهم، وحسن بشرك بهم، وليكن استغناؤك عنهم في نزاهة عرضك، وبقاء عزك.
_________________
(١) ١ الجليد: الصبور. ٢ مهين: ذليل. ٣ الزميت: الكثير الوقار. ٤ الهذر: كثير الكلام في الحق والباطل.
[ ١٢٦ ]
كيف تجالس الناس؟:
لا تجالس امرأ بغير طريقته، فإنك إن أردت لقاء الجاهل بالعلم، والجافي بالفقه١، والعييَّ بالبيان، لم تَزِدْ على أن تضيع علمك، وتؤذي جليسك بحملك عليه ثقل ما لا يعرف، وغمك إياه، بمثل ما يغتمُّ به الرجل الفصيح من مخاطبة الأعجمي الذي لا يفقه عنه.
واعلم أنه ليس من علم تذكره عند غير أهله إلا عابوه، ونصبوا له٢، ونقضوه عليك، وحرصوا على أن يجعلوه جهلًا، حتى إن كثيرًا من اللهو واللعب الذي هو أخف الأشياء على الناس، ليحضره من لا يعرفه، فيثقل عليه، ويغتم به.
وليعلم صاحبك أنك تشفق عليه، وعلى أصحابه، وإياك إن عاشرك امرؤ، أو رافقك أن لا يرى منك بأحد من أصحابه وإخوانه وأخدانه رأفة، فإن ذلك يأخذ من القلوب مأخذًا، وإن لطفك بصاحِبِ صَاحِبِكَ أحسن عنده موقعًا من لطفك به في نفسه.
واتق الفرح عند المحزون، واعلم أنه يحقد على المنطلق٣، ويشكر للمكتئب.
_________________
(١) ١ الفقه: العلم بالشيء، والفهم له. ٢ نصبوا له: عادوه، وتجردوا له. ٣ المنطلق: المسرور المتهلل.
[ ١٢٧ ]
اعلم أنك ستسمع من جلسائك الرأي والحديث، تنكره وتستجفيه، وتستشنعه من المتحدث به عن نفسه أو غيره، فلا يكونن منك التكذيب، ولا التسخيف لشيء مما يأتي به جليسك.
ولا يجرِّئَنَّكَ على ذلك أن تقول: إنما حدَّث عن غيره، فإن كل مردود عليه، سيمتعض من الرد، وإن كان في القوم من تكره أن يستقر في قلبه ذلك القول؛ لخطإ تخاف أن يعقد عليه١، أو مضرة تخشاها على أحد، فإنك قادر على أن تنقض ذلك في ستر، فيكون ذلك أيسر للنقض، وأبعد للبغضة.
ثم اعلم أن البغضة خوف، وأن المودة أمن، فاستكثر من المودة صامتًا، فإن الصمت سيدعوها إليك، وإذا ناطقت، فناطق بالحسنى، فإن المنطق الحسن يزيد في وُدِّ الصديق، ويستل سخيمة الوغر٢.
واعلم ان خفض الصوت، وسكون الريح، ومشي القصد٣ من دواعي المودة، إذا لم يخالط ذلك بأوٌ٤ ولا عجب، أما العجب فهو من دواعي المقت والشنآن.
_________________
(١) ١ يعقد عليه: يبنى عليه. ٢ السخيمة: الحقد والموجدة في النفس. الوغر: المحترق من الغيظ. ٣ القصد: استقامة الطريق. ٤ البأو: الفخر بالنفس.
[ ١٢٨ ]
المستشار ليس بضامن وجه الصواب:
اعلم أن المستشار ليس بكفيل، وأن الرأي ليس بمضمون، بل الرأي كله غرر١؛ لأن أمور الدنيا ليس شيء منها بثقة، ولأنه ليس من أمرها شيء يدركه الحازم، إلا وقد يدركه العاجز، بل ربما أعيا الحزمة ما أمكن العجزة، فإذا أشار عليك صاحبك برأي، ثم لم تجد عاقبته على ما كنت تأمل، فلا تجعل ذلك عليه ذنبًا، ولا تلزمه لومًا وعذلًا، بأن تقول: أنت فعلت هذا بي، وأنت أمرتني، ولولا أنت لم أفعل، ولا جرم لا أطيعك في شيء بعدها، فإن هذا كله ضجر، ولؤم، وخفة.
فإن كنت أنت المشير، فعمل برأيك، أو تركه، فبدا صوابك، فلا تمنن به، ولا تكثرن ذكره إن كان فيه نجاح، ولا تلمه عليه، إن كان قد استبان في تركه ضرر، بأن تقول: ألم أقل لك: افعل هذا، فإن هذا مجانب لأدب الحكماء.
حسن الاستماع:
تعلم حسن الاستماع، كما تتعلم حسن الكلام، ومن حسن الاستماع إمهال المتكلم حتى ينقضي حديثه، وقلة
_________________
(١) ١ الغرر: التعرض للهلكة.
[ ١٢٩ ]
التلقت إلى الجواب، والإقبال بالوجه والنظر إلى المتكلم، والوعي لما يقول.
واعلم، في ما تكلم به صاحبك، أن مما يهجن صواب ما يأتي به، ويذهب بطعمه وبهجته، ويرزي به في قبوله، عجلتك بذلك، وقطعك حديث الرجل قبل أن يفضي إليك بذات نفسه١.
كيف يكون الزهد؟:
إن رأيت نفسك تصاغرت إليها الدنيا، أو دعتك إلى الزهادة فيها على حال تعذر من الدنيا عليك، فلا يغرنك ذلك في نفسك على تلك الحال، فإنها ليست بزهادة، ولكنها ضجر، واستخذاء٢، وتغير نفس، عندما أعجزك من الدنيا، وغضب منك عليها مما التوى٣ عليك منها. ولو تممت٤ على رفضها، وأمسكت عن طلبها، أوشكت أن ترى من نفسك من الضجر والجزع أشد من ضجرك الأول بأضعاف، ولكن إذا دعتك نفسك إلى رفض الدنيا، وهي مقبلة عليك، فأسرع إلى إجابتها.
_________________
(١) ١ أي يكشف لك مكنونات صدره. ٢ الاستخذاء: الاسترخاء، الانقياد. ٣ التوى: صعب عليك الوصول إليه. ٤ تمم على أمره: إمضاه، وأنفذه.
[ ١٣٠ ]
حسن المجالسة، وسوءها:
اعرف عوراتك، وإياك أن تعرض بأحد في ما ضارعها، وإذا ذكرت من أحد خليقة، فلا تناضل عنه مناضلة المدافع عن نفسه، المصغر لما يعيب الناس منه، فتتهم بمثلها، ولا تلح كل الإلحاح، وليكن ما كان منك في غير اختلاط، فإن الاختلاط من محققات الريب.
إذا كنت في جماعة قوم أبدًا، فلا تعمن جيلًا١ من الناس، أو أمة من الأمم بشتم، ولا ذم؛ فإنك لا تدري لعلك تتناول بعض أعراض جلسائك مخطئًا، فلا تأمن مكافأتهم، أو متعمدًا، فتنسب إلى السفه، ولا تذمن مع ذلك اسمًا من أسماء الرجال أو النساء، بأن تقول: إن هذا لقبيح من الأسماء، فإنك لا تدري لعل ذلك غير موافق لبعض جلسائك، ولعله يكون بعض أسماء الأهلين والحرم، ولا تستصغرن من هذا شيئًا، فكل ذلك يجرح في القلب، وجرح اللسان أشد من جرح اليد.
ومن الأخلاق السيئة على كل حال مغالبة الرجل على كلامه، والاعتراض فيه، والقطع للحديث.
ومن الأخلاق التي أنت جدير بتركها إذا حدث الرجل حديثًا تعرفه، ألا تسابقه إليه، وتفتحه عليه، وتشاركه فيه، حتى كأنك
_________________
(١) ١ الجيل: الصنف من الناس، وأهل الزمان الواحد.
[ ١٣١ ]
تظهر للناس أنك تريد أن يعلموا أنك تعلم مثل الذي يعلم.
وما عليك أن تهنئه بذلك، وتفرده به.
وهذا الباب من أبواب البخل، وأبوابه الغامضة كثيرة.
إذا كنت في قوم ليسوا بلغاء، ولا فصحاء، فدعِ التطاول عليهم بالبلاغة والفصاحة.
واعلم أن بعض شدة الحذر عون عليك في ما تحذر.
وإن بعض شدة الاتقاء مما يدعو إليك ما تتقي.
واعلم أن الناس يخدعون أنفسهم بالتعريض، والتوقيع١ بالرجال في التماس مثالبهم، ومساويهم، ونقيصتهم. وكل ذلك أبين عند سامعيه من وضح الصبح، فلا تكونن من ذلك في غرور، ولا تجعلن نفسك من أهله.
اعلم أن من تنكب٢ الأمور ما يسمى حذرًا، ومنه ما يسمى خورًا٣، فإن استطعت أن يكون حبنك من الأمر قبل مواقعتك٤ إياه، فافعل. فإن هذا الحذر، ولا تنغمس فيه ثم تتهيبه، فإن هذا هو الخور، فإن الحكيم لا يخوض نهرًا حتى يعلم مقدار غوره.
قد رأينا من سوء المجالسة أن الرجل تثقل عليه النعمة براها بصاحبه، فيكون ما يشتفي بصاحبه، في تصغير أمره وتكدير
_________________
(١) ١ التوقيع: التظني، والتوهم. ٢ التنكب: التباعد. ٣ الخور: الضعف. ٤ مواقعتك: مداناتك، ومباشرتك.
[ ١٣٢ ]
النعمة عليه، أن يذكر الزوال والفناء والدول، كأنه واعظ وقاصٌّ، فلا يخفى ذلك على من يعنى به، ولا غيره، ولا ينزل قوله بمنزلة الموعظة والإبلاغ، ولكن بمنزلة الضجر من النعمة، إذا رآها لغيره، والاغتمام بها، والاستراحة إلى غير روح.
وإني مخبرك عن صاحب لي كان من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما أعظمه في عيني صغر الدنيا في عينه: كان خارجًا من سلطان بطنه، فلا يشتهى ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد.
وكان خارجا من سلطان فرجه، فلا يدعو إليه ريبة، ولا يستخف له رأيًا، ولا بدنًا، وكان خارجًا من سلطان لسانه، فلا يقول ما لا يعلم، ولا ينازع في ما يعلم، وكان خارجًا من سلطان الجهالة، فلا يقدم أبدًا إلا على ثقة بمنففة.
كان أكثر دهره صامتًا، فإذا نطق بَذَّ١ الناطقين.
كان يرى متضاعفًا مستضعفًا، فإذا جاء الجد فهو الليث عاديًا٢.
كان لا يدخل في دعوى، ولا يشترك في مراء، ولا يدلي بحجة٣ حتى يرى قاضيًا عدلًا، وشهودًا عدولًا.
وكان لا يلوم أحدًا على ما قد يكون العذر في مثله، حتى يعلم ما اعتذاره.
_________________
(١) ١ بذَّ القوم: غلبهم، وفاقهم. ٢ عاديًا: واثبًا. ٣ أدلى بحجته: أحضرها على صحة، وأثبتها.
[ ١٣٣ ]
وكان لا يشكو وجعًا إلا إلى من يرجو عنده البرء،
وكان لا يستشير صاحبًا إلا من يرجو عنده النصيحة،
وكان لا يتبرم١، ولا يتسخط، ولا يتشهى، ولا يشتكى،
وكان لا ينقم على الولي٢، ولا يغفل عن العدو، ولا يخص نفسه دون إخوانه بشيء من اهتمامه، وحيلته، وقوته.
فعليك بهذه الأخلاق إن أطقت، ولن تطيق، ولكن أخذ القليل خير من ترك الجميع.
واعلم أن خير طبقات أهل الدنيا طبقة أصفها لك: من لم ترتفع عن الوضيع، ولم تتضع عن الرفيع.
_________________
(١) ١ يتبرم: يتضجر. ٢ الولي: المحب والصديق.
[ ١٣٤ ]