فإذا فَرغَ من أذكار الاعتدال كبر وهو ساجدًا ومدّ التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض.
وقد قدَّمنا حكمّ هذه التكبيرة، وأنها سنّة لو تركها لم تبطلْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة.
١٤٢ - فمنها ما رويناه في " صحيح مسلم " من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي ﷺ، حين قرأ (البقرة) و(النساء) و(آل عمران) في الركعة الواحدة، لا يمرّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال: ثم سجد فقال: " سُبحان ربي الأعلى " فكان سجوده قريبًا من قيامه.
١٤٣ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن عائشة ﵂ قالت: كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: " سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ".
١٤٤ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ ما قدّمناه في الركوع: أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: " سُبُّوحٌ قُدُّوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ ".
١٤٥ - وروينا في " صحيح مسلم " أيضًا عن عليّ ﵁: أن رسول الله ﷺ كان إذا سجد قال: " اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقين ".
١٤٦ - وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدّمناه في فصل الركوع، أن رسول الله ﷺ ركعَ ركوعَه الطويل يقول فيه: " سُبْحانَ ذِي الجَبُروتِ والمَلَكُوتِ وَالكِبْرِياء والعظمة، ثم قال في سجوده مثل ذلك ".
[ ٥٥ ]
١٤٧ - وروينا في كتب السنن، أن النبيَّ ﷺ قال: " وَإذا سَجَدَ - أي أحدكم.
فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبيَ الأعْلى ثلاثًا " وذلك أدْناهُ ".
١٤٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عائشة ﵂ قالت: افتقدت النبيّ ﷺ ذاتَ ليلة فتحسست، فإذا هو راكع أو ساجد يقول: " سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ ".
وفي رواية في مسلم: " فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد (١)، وهما منصوبتان وهو يقول: " اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ ".
١٤٩ - وروينا في " صحيح مسلم " عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: " فأمَّا الرُّكُوعُ، فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمَّا السجود، فاجتهدوا فيه بالدعاء فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُم ".
يُقال: قمن بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة: قمين، ومعناه: حقيق وجدير.
١٥٠ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " أقْرَبُ ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكْثِرُوا الدُّعاء ".
١٥١ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة أيضًا، أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ دِقَّهُ وَجِلَّهُ، وأوّلَهُ وآخِرَهُ، وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّه " دِقه وجِلّه: بكسر أولهما، ومعناه: قليله وكثيره.
واعلم أنه يُستحبّ أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، فإن لم يتمكن منه في وقت أتى به أوقات، كما قدّمناه في الأبواب السابقة، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويُقدِّمُ التسبيحَ، وحكمه ما ذكرناهُ في أذكار الركوع من كراهة قراءة
القرآن فيه، وباقي الفروع.
فصل:
اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيُّهما أفضل؟ فمذهب الشافعي ومن وافقه: القيام أفضل.
١٥٢ - لقول النبيّ ﷺ في الحديث في " صحيح مسلم ": " أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القنوت " ومعناه: القيام، ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر السجود هو التسبيح، والقرآن
_________________
(١) بفتح الجيم أي: وهو في السجود، فهو مصدر ميمي، أو في الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرته، وفي بعض النسخ: في المسجد بكسر الجيم. (*)
[ ٥٦ ]
أفضل، فكان ما طوّلَ به أفضل.
وذهب بعض العلماء إلى أن السجود أفضل، لقوله ﷺ في الحديث المتقدّم: " أقْرَبُ ما يَكُونَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وهو ساجد ".
قال الإِمام أبو عيسى الترمذي في كتابه: اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طولُ القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود.
وقال بعضهم: كثرةُ الركوع والسجود أفضلُ من طول القيام.
وقال أحمد بن حنبل رحمة الله: روي فيه حديثان عن النبي ﷺ، ولم يقضِ فيه أحمد بشئ.
وقال إسحاق: أما بالنهار، فكثرةُ الركوع والسجود، وأما بالليل، فطولُ القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحبُّ إليّ لأنه يأتي على حزبه، وقد ربح كثرة الركوع والسجود.
قال الترمذي: وإنما قال إسحاق هذا لأنه وصفَ صلاة النبيّ ﷺ بالليل، ووصفَ طول القيام، وأما بالنهار، فلم يُوصف من صلاته ﷺ من طول القيام ما وُصف بالليل.
فصل:
إذا سجد للتلاوة، استُحبّ أن يقول في سجوده ما ذكرناهُ في سجود الصلاة، ويستحبّ أن يقول معه: ١٥٣ - " اللَّهُمَّ اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وأعْظِمْ لي بِهَا أجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْرًا،
وَتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ دَاوُدَ ﵇ ".
ويُستَحبّ أن يقول أيضًا: " سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا " نصَّ الشافعي على هذا الأخير.
١٥٤ - روينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: " سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ " قال الترمذي: حديث صحيح، زاد الحاكم: " فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ " قال: وهذه الزيادة صحيحة على شرط " الصحيحين ".
وأما قوله: " اللَّهمّ اجعلها لي ذخرًا الخ " فرواه الترمذي مرفوعًا من رواية ابن عباس ﵄ بإسناد حسن.
وقال الحاكم: حديث صحيح.