يُستحبّ أن يقول في أوّله: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحيمِ " وإن قالَ " بِسْمِ اللَّهِ " كفى.
قال أصحابنا: فإن ترك التسمية في أوّل الوضوء أتى بها في أثنائه، فإن تركها حتى فرغ فقد فات محلها فلا يأتي بها ووضوءه صحيح، سواء تركها عمدًا أو سهوًا، هذا مذهبنا
ومذهب جماهير العلماء، وجاء في التسمية أحاديث ضعيفة، ثبت عن أحمد بن حنبل ﵀ أنه قال: لا أعلم في التسمية في الوضوء حديثًا ثابتًا.
٧٣ - فمن الأحاديث حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ: " لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ الله عَلَيْهِ " رواه أبو داود وغيره.
وروينا من رواية سعيد بن زيد وأبي سعيد وعائشة وأنس بن مالك وسهل بن سعد ﵃، رويناها كلها في " سنن البيهقي "، وغيره، وضعّفها كلها البيهقي وغيره (١) .
فصل:
قال المصنف ﵀: قال بعض أصحابنا، وهو الشيخ أبو الفتح نصر المقدسي الزاهد: يستحب للمتوضئ أن يقولَ في ابتداء وضوئه بعد التسمية: أشهدُ أن لا
_________________
(١) قال الحافظ المنذري في " الترغيب والترهيب ": ولا شك أن الأحاديث التي وردت في التسمية وإن كان لا يسلم شئ منها عن مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة، والله أعلم. اه. وكذلك قال العز بن جماعة: أن له طرقًا تقويه. وذهب الجمهور العلماء إلى أنها سنة. قال الحافظ المنذري: وقد ذهب = (*)
[ ٢٧ ]
إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه.
وهذا الذي قاله لا بأس به، إلا أَنَّهُ لا أصل له من جهة السنة، ولا نعلم أحدًا من أصحابنا وغيرهم قال به، والله أعلم.
قال السيوطي في " تحفة الأبرار بنكت الأذكار ": قال الزركشي: قال ته شيخنا سليم الرازي، وقتلهما الصيمري، وقال الحافظ ابن حجر في أماليه: أخرج جعفر المستغفري - قال الحافظ: في كتاب الدعوات - من طريق سالم بن أبي الجعد عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ: " مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ إدا تو ضا: بسم الله، ثم يقول لكل عضو: أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدا عبدُهُ ورسوله، ثم قال إذَا فرغمن وضوئه: اللهم اجعلني من التوابين والمطهرين إلا فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيها شاء " هذا حدث غريب، وفيه تعقب على المنصف في قوله أن التشهد بعد التسمية لم يرد.
فصل:
ويقول: بعد الفراغ من الوضوء: " أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَوَّابِينَ، واجْعَلْني مِنَ المُتَطَهِّرِينَ،
سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، أشْهَدُ أنْ لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ ".
٧٤ - روينا عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " مَنْ تَوَضَّأ فَقالَ: أشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ أبْوَابُ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أيِّها شاءَ " رواه مسلم في " صحيحه "، ورواه الترمذي وزاد فيه " اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِن التَّوَّابِينَ واجْعَلْنِي مِنَ المُتَطَهِّرِينَ ".
وروى: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِك " إلى آخره: النسائي في " اليوم والليلة " وغيرُه بإسناد ضعيف (١) .
٧٥ - وروينا في " سنن الدارقطني " عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: " مَنْ تَوَضَّأ ثُم قال: أشْهَدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَبْلَ أنْ يَتَكَلَّم، غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَ الوُضُوءَيْن " إسناده ضعيف.
٧٦ - وروينا في مسند أحمد بن حنبل وسنن ابن ماجه وكتاب ابن السني من رواية أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " مَنْ تَوَضَّأ فأحْسَنَ الوُضُوءَ ثُمَّ قَالَ ثَلاَثَ مرات:
_________________
(١) = الحسن، وإسحاق بن راهويه، وأهل الظاهر إلى وجوب التسمية في الوضوء، حتى إنه إذا تعمد تركها أعاد الوضوء، وهو رواية عن الإمام أحمد.
(٢) ظاهر كلام المصنف يوهم أن زياده " سبحانك اللهم " في حديث عقبه عن عمر، كما في الذي قبله، وليس كذلك، بل هو حديث مستقل، عن أبي سعيد الخدري، وسنده مغاير لسند عقبة في جميع رواته. اه. أقول: وقد اختُلِفَ في رفع المتن ووقفه، فرجح غيره الرفع، وهو موقوف صحيح لا مجال للرأي فيه فله حكم الرفع. (*)
[ ٢٨ ]
أشهدُ أنْ لا إِلهَ إِلاَّ اللَّه وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ وَرَسولُهُ فُتِحَتْ لَهُ ثَمانِيَةُ أبْوَابِ الجَنَّةِ مِنْ أيّها شاءَ دَخَلَ " إسناده ضعيف (١) .
٧٧ - وروينا تكريرَ شهادة: أن لا إله إلاَّ الله، ثلاث مرات في كتاب ابن السني من
رواية عثمان بن عفان ﵁ بإسناد ضعيف، قال الشيخ نصر المقدسي: ويقول مع هذه الأذكار: اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ، ويضمّ إليه: وسلم.
قال أصحابنا: ويقول هذه الأذكار مستقبل القبلة، ويكون عقيب الفراغ.
فصل]:
وأما الدعاء على أعضاء الوضوء، فلم يجئ فيه شئ عن النبي ﷺ وقد قال الفقهاء: يُستحبّ فيه دعوات جاءتْ عن السلف، وزادوا ونقصوا فيها، فالمتحصّل مما قالوه أنه يقول بعد التسمية: الحمد للَّهِ الذي جعل الماء طهورًا، ويقول عند المضمضة: اللهم اسقِني من حوْضِ نبيِّك مُحَمَّدٌ ﷺ كأسًا لا أظمأ بعده أبدًا، ويقول عند الاستنشاق: اللهمّ لا تحرِمني رائحة نعيمِك وجناتِك، ويقول عند غسل الوجه: اللهمّ بيِّض وجهي يوم تبيضّ وجوهٌ وتسودّ وجوه، ويقول عند غسل اليدين: اللهمّ أعطِني كتابي بيميني، اللهمّ لا تعطِني كتابي بشمالي، ويقول عند مسح الرأس: اللهمّ حرّم شعري وبشرِي على النار، وأظلّني تحت عرشِك يوم لا ظلّ إلا ظلُّك، ويقول عند مسح الأُذنين: اللهمّ اجعلني من الَّذينَ يستمعونَ القَوْلَ فيتَّبعون أحسنه، ويقول عند غسل الرجلين: اللهمّ ثبِّت قدميَّ على الصراط، والله أعلم.
٧٨ - وقد روى النسائي وصاحبه ابن السني في كتابيهما " عمل اليوم والليلة " بإسناد صحيح عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: أتيتُ رسول الله ﷺ بوضوء، فتوضأ، فسمعته يدعو ويقول: " اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي، وَوَسِّعِ لي فِي داري، وَبارِكْ لي في رِزْقِي " فقلتُ: يا نبيّ الله سمعتك تدعو بكذا وكذا، قال: " وَهَلْ تركن من شئ؟ " ترجم ابن السني لهذا الحديث باب ما يقول بين ظهراني وضوئه وأما النسائي فأدخله في باب: ما يقول بعد فراغه من وضوئه، وكلاهما محتمل.