اعلم أن السلام للتحلّل من الصلاة ركنٌ من أركان وفرضٌ من فروضها لا تصحُّ إلا به، هذا مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وجماهيرِ السلف والخلف، والأحاديثُ الصحيحةُ المشهورة مُصرّحة بذلك.
١٧٨ - واعلم أن الأكمل في السلام أن يقول عن يمينه: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " وَعَنْ يَسارِهِ: " السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " ولا يُستحبّ أن يقول معه - أن مع السلام عن التحلّل من الصلاة - وبركاته، لأنه خلاف المشهور عن رسوله الله ﷺ، وإن كان قد جاء في رواية لأبي داود، وقد قال به جماعة من أصحابنا منهم إمام الحرمين، وزاهر السرخسي، والرويّاني في " الجلية " ولكنه شاذ، والمشهور ما قدمناه (١) .
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الحافظ ابن حجر: قد وردت عدة طرق ثبت فها " وبركاته " بخلاف ما يوهمه كلام الشيخ - يعني النووي - أنها رواية فردة، قال الأذرعي في " المتوسط ": المختار استحبابها في التسليمتين، فقد فال في " شرح المهذب ": إن حديث أبي داود إسناد صحيح ثبت ذلك أيضا من حديث ابن مسعود، رواه ابن ماجه في سننه، وابن حبّان في صحيحه، قال: والعجب من الشيخ - يعني النووي - مع شدة ورع عه كيف يصوب تركه، مع ثبوت السنة، وحكمة بصحة إسناد الحديث الأول، وزيادة الثقة مقبولة عند الفقهاء، وقد استحسنها أيضا الدارمي، في " الاستذكار " وغره من المقدمين من أصحابنا، ويؤيده إثباتها في التشهد وفاقا إلخ.
وسواء كان المصلّي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا في جماعة، قليلة أو كثيرة في فريضة أو نافلة، ففي كل ذلك يُسلِّم تسليمتين كما ذكرنا، ويلتفتُ بهما إلى الجانبين،
_________________
(١) وقد استحب هذه الزيادة طائفة من العلماء، منهم من ذكرهم المصنف رحمة الله، وقد ثبت أن رسول الله ﷺ كان يزيدها أحيانا في التسليمة الأولى. (*)
[ ٦٩ ]
والواجب تسليمة واحدة، وأما الثانية، فسنّة لو تركها لم يضرّه، ثم الواجب من لفظ
السلام أن يقول: السلام عليكم، ولو قال: سلام عليكم، لم يجزئه على الأصح: ولو قال: عليكم السَّلام، أجزأه على الأصح، فلو قال: السلام عليكَ، أو سلامي عليكَ، أو سلام عليكم، أو سلام الله عليكم، أو سلامُ عليكم بغير تنوين، أو قال: السلام عليهم، لم يجزئه شئ من هذا بلا خلاف، وتبطل صلاته إن قاله عامدًا عالمًا في كل ذلك، إلا في قوله: السلام عليهم، فإنه لا تبطل صلاته به لأنه دعاء (١)، وإن كان ساهيًا لم تبطل، ولا يحصلُ التحلّل من الصلاة بل يحتاج إلى استئناف سلام صحيح، ولو اقتصر الإِمام على تسليمة واحدة، أتى المأموم بالتسليمتين.
قال القاضي أبو الطيب الطبري من أصحابنا وغيره: إذا سلَّم الإِمام فالمأموم بالخيار، إن شاء سلَّم في الحال، وإن شاء استدام الجلوس للدعاء وأطال ما شاء، والله أعلم.