قد تظاهرت الأخبارُ الصحيحةُ عن رسول الله ﷺ أنه كان يُكَبِّر للركوع وهو سنّة، ولو تركه كان مكروهًا كراهة تنزيه، ولا تبطلُ صلاتُه ولا يسجدُ للسهو، وكذلك جميع
[ ٥١ ]
التكبيرات التي في الصلاة هذا حكمها، إلا تكبيرة الإِحرام، فإنها ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها، وقد قدّمنا عَدَّ تكبيرات الصلاة في أوّل أبواب الدخول في الصلاة.
وعن الإِمام أحمد رواية: أن جميع هذه التكبيرات واجبة.
وهل يستحبّ مدُّ هذا التكبير؟ فيه قولان للشافعي ﵀، أصحُّهما وهو الجديد: يستحبّ مدّه إلى أن يصل إلى حدّ الراكعين، فيشتغل بتسبيح الركوع لئلا يخلو جزء من صلاته عن ذكر، بخلاف تكبيرة الإِحرام، فإن الصحيح استحباب ترك المدّ فيها لأنه يحتاج إلى بسط النيّة عليها، فإذا مدّها شقّ عليه، وإذا اختصرها سهل عليه، وهكذا حكم باقي التكبيرات، وقد تقدم إيضاحُ هذا في " باب تكبيرة الإِحرام "، والله أعلم.
فصل:
فإذا وصل إلى حدّ الراكعين اشتغل بأذكار الركوع فيقول: " سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ، سُبْحَانَ رَبيَ العَظِيمِ ".
١٢٨ - فقد ثبت في " صحيح مسلم " من حديث حذيفة أن رسول الله ﷺ قال في ركوعه الطويل الذي كان قريبًا من قراءة (البقرة) و(النساء) و(آل عمران): " سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ " ومعناه: كرّر سبحان ربي العظيم فيه، كما جاء مبيِّنًا في " سنن أبي داود " وغيره.
١٢٩ - وجاء في كتب السنن: أنه ﷺ قال: " إذَا قالَ أحَدُكُمْ: سُبْحانَ رَبيَ العَظِيمِ
ثَلاثًا فَقَدْ تم ركوعه ".
١٣٠ - وثبت في " الصحيحين " عن عائشة ﵂، أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللهم اغفر لي ".
١٣١ - وثبت في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁: " أن النبي ﷺ كان إذا ركع يقول: " اللهمَّ لكَ رَكَعْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي، ومُخِّي وَعَظْمِي وَعَصبِي ".
وجاء في كتاب السنن: " خَشَعَ سَمْعِي وَبَصَرِي، ومُخِّي وَعَظْمِي ومَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمي لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ ".
١٣٢ - وثبت في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ أنَّ رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ " قال أهل اللغة: سبوح قدوس: بضم أولهما وبالفتح أيضًا: لغتان، أجودهما وأشهرهما وأكثرهما: الضمُّ.
[ ٥٢ ]
١٣٣ - وروينا عن عوف بن مالك ﵁ قال: " قمتُ مع رسول الله ﷺ فقام، فقرأ (سورة البقرة) لا يمرّ بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمرّ بآية عذاب إلا وقف وتعوّذ، قال: ثم ركع بقدر قيامه، يقول في ركوعه " سُبْحانَ ذِي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة "، ثم قال في سجوده مثل ذلك، هذا حديث صحيح، رواه أبو داود، والنسائي في " سننهما "، والترمذي في كتاب " الشمائل " بأسانيد صحيحة.
١٣٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: " فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ".
واعلم أن هذا الحديث الأخير هو مقصودُ الفصل، وهو تعظيم الربّ ﷾ في الركوع بأيّ لفظ كان، ولكن الأفضل أن يجمعَ بين هذه الأذكار كلها إن تمكن من ذلك بحيث لا يشقّ على غيره، ويقدم التسبيح منها، فإن أراد الاقتصارَ فيستحبُّ التسبيح، وأدنى الكمال منه ثلاث تسبيحات، ولو اقتصر على مرّة كان فاعلًا لأصل التسبيح.
ويُستحبّ إذا اقتصر على البعض أن يفعل في بعض الأوقات بعضها، وفي وقت آخر بعضًا آخر، وهكذا يفعل في الأوقات حتى يكون فاعلًا لجميعها، وكذا ينبغي أن يفعل في أذكار جميع الأبواب.
واعلم أن الذكرَ في الركوع سنّةٌ عندنا، وعند جماهير العلماء، فلو تركه عمدًا أو سهوا لا تبطلُ صلاته، ولا يأثمُ، ولا يسجد للسهو.
وذهب الإِمام أحمد بن حنبل وجماعة إلى أنه واجب، فينبغي للمصلي المحافظة عليه للأحاديث الصريحة الصحيحة في الأمر به كحديث ابن عباس ﵄: " أما الركوع فعظموا فيه الربّ "، وغيره مما سبق، وليخرج عن خلاف العلماء ﵏، والله أعلم.
فصل:
يُكره قراءة القرآن في الركوع والسجود، فإن قرأ غير الفاتحة لم تبطل صلاتُه، وكذا لو قرأ الفاتحة لا تبطل صلاته على الأصحّ، وقال بعض أصحابنا: تبطل.
١٣٥ - روينا في " صحيح مسلم " عن عليّ ﵁ قال: " نهاني رسولُ الله ﷺ أن أقرأ راكعًا أو ساجدًا ".
١٣٦ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضًا: عن ابن عباس ﵄، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " ألا وَإني نُهِيتُ أنْ أقْرأ القُرآنَ رَاكِعًا أوْ ساجِدًا ".
[ ٥٣ ]