اعلم أنه قد جاءت فيه (١) أحاديث كثيرة يقتضي مجموعها أن يقول:
١١٤ - " اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، وَالحَمْدُ لِلَّه كَثِيرًا، وسبحان الله بُكْرَةً وَأصِيلًا ".
١١٥ - " وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما أنا من المُشْرِكِينَ، إنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ، وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ (٢)، اللَّهُمَّ أنْتَ المَلكُ، لا إلهَ إِلاَّ أنْتَ أَنْتَ رَبِّي وأنا عَبْدُكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي واعْتَرَفْتُ بِذَنْبِي فاغْفِرْ لي ذُنُوبِي جميعا لاَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أنْتَ، وَاهْدِني لأحْسَنِ الأخْلاقِ، لا يَهْدِي لأحْسَنها إلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنِّي سَيِّئَها، لا يَصْرِفُ سَيِّئَها إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، أنا بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبارَكْتَ وَتعالَيْتَ، أسْتَغْفِرُكَ وأتُوبُ إِلَيْكَ ".
ويقول: ١١٦ - " اللَّهُمَّ باعِد بَيْني وبَيْنَ خَطايايَ كما بَاعَدْتَ بَيْنَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ
نَقِّنِي مِنْ خَطايايَ كما يُنَقّى الثَّوْبُ الأبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطايايَ بالثَّلْجِ وَالمَاءِ وَالبَرَدِ ".
فكل هذا المذكور ثابت في الصحيح عن رسول الله ﷺ.
وجاء في الباب أحاديث أُخَر منها:
١١٧ - حديث عائشة ﵂ كان النبي ﷺ إذا افتتح الصلاة قال: " سبحانك
_________________
(١) أي المقول بعد التكبير.
(٢) وفي بعض الروايات: وأنَا مِنَ المُسْلِمينَ، وهي صحيحة أيضا، فكان ﷺ يقول تلك تارة، وهذه أخرى، لأنه أولى مسلمى هذه الأمة. (*)
[ ٤٣ ]
اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعالى جَدُّكَ، وَلاَ إلهَ غَيْرُكَ " رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه بأسانيد ضعيفة، وضعّفه أبو داود والترمذي والبيهقي وغيرهم، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي من رواية أبي سعيد الخدري وضعفوه.
قال البيهقي: وروي الاستفتاح " بسبحانك اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ " عن ابن مسعود مرفوعًا، وعن أنس مرفوعًا، وكلها ضعيفة (١) .
قال: وأصحُّ ما روي فيه عن عمر بن الخطاب ﵁، ثم رواه بإسناده عنه، أنه كبر ثم قال: " سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، تَبَارَكَ اسْمُكَ، وتعالى جدك، ولا إله غيرك " (٢) . والله أعلم.
١١٨ - وروينا في " سنن البيهقي " عن الحارث عن علي ﵁ قال: " كان النبي ﷺ إذا استفتح الصلاة قالَ: لا إلهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحانَكَ، ظَلَمْتُ نَفْسِي، وَعَمِلْتُ سُوءًا فاغْفِرْ لي إنَّهُ لا يَغْفرُ الذنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، وَجَّهْتُ وَجْهيَ.." إلى آخِرِه، وهو حديث ضعيف، قال: الحارث الأعور: متفق على ضعفه (٣)، وكان الشعبيّ يقول: الحارث كذّاب (٤)، والله أعلم.
وأما قوله ﷺ: " وَالشَّرُّ لَيْسَ إلَيْكَ " فاعلم أن مذهبَ أهل الحق من المحدّثين والفقهاء والمتكلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء المسلمين أن جميع الكائنات خيرها وشرَّها، نفعَها وضَرّها كلها من الله ﷾، وبإرادته وتقديره، وإذا ثبت هذا فلا بدّ من تأويل هذا الحديث، فذكر العلماء فيه أجوبة: أحدها وهو أشهرها قاله النضر بن شُمَيْلِ والأئمة بعده: معناه: والشرّ لا يتقرّب به إليك، والثاني: لا يصعد إليك، إنما يصعد الكَلِم الطيب، والثالث: لا يضاف إليك أدبًا، فلا يقال:
_________________
(١) ولكن بمجموعها يقوى الحديث، وقد حسّنه الحافظ اببن حجر في تخريج الأذكار فقال بعد تخريج الحديث بإسناده من طرق: حديث حسن، أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي. أقول: وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وأخذ به عبد الله بن عباس بن مسعود وغيره من فقهاء الصحابة، واختاره للافتفاح: أبو حنيفة وغيره، وذهب إليه بعض الأجلة، كسفيان وأحمد وغيرهما.
(٢) رواه مسلم في صحيحه رقم (٣٩٩) في الصّلاة، بابُ حجة مَن قال: لا يجهر بالبسملة، ورواه أيضا الدارقطني والبيهقي وغيرهما.
(٣) بل هو متعقب فيما قاله، فإنه ضعيف، ولكن لم يتفقوا على ضعفه، فقد قال عثمان بن سعيد الدارمي: عن ابن معين: ثقة. وقال العباس الدوري: ليس به بأس.
(٤) كان الشعبي يكذبه في رأيه، لا في حديثه. (*)
[ ٤٤ ]
يا خالق الشَّرِّ وإن كان خالقه، كما لا يقال: يا خالق الخنازير وإن كان خالقها، والرابع: ليس شرًّا بالنسبة إلى حكمتك، فإنك لا تخلق شيئًا عبثًا، والله أعلم.
فصل:
هذا ما ورد من الأذكار في دعاء التوجه، فيستحبّ الجمع بينها كلها لمن صلى منفردًا، وللإِمام إذا أذن له المأمومون.
فأما إذا لم يأذنوا له فلا يطوِّل عليهم، بل يقتصر على بعض ذلك، وحَسُنَ اقتصارُه على: وجّهت وجهي إلى قوله: من المسلمين، وكذلك المنفرد الذي يُؤثر التخفيف.
واعلم أن هذه الأذكار مستحبّة في الفريضة والنافلة، فلو تركه في الركعة الأولى عامدًا أو ساهيًا لم يفعله بعدَها لفوات محله، ولو فعله كان مكروهًا ولا تبطل صلاته، ولو تركه عقيب التكبيرة حتى شرع في القراءة أو التعوّذ، فقد فات محله فلا يأتي به، فلو أتى به لم تبطل صلاتُه، ولو كان مسبوقًا أدرك الإِمام في إحدى الركعات أتى به إلا أن يخاف من اشتغاله به فوات الفاتحة، فيشتغل بالفاتحة، فإنها آكد، لأنها واجبة، وهذا سنّة.
ولو أدرك المسبوقُ الإِمامَ في غير القيام، إما في الركوع، وإما في السجود، وإما في التشهد، أحرم معه، وأتى بالذكر الذي يأتي به الإِمام، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح في الحال ولا فيما بعد.
واختلف أصحابنا في استحباب دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة، والأصحُّ أنه لا يستحبّ، لأنها مبنية على التخفيف، واعلم أن دعاء الاستفتاح سنّة ليس بواجب، ولو تركه لم يسجدْ للسهو، والسنّة فيه الإِسرار، فلو جهر به كان مكروهًا، ولا تبطل صلاته.
(بابُ التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح) اعلم أن التعوّذ بعد دعاء الاستفتاح سنّة بالاتفاق، وهو مقدمة للقراءة، قال الله تعالى: (فإذا قَرأت القرآنَ فَاسْتَعِذْ بالله من الشَّيْطانِ الرَّجِيم) [النحل: ٩٨] معناه عند جماهير العلماء: إذا أردت القراءة فاستعذ.
واعلم أن اللفظ المختار في التعوّذ: أعُوذُ بالله مِنَ الشيطان الرجيم، وجاء: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ولا بأس به، ولكن المشهور المختار هو الأوّل.
١١٩ - وروينا في سنن أبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي
[ ٤٥ ]
وغيرها، أن النبي ﷺ قال قبل القراءة في الصلاة: " أعُوذُ باللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِنْ نَفْخِهِ وَنَفْثِهِ وهَمْزِهِ ".
وفي رواية: " أعُوذُ بالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ وَنَفْثِهِ " وجاء في تفسيره في الحديث، أن همزه: المؤْتةُ وهي الجنون، ونفخه: الكبر، ونفثه: الشعرُ، والله أعلم.
فصل:
اعلم أن التعوّذ مستحبّ ليس بواجب، فلو تركه لم يأثم، ولا تبطلُ صلاته سواء تركه عمدًا أو سهوًا، ولا يسجد للسهو، وهو مستحبّ في جميع الصلوات، الفرائض والنوافل كلها، ويستحبّ في صلاة الجنازة على الأصحّ، ويستحب للقارئ خارج الصلاة بإجماع أيضًا.
فصل:
واعلم أن التعوّذ مستحبّ في الركعة الأولى بالاتفاق، فإن لم يأت به في الأولى أتى به في الثانية، فإن لم يفعل ففيما بعدها، فلو تعوّذ في الأولى هل يستحبّ في الثانية؟ فيه وجهان لأصحابنا، أصحهما: أنه يستحبّ، لكنه في الأولى آكد، وإذا تعوّذ في الصلاة التي يُسِرُّ فيها بالقراءة، أسرّ بالتعوّذ، فإن تعوّذ في التي يُجْهَر فيها بالقراءة، فهل يجهر؟ فيه خلاف، من أصحابنا من قال: يُسرّ، وقال الجمهور: للشافعي في المسألة قولان.
أحدهما: يستوي الجهر والإِسرار، وهو نصُّه في " الأم ".
والثاني يُسنّ الجهر، وهو نصُّه في " الإِملاء ".
ومنهم مَن قال: فيه قولان.
أحدهما: يجهر، صححه الشيخ أبو حامد الاسفراييني إمام أصحابنا العراقيين، وصاحبه المحاملي وغيرهما، وهو الذي كان يفعله أبو هريرة ﵁.
وكان ابن عمر ﵄ يُسِرّ، وهو الأصحّ عند جمهور أصحابنا، وهو المختار، والله أعلم.