فوائد إجابة المؤذن بالقول كثيرة لا تحصر، ولكن منها الفوائد الآتية:
١ - قوله - ﷺ -: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن»، قال الحافظ ابن حجر ﵀: «قوله: «ما يقول» قال الكرماني: قال: «ما يقول» ولم يقل مثل ما قال؛ ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة، مثل كلمتها»، ثم قال: «قلت والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة: «أنه - ﷺ - كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت» (١) «فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل» (٢).
٢ - ما دل عليهّ حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -، وفيه: «
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩١. والحديث أخرجه أحمد، ٦/ ٣٢٦، وابن ماجه، برقم ٧١٩، وابن خزيمة، ١/ ٢١٥، برقم ٤١٢، وقال محققو المسند، ٤٤/ ٣٥٠، برقم ٢٦٧٦٧: «صحيح لغيره، وهذا إسناد ضعيف ».
(٢) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري، ٢/ ٩١: «قاله النووي في شرح المهذب، بحثًا».
[ ٤١ ]
ثم قال: «حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: حي على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله» (١)، وحديث عثمان، وفيه أنه لما قال المؤذن: حي على الصلاة، قال عثمان - ﵁ -: لا حول ولا قوة إلا بالله، وقال: هكذا سمعنا نبيكم - ﷺ - يقول» (٢)، وهذان الحديثان يدلان على أنه يستثنى من القول مثل ما يقول المؤذن: «حيّ على الصلاة، وحيّ على الفلاح»، فيقول بدلهما: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٣)، قال الإمام النووي ﵀: «حديث أبي سعيد: «إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن» عام مخصوص؛ لحديث عمر: أنه يقول في الحيعلتين: «لا حول ولا قوة إلا بالله» (٤).
_________________
(١) مسلم، برقم ٣٨٥، وتقدم تخريجه.
(٢) البخاري، كتاب الأذان، باب ما يقول إذا سمع المنادي، برقم ٦١٣.
(٣) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩١.
(٤) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩،وانظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧١.
[ ٤٢ ]
قال الإمام ابن الملقن ﵀: «والمناسبة في جواب الحيعلة بالحوقلة: أن الحيعلة دعاء، فلو قالها السامع لكان الناس كلهم دعاة، فمن يبقى المجيب؟ فحسن من السامع الحوقلة؛ لأنها تفويض محض إلى الله - ﷾ -» (١).
٣ - دل حديث عمر بن الخطاب - ﵁ -: أن المشروع للمسلم أن يقول بعد تشهد المؤذن مثل قول المؤذن: فإذا قال المؤذن: «أشهد أن لا إله إلا الله»؛ فإن المتابع للمؤذن يقول: «أشهد أن لا إله إلا الله» يكررها مرتين مثل قول المؤذن، فإذا قال: «أشهد أن محمدًا رسول الله» قال المجيب: «أشهد أن محمدًا رسول الله» يكررها مرتين مثل قول المؤذن» (٢).
ودلّ حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: أن مجيب المؤذن يقول بعد انتهائه من إجابة المؤذن عند الشهادتين، يقول بعد ذلك: «وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
_________________
(١) الإعلام بفوائد عمدة الأحكام، لابن الملقن، ٢/ ٤٧١.
(٢) مسلم، برقم ٣٨٥، وتقدم تخريجه.
[ ٤٣ ]
له، وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًا، وبمحمد رسولًا، وبالإسلام دينًا » (١).
وقد ذُكِرَ موضع هذا الذكر، وأنه بعد الشهادتين: في رواية ابن خزيمة في صحيحه، وفيه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سمع المؤذن يَتَشَهَّد »، وفيه: « فقال: «أشهد أن لا إله إلا الله » الحديث (٢)، وهكذا سمعت شيخنا ابن باز ﵀ يقرر أن قول هذا الذكر بعد انتهاء المؤذن من الشهادتين، وكذا رجحه العلامة محمد بن صالح العثيمين (٣).
٤ - ظاهر حديث جابر - ﵁ -: «من قال حين يسمع النداء: اللهمَّ ربَّ هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلّت
_________________
(١) مسلم، برقم ٣٨٦.
(٢) صحيح ابن خزيمة، ١/ ٢٢٠.
(٣) انظر: مجموع فتاوى ابن عثيمين، ١٢/ ١٩٤.
[ ٤٤ ]
له شفاعتي يوم القيامة» (١): أنه يقول هذا الذكر حال سماع الأذان، ولا يتقيد بفراغه، ولكن قد بين المراد من حديث جابر، حديث عبد الله بن عمرو؛ فإنه قال فيه: «إذا سمعت المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليّ؛ فإنه من صلَّى عليّ صلاةً صلَّى الله عليه بها عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة؛ فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٢).
فدل هذا الحديث أن حديث جابر: «اللهم رب هذه الدعوة التامة » يقال بعد الفراغ من الأذان بعد الصلاة على النبي - ﷺ -. قال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد، وأن الحين محمول على ما بعد الفراغ » (٣).
_________________
(١) البخاري، برقم ٦١٤، وتقدم تخريجه.
(٢) مسلم، برقم ٣٨٤، وتقدم تخريجه.
(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٤، وشرح النووي، ٤/ ٣٢٩.
[ ٤٥ ]
٥ - إجابة المؤذن تدل على عظيم الرغبة في الفوز بالفلاح، فإن معنى: «حيَّ على الصلاة، حي على الفلاح» معنى عظيم، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: «ومعنى حيَّ على كذا: أي تعالوا إليه، والفلاح: الفوز، والنجاة، وإصابة الخير، قالوا: وليس في كلام العرب كلمة أجمع للخير من لفظة الفلاح فمعنى حيَّ على الفلاح: أي تعالوا إلى سبب الفوز، والبقاء في الجنة، والخلود في النعيم » (١).
٦ - إجابة المؤذن، بـ: «لا حول ولا قوة إلا بالله» فيها الالتجاء إلى الله تعالى، واعتماد القلب عليه، فلا حول ولا قوة للعبد إلا به سبحانه، قال الإمام النووي ﵀: «قال أبو الهيثم: الحول الحركة، أي لا حركة ولا استطاعة، إلا بمشيئة الله وقيل: لا حول في دفع شر، ولا قوة في تحصيل خير إلا بالله، وقيل: لا حول عن معصيته إلا
_________________
(١) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
[ ٤٦ ]
بعصمته، ولا قوة على طاعته إلا بمعونته، وحكى هذا عن ابن مسعود - ﵁ -» (١).
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: «وقال الطيبي: معنى الحيعلتين: هلُمَّ بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلًا، والفوز بالنعيم آجلًا، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوّته» (٢).
٧ - الوسيلة: المنزلة عند الملك (٣)، وهي منزلة للنبي - ﷺ - في الجنة، من سألها للنبي - ﷺ - حلت له الشفاعة، أي وجبت له، وقيل: نالته الشفاعة (٤)، والوسيلة: ما يتقرب به إلى الكبير، وتطلق على المنزلة العليَّة، ويقال: توسلت: تقربت، والواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، وهي
_________________
(١) المصدر السابق، ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٢.
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٨.
(٤) المصدر السابق، ٤/ ٣٢٨.
[ ٤٧ ]
عَلَمٌ على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله - ﷺ - وداره، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى عرش الرحمن - ﷾ - (١).
٨ - الأعمال يشترط لها القصد والإخلاص، لقوله - ﷺ -: « ثم قال: لا إله إلا الله من قلبه دخل الجنة» (٢).
٩ - «الدعوة التامة»:دعوة التوحيد، كقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقّ﴾ (٣)، وقيل: لدعوة التوحيد تامة؛ لأن الشِّرْكَ نقصٌ، أو التامة: التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل، بل هي باقية إلى يوم النشور، أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام، وما سواها فمعرَّضٌ للفساد، وقال ابن التين: وصفت لأن فيها أتم القول: «لا إله إلا الله»، وقال الطيبي: من أوله [أي الأذان] إلى قوله: «محمد رسول الله» هي الدعوة التامة (٤)، وقيل: الدعوة التامة: هي
_________________
(١) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥، والروض المربع، ١/ ٤٥٧، وحاشية ابن قاسم على الروض المربع، ١/ ٤٥٧.
(٢) شرح النووي على صحيح مسلم، ٤/ ٣٢٩.
(٣) سورة الرعد، الآية: ١٤.
(٤) انظر: فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥.
[ ٤٨ ]
الأذان، والتامة: أي الكاملة السالمة من كل نقص يتطرق إليها؛ لكمالها وعظم موقعها؛ لاشتمالها على تعظيم الله وتوحيده، والشهادة بالرسالة والدعوة إلى الخير (١).
١٠ - «الصلاة القائمة»: الحيعلة: هي الصلاة القائمة في قوله: ﴿يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء، وبالقائمة: الدائمة، مِنْ قام على الشيء إذا داوم عليه، وعلى هذا فقوله: «والصلاة القائمة»: بيان للدعوة التامة، ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة: الصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ، وهو أظهر (٢). وقيل: الصلاة القائمة: التي ستقوم وتُفْعَل بصفاتها (٣).
١١ - الفضيلة: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى، أو تفسيرًا للوسيلة (٤).
وأما ما يقوله بعض الناس: «والدرجة الرفيعة» فيما
_________________
(١) انظر: الروض المربع، ١/ ٤٥٧، والشرح الممتع، لابن عثيمين، ٢/ ٧٩.
(٢) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥.
(٣) الروض المربع، ١/ ٤٥٧.
(٤) نقله ابن قاسم في حاشيته على الروض المربع، ١/ ٤٥٨.
[ ٤٩ ]
يقال بعد ذكر الفضيلة فقال السخاوي: «وأما الدرجة الرفيعة فيما يقال بعد الأذان، فلم أره في شيء من الروايات» (١).
١٢ - مقامًا محمودًا: أي يُحمد القائم فيه، أي: ابعثه يوم القيامة فأقمه مقامًا محمودًا، ونكّره للتعظيم، مقامًا محمودًا بكل لسان، وقوله: «الذي وعدته» [زاد في رواية البيهقي: «إنك لا تخلف الميعاد»، والمراد بذلك قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ (٢) وأطلق عليه الوعد؛ لأن عسى من الله واقع كما صح عن ابن عيينة وغيره (٣).
ومقامًا محمودًا: هي الشفاعة العظمى في موقف القيامة؛ لأنه يحمَدُهُ فيه الأولون والآخرون، ثم يدعو،
_________________
(١) المصدر السابق، ١/ ٤٥٨.
(٢) سورة الإسراء، الآية: ٧٩.
(٣) فتح الباري، لابن حجر، ٢/ ٩٥.
[ ٥٠ ]
لتعجيل الحساب والراحة من طول الموقف في المحشر، وهذه الشفاعة خاصة به - ﷺ - (١).
١٣ - قال الحافظ ابن حجر ﵀: «الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها، وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة، وذلك يحصل من المؤذن، فعوِّض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة، ولقائلٍ أن يقول: يحصل للمجيب الثواب لامتثاله الأمر، ويمكن أن يزداد استيقاظًا وإسراعًا إلى القيام إلى الصلاة، إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن، ومن نفسه» (٢).