اعلم أن الصلاة إن كانت ركعتين فحسب، كالصبح والنوافل، فليس فيها إلا تشهّدٌ واحد، وإن كانت ثلاث ركعات أو أربعًا، ففيها تشهّدان: أوّل، وثان.
ويتصوّر في حقّ المسبوق ثلاثة تشهّدات، ويتصور في حقه في صلاة المغرب أربعة تشهّدات، مثل أن يُدركَ الإِمام بعد الركوع في الثانية، فيتابعه في التشهّد الأوّل والثاني، ولم يحصل له من
الصلاة إلا ركعة، فإذا سلَّم الإِمام قام المسبوق ليأتي بالركعتين الباقيتين عليه، فيصلي ركعة، ويتشهّد عقبها لأنها ثانيته، ثم يصلِّي الثالثة ويتشهد عقيبها.
أما إذا صلَّى نافلة فنوى أكثر من أربع ركعات ولو نوى مائة ركعة، فالاختيار أن يقتصر فيها على تشهّدين، فيصلِّي ما نواه إلا ركعتين ويتشهد، ثم يأتي بالركعتين، ويتشهد التشهد الثاني ويسلِّم.
قال بعض من أصحابنا: لا يجوز أن يزيد على تشهدين، ولا يجوز أن يكون بين التشهد الأوّل والثاني أكثر من ركعتين، ويجوز أن يكون بينهما ركعة واحدة، فإن زاد على تشهدين، أو كان بينهما أكثر من ركعتين، بطلت صلاته.
وقال آخرون: يجوز أن يتشهد في كل ركعة، والأصحّ جوازه في كل ركعتين، لا في كل ركعة، والله أعلم.
واعلم أن التشهد الأخير واجب عند الشافعي وأحمد وأكثر العلماء، وسنّة عند أبي حنيفة ومالك.
وأما التشهد الأوّل فسنّة عند الشافعي ومالك وأبي حنيفة والأكثرين، وواجب عند أحمد، فلو تركه عند الشافعي صحَّت صلاته، ولكن يسجد للسهو سواء تركه عمدًا أو سهوًا، والله أعلم.
[ ٦٢ ]
فصل:
وأما لفظ التشهد، فثبت فيه عن النبي ﷺ ثلاث تشهدات (١) .
١٦٤ - أحدها: رواية ابن مسعود ﵁، عن رسول الله ﷺ: " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد چلله الصالحين، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رواه البخاري ومسلم في " صحيحيهما ".
الثاني: رواية ابن عباس ﵄ عن رسول الله ﷺ: " التَّحِيَّاتُ المُبارَكاتُ، الصَّلَواتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه، وأن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ "، رواه مسلم في " صحيحه ".
الثالث: رواية أبي موسى الأشعري ﵁، عن رسول الله ﷺ: " التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأنَّ محَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ "، رواه مسلم في " صحيحه ".
١٦٥ - وروينا في سنن البيهقي بإسناد جيد (٢) عن القاسم قال: علمتني عائشةُ ﵂ قالت: هذا تشهُّدُ رسول الله ﷺ: " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه "، وفي هذا فائدة حسنة، وهي أن تشهُّدَه ﷺ بلفظ تشهُّدُّنا.
١٦٦ - وروينا في موطأ مالك، وسنن البيهقي، وغيرهما بالأسانيد الصحيحة، عن عبد الرحمن بن عمر القاريِّ - وهو بتشديد الياء - أنه سمع عمر بن الخطاب ﵁
_________________
(١) مراد المصنف رحمة الله الثابتة في الصحيحين أو أحدهما، وإلا فهناك روايات أخرى في غيرهما ثابتة أيضا.
(٢) قال الحافظ في تخريج الأذكار: في سنده محمد بن صالح بن دينار، وهو مختلف فيه، فوثّقه أحمد وأبو داود وغيرهما، وقال أبو حاتم الرازي: ليس بقوي، وكذلك لينه الدارقطني، وأما ابنه صالح، فلم أجد له ذكرًا بجرح ولا تعديل ولا ترجمة في كتب الرحال وابن أبي حاتم وابن حبان وابن عدي، وهو في درجة المستور، فلم أعراف مستند الشيخ - يعني النووي - في وصف هذا الإِسناد بالجودة، وقد قال البهيقي بعد تخريجه: الصحيح عن عائشة موقوفًا فأشار إلى شذوذ الزيادة، والعلم عند الله. (*)
[ ٦٣ ]
وهو على المنبر وهو يعلِّم الناس التشهد يقول: قولوا: " التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ ".
١٦٧ - وروينا في الموطأ، وسنن البيهقي، وغيرهما أيضًا بإسناد صحيح، عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول إذا تشهَّدتْ: " التَّحِيَّاتُ الطَّيِّباتُ الصَّلَوَاتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ".
وفي رواية عنها في هذه الكتب: " التَّحِيَّاتُ الصَّلَوَاتُ الطَيِّباتُ الزَّاكِياتُ لِلَّهِ، أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريك له، وأن محمدا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّلامُ عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ ".
١٦٨ - وروينا في الموطأ، وسنن البيهقي أيضًا بالإِسناد الصحيح، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، أنه كان يتشهد فيقول: " بسم اللَّهِ، التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ، الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، الزَّاكِيات لِلَّهِ، السَّلامُ على النَّبِيّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعلى عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، شَهِدْتُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّهُ، شَهِدْتُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ " والله أعلم.
فهذه أنواع من التشهد.
قال البيهقي: والثابت عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث (٢): حديث ابن مسعود، وابن عباس، وأبي موسى، هذا كلام البيهقي.
وقال غيره: الثلاثة صحيحة (٣) وأصحّها حديث ابن مسعود (٤) .
واعلم أنه يجوز التشهّد بأيّ تشهّد شاء من هذه المذكورات، هكذا نصّ عليه إمامنا الشافعي (٥) وغيره من العلماء ﵃.
وأفضلُها عند الشافعي: حديث ابن عباس
_________________
(١) وهذا وإن كان موقوفا فهو حكم المرفوع، لأن ذلك مما لا يقال بالرأي.
(٢) أي: مما في الصحيحين أو أحدهما، وإلا فقد ثبت غيرها كما تقدم.
(٣) قال الحافظ: كونها صحيحة لا نزاع فيه لأنها في الصحيحين، اتفقا على حديث ابن مسعود، وانفرد مسلم بحديثي ابن عباس وأبي موسى.
(٤) لأن البخاري ومسلم اتفقا عليه، وما اتفقا عليه أصح مما أنفرد به أحدهما.
(٥) قال الحافظ: لم يخص الشافعي ذلك بالثلاث المذكورات بل ذكر معها عن ابن عمر وجابر وعن عمر وعائشة الله عنهم. (*)
[ ٦٤ ]
للزيادة التي فيه من لفظ المباركات.
قال الشافعي وغيره من العلماء ﵏: ولكون الأمر فيها على السعة والتخيير اختلفت ألفاظ الرواة، والله أعلم.
فصل]:
الاختيار أن يأتي بتشهد من الثلاثة، الأُول بكماله، فلو حذفَ بعضَه فهل يجزيه؟ فيه تفصيل.
فاعلم أن لفظ المباركات، والصلوات، والطيبات والزاكيات، سنّة ليس بشرط في التشهّد، فلو حذفها كلَّها واقتصر على قوله: التحيات للَّه السلام عليك أيُّها النبيّ إلى آخره، أجزأه.
وهذا لا خلاف فيه عندنا.
وأما في الألفاظ من قوله: السلام عليك أيُّها النبيُّ إلى آخره، فواجب لا يجوز حذف شئ منه إلا لفظ " ورحمة الله وبركاته "، ففيهما ثلاثة أوجه لأصحابنا، أصحها: لا يجوز حذف واحدة منهما، وهذا هو الذي يقتضيه الدليل لاتفاق الأحاديث عليهما.
والثاني: يجوز حذفهما.
والثالث يجوز حذف " وبركاته " (١) دون " رحمة الله ".
وقال أبو العباس بن سُريْج من أصحابنا: يجوز أن يقتصر على قوله: التحيات للَّه، سلام عليك أيّها النبيّ، سلام على عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وأنَّ محمدًا رسول الله.
وأما لفظ السلام، فأكثر الروايات، السلام عليك أيُّها النبيّ، وكذا " السلام علينا " بالألف واللام فيهما.
وفي بعض الروايات: " سلام " بحذفهما فيهما.
قال بعض أصحابنا: كلاهما جائز، ولكن الأفضل: " السلام " بالألف واللام لكونه الأكثر، ولما فيه من الزيادة والاحتياط.
١٦٩ - أما التسمية قبل التحيات، فقد روينا حديثًا مرفوعًا في " سنن النسائي " والبيهقي وغيرهما بإثباتها، وتقدم إثباتها في تشهّد ابن عمر، لكن قال البخاري والنسائي
وغيرهما من أئمة الحديث: إن زيادة التسمية غير صحيحة عن رسول الله ﷺ، فلهذا قال جمهور أصحابنا: لا تستحب التسمية، وقال بعض أصحابنا: تستحب، والمختار أنه لا يأتي بها، لأن جمهور الصحابة الذين رووا التشهّد لم يرووها.
_________________
(١) أي: لإغناء السلام عنه ولأنها حذفت في بعض الروايات كما ذكر. (*)
[ ٦٥ ]
فصل]:
اعلم أن الترتيب في التشهد مستحبٌّ ليس بواجب، فلو قدم بعضه على بعض جاز على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الجمهور، ونصَّ عليه الشافعي ﵀ في " الأم ".
وقيل: لا يجوز كألفاظ الفاتحة، ويدلّ للجواز تقديم " السلام " على لفظ الشهادة في بعض الروايات، وتأخيره في بعضها كما قدّمناه.
وأما الفاتحة، فألفاظها وترتيبها معجز، فلا يجوز تغييره، ولا يجوز التشهّد بالعجمية لمن قدر على العربية، ومن لم يقدر، يتشهد بلسانه ويتعلم كما ذكرنا في تكبيرة الإِحرام.
فصل]:
السنّة في التشهد الإِسرار لإِجماع المسلمين على ذلك، ويدلُّ عليه من الحديث:
١٧٠ - ما رويناه في سنن أبي داود والترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: " من السنّة أن يخفي التشهد ".
قال الترمذي: حديث حسن.
وقال الحاكم: صحيح.
وإذا قال الصحابي: من السنّة كذا (٤) كان بمعنى قوله: قال رسول الله ﷺ، هذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه جمهورُ العلماء من الفقهاء والمحدّثين، وأصحاب الأصول والمتكلمين ﵏، فلو جهر به كره، ولم تبطل صلاته، ولا يسجد للسهو.