أجمع العلماءُ على استحباب الذكر بعد الصلاة، وجاءت فيه أحاديث كثيرة صحيحة في أنواع منه متعدّدة، فنذكرُ طرفا من أهمها.
١٨٠ - روينا في كتاب الترمذي، عن أبي أمامة ﵁ قال: قيل لرسول الله ﷺ: أيّ الدعاء أسمع؟ قال: " جَوْفُ اللَّيْلِ الآخِر، وَدُبُرُ الصَّلَوَاتِ المَكْتوبات ".
قال الترمذي: حديث حسن.
١٨١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن عباس ﵄ قال:
" كنتُ أعرفُ انقضاء صلاة رسول الله ﷺ بالتكبير ".
وفي رواية مسلم: " كنّا " وفي رواية في " صحيحيهما ".
١٨٢ - عن ابن عباس ﵄: " أن رفعَ الصوت بالذكر حين ينصرفُ
_________________
(١) أي لا خطاب فيه لآدمي، ولا يرد أن ما قبله أيضا دعاه لوجود الخطاب فيه. (*)
[ ٧٠ ]
النَّاسُ من المكتوبة كانَ على عهدِ رسول الله ﷺ (١) "، وقال ابن عباس: " كنتُ أعلمُ إذا انصرفوا بذلك إذا سمعتُه ".
١٨٣ - وروينا في " صحيح مسلم "، عن ثوبان ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا وقال: " اللَّهُمَّ أنْتَ السَّلامُ وَمِنْكَ السَّلامُ، تَبارَكْتَ يا ذَا الجَلالِ وَالإِكْرامِ ".
قيل للأوزاعي (٢) وهو أحد رواة الحديث: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: اسْتَغْفِرُ اللَّهَ، أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
١٨٤ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن المغيرة بن شعبة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان إذا فَرَغ من الصلاة وسلّم قال: " لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لا مانِعَ لِمَا أعْطَيْتَ، وَلاَ معطي لما مَنَعْتَ، وَلا يَنْفَعُ ذا الجد مِنْكَ الجَدُّ ".
١٨٥ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عبد الله بن الزبير ﵄، أنه كان يقول دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ حين يسلم: " لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، لا حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ باللَّهِ، لا إِلهَ إِلاَّ الله وَلاَ نَعْبُدُ إِلاَّ إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ ولَهُ الفَضْلُ، وَلَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إلهَ إِلاَّ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ ".
قال ابن الزبير: وكان رسول الله ﷺ يهلّل بهنّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ.
١٨٦ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁، أن فقراء المهاجرين أتوْا رسولَ الله ﷺ.
فقالوا: ذهبَ أهل الدُّثُور بالدرجات العُلى والنعيم المقيم، يُصَلُّون كما نُصلِّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجّون بها
_________________
(١) حمل الإمام الشافعي وغيره جهره ﷺ بالأذكار والدعاء عقب الصلاة على أنه كان اأجل تعليم المأمومين، فمن ثم قال: ويجهر لتعليمهم، فأذا تعلمو أسر، واستدل البيهقي وغيره على الإسرار بخبر الصحيحين أنه ﷺ أمرهم بترك ما كانوا عليه من رفع الصوت بالتبكير والتهليل، وقال: " إنكم لا تَدْعُونَ أصَمَّ ولا غائبا، إنما تدعون سميعا قريبا " ويسن كذلك الإسرار في سائر الأذكار، وقد ورد الجهر في بعضها كالقنوت للإمام، والتلبية، والتكبير في العيدين والذكر الوارد في السوق، وعند صعود الهضبات والنزول من الشرفات.
(٢) هو أبو عمر وعبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي أمام الديار الشامية في الفقه والزهد، ولد في بعلبك ونشاء في البقاع، وسكن بيروت وتوفي بها ﵀ سنة ١٥٧ هـ. (*)
[ ٧١ ]
ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون، فقال: " ألا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُِمْ، وَلاَ يَكُونُ أحَدٌ أفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَع مِثْلَ ما صَنَعْتُمْ؟ قالوا: بلى يارسول الله قال: تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثينَ ".
قال أبو صالح الراوي عن أبي هريرة: لما سئل عن كيفية ذكره؟ يقول: سبحان اللَّه، والحمدُ للَّه، واللَّه أكبر، حتى يكون منهنّ كلُّهن ثلاث وثلاثون.
الدثور: جمع دَثْر بفتح الدال وإسكان الثاء المثلثة: وهو المال الكثير.
١٨٧ - وروينا في " صحيح مسلم "، عن كعب بن عُجْرَة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: " مُعَقِّباتٌ لاَ يَخِيبُ قائِلُهُنَّ أوْ فاعِلُهُنَّ دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، ثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً، وَثَلاثًا وَثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً، وأرْبعًا وَثَلاثِينَ تَكْبِيرةً ".
١٨٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ
قال: " مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، وكَبَّرَ اللَّهَ ثَلاثًا وَثَلاثِينَ، وَقالَ تَمامَ المائة: لا إله إلا الله وحده لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلّ شئ قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ".
١٨٩ - وروينا في " صحيح البخاري " في أوائل " كتاب الجهاد " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أن رسول الله ﷺ كان يتعوّذ دُبُرَ الصلاة بهؤلاء الكلماتِ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبْنِ، وَأعُوذُ بِكَ أنْ أُرَدَّ إلى أَرْذَلِ العمُرِ، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فتْنَةِ الدُّنْيا وأعُوذُ بِكَ منْ عَذَابِ القَبْرِ ".
١٩٠ - وروينا في " سنن أبي داود والترمذي والنسائي " عن عبد الله بن عمرو ﵄، عن النبي ﷺ قال: " خصلتان أوْ خَلَّتانِ (١) لا يُحافِظُ عَلَيْهِمَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ إلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، هُمَا يَسِيرٌ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيلٌ، يُسَبِّحُ اللَّهُ تَعالى دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ عَشْرًا وَيَحْمَدُ عَشْرًا، ويُكَبِّر عَشْرًا، فَذَلِكَ خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان، وَيُكَبِّرُ أرْبَعًا وَثَلاثِينَ إذَا أخَذَ مَضْجَعَةُ، وَيحْمَدُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ، وَيُسَبِّحُ ثَلاثًا وَثَلاثينَ فذلك مائة باللِّسانِ، وألفٌ بالميزَانِ، قال: فلقد رأيتُ رسولَ الله ﷺ يعقدها بيده، قالوا: يارسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتِي أحَدَكُمْ - يعني الشيطان - في مَنامِهِ، فَيُنَوِّمُهُ قَبْلَ أنْ يَقُولَهُ، ويأتِيهِ في صَلاتِهِ، فَيُذَكِّرَهُ حاجَةً قَبْلَ أنْ
_________________
(١) هذا الشك في رواية أبي داود، ورواية الترمذي والنسائي: خلتان، ورواية ابن ماجه: خصلتان. (*)
[ ٧٢ ]
يَقُولَهَا "، إسناده صحيح، إلا أن فيه عطاء بن السائب، وفيه اختلاف بسبب اختلاطه (١) .
وقد أشار أيوبُ السختياني إلى صحة حديثه هذا (٢) .
١٩١ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي وغيرهم عن عقبة بن عامر ﵁، قال: " أمرني رسول الله ﷺ أن أقرأ بالمعوّذتين دُبُرَ كُلّ صَلاةٍ ".
وفي رواية أبي داود: " بالمعوّذات "، فينبغي أن يقرأ: " قل هو الله أحد، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ بربّ الناس ".
١٩٢ - وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، والنسائي، عن معاذ ﵁، أن رسولَ اللَّه ﷺ أخذ بيده وقال: " يا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنّي لأُحِبُّكَ " ثم قال: " أُوصِيكَ يا مُعاذُ لا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلّ صَلاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أعِنِّي على ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ ".
١٩٣ - وروينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قَضى صلاتَه مسحَ جبهتَه بيده اليمنى، ثم قال: " أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنِّي الهَمَّ والحزنَ " (٣) .
١٩٤ - وروينا فيه عن أبي أُمامة ﵁ قال: ما دنوتُ من رسول الله ﷺ في دُبُر مكتوبة ولا تطوُّع إلا سمعتُه يقولُ: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذُنُوبي وَخَطايايَ كُلَّها، اللَّهُمَّ انْعِشْنِي واجْبُرْنِي، وَاهْدِنِي لِصَالِح الأعْمالِ وَالأخْلاقِ، إنَّهُ لاَ يَهْدِي لِصَالِحها وَلاَ يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ ".
١٩٥ - وروينا فيه عن أبي سعيد الخدري ﵁، أن النبي ﷺ كان إذا فَرَغ من صلاته، لا أدري قبل أن يسلِّم أو بعد أن يسلِّم يقول: " سُبْحانَ ربِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ على المُرْسَلِينَ، وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالمين " (٤) .
_________________
(١) قال ابن علاّن في شرح الأذكار: قال الحافظ - يعني في تخريج الأذكار -: وقول الشيخ - يعني النووي - إلا أن فيه عطاء بن السائب الخ لا أثر له، فإن شعبة والنووي وحماد بن زيد سمعوا من عطاء قبل الاختلاط، وقد اتفقوا على أن الثقة إذا تميز ما حدث قبل اختلاطه مما بعده قبل، وهذا من ذلك، ويؤيده قوله: وأشار أيوب الخ.
(٢) قال الحافظ: في كون هذا حكما بصحة الحديث من أيوب نظر، لأن الظاهر أنه قصد علو الإسناد لهم، قال الحافظ: ووالد عطاء الذي تفرد بهذا الحديث لم يخرج له الشيخان، لكنه ثقة، ولحدثه شاهد قوي بسند قوي، فلذلك صححت الحديث.
(٣) وإسناده ضعيف.
(٤) وإسناده ضعيف. (*)
[ ٧٣ ]
١٩٦ - وروينا فيه عن أنس ﵁، قال: كان النبي ﷺ يقول إذا انصرف من الصلاة: " اللَّهُمَّ اجْعَلْ خَيْرَ عُمُرِي آخِرَهُ، وَخَيْرَ عَمَلِي خَواتِمَهُ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَيَّامي يَوْمَ ألْقاكَ " (١) .
١٩٧ - وروينا فيه عن أبي بكرة ﵁، أن رسول الله ﷺ كان يقول في دُبر الصلاة: " اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ وَالفَقْرِ وَعَذَابِ القَبْرِ " (٢) .
١٩٨ - وروينا فيه بإسناد ضعيف، عن فضالة بن عبيد الله قال: قال رسول الله ﷺ: " إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِتَحْمِيدِ اللَّهِ تَعالى وَالثَّناء عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبيّ ﷺ، ثم يدعو بما شاء " (٣) .