قال الله تعالى: (وإمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فاسْتَعِذْ باللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ) [فصلت: ٣٦] فأحسنُ ما يُقال ما أدَّبَنا اللَّهُ تَعالى به وأمرَنا بقوله.
٣٧١ - وروينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " يأتِي الشَّيْطانُ أحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فإذَا بَلَغَ ذَلِكَ فَلْيَسْتَعِذْ بالله وَلْيَنْتَهِ ".
وفي رواية في الصحيح قال: " لا يَزالُ النَّاسُ يَتَساءلُونَ حتَّى يُقالَ: هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذلكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ وَرُسُلِهِ ".
٣٧٢ - وروينا في كتاب ابن السني، عن عائشة ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: " مَنْ وَجَدَ مِنْ هَذَا الوَسْوَاسِ شيئا فَلْيَقُلْ: آمَنَّا باللَّهِ وَبِرُسُلِهِ ثَلاثًا.
فإنَّ ذلكَ يَذْهَبُ عَنْهُ ".
_________________
(١) وإسناده ضعيف. (*)
[ ١٢٧ ]
٣٧٣ - وروينا في " صحيح مسلم " عن عثمان بن أبي العاص (١) ﵁، قال: قلت يا رسول الله إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يَلْبِسُهَا عليّ،
فقال رسول الله ﷺ: " ذلكَ شَيْطانٌ يُقالُ لَهُ: خِنْزَبٌ، فإذَا أحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بالله منه واتفل عَنْ يَسارِكَ ثَلاثًا " ففعلتُ ذلك فأذهبه الله عنه.
قلتُ: خِنْزب بخاء معجمة ثم نون ساكنة، ثم زاي مفتوحة ثم باء موحدة، واختلف العلماء في ضبط الخاء منه، فمنهم من فتحها، ومنهم من كسرها، وهذان مشهوران، ومنهم من ضمَّها حكاه ابن الأثير في " نهاية الغريب "، والمعروف: الفتح والكسر.
٣٧٤ - وروينا في " سنن أبي داود " بإسناد جيد، عن أبي زُمَيْل، قال: قلتُ لابن عباس: ما شئ أجده في صدري؟ قال: ما هو؟ قلت: والله لا أتكلم به، فقال لي: أشئ من شكّ؟ وضحك وقال: ما نجا منه أحدٌ حتى أنزل الله تعالى: (فإنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أنْزَلْنا إلَيْكَ..) الآية، [يونس: ٩٤] فقال لي: إذا وجدت في نفسك شيئًا، فقل: (هُوَ الأوَّلُ، والآخِرُ، وَالظَّاهِرُ وَالباطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شئ عليم) (٢) .
وروينا بإسنادنا الصحيح، في رسالة الأستاذ أبي القاسم القُشيري ﵀ ; عن أحمد بن عطاء الروذباري السيد الجليل ﵁، قال: كان لي استقصاء في أمر الطهارة، وضاق صدري ليلة لكثرة ما صببتُ من الماء ولم يسكنْ قلبي، فقلت: يا ربّ عفوك عفوك، فسمعتُ هاتفًا يقول: العفو في العلم، فزال عني ذلك.
وقال بعض العلماء: يستحبّ قول: " لا إِلهَ إِلاَّ اللَّهُ " لمن ابتلي بالوسوسة في الوضوء، أفي الصلاة أو شبههما، فإن الشيطان إذا سمع الذكر خنس، أي تأخر وبعد، و" لا إِله إِلاَّ اللَّه " رأسُ الذكر ولذلك اختار السادة الأجلّة من صفوة هذه الأمة أهل تربية السالكين، وتأديب المريدين، قول: " لا إِله إِلاَّ الله "، لأهل الخلوة، وأمروهم بالمداومة
_________________
(١) هو الثقفي الطائفي قدم على النبي ﷺ في وفد ثقيف سنة تسع، واستعمله النبيّ ﷺ عليهم وعلى الطائف، وكان أحدث القوم سنًّا، وأقرّه عليها أبو بكر وعمر، واستعمله عمر أيضًا على عمان والبحرين، روى عنه ابن المسيب في آخرين، نزل البصرة ومات بها سنة إحدى وخمسين.
(٢) وفي سنده النضر بن محمد، وهو ثقة له أفراد، وعكرمة بن عمار الجعلي وهو صدوق يغلط، وقال ابن علان في شرح الأذكار: قال الحافظ: هذا المتن شاذ، وقد ثبت عن ابن عباس من رواية سعيد بن جُبير ومن رواية مجاهد وغيرها عنه: ما شكَّ النبيَّ ﷺ، ولا سأل، أخرجه عبدُ بن حُميد، والطبراني، وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة، وجاء من وجه آخر مرفوعا من لفظة ﷺ قال: لا أشك ولا أسأل، أخرجوه من رواية سعيد ومعمر وغيرهما من قتادة قال: ذكر لنا، وفي لفظ: فذكره، وسنده صحيح. (*)
[ ١٢٨ ]
عليها، وقالوا: أنفع علاج في دفع الوسوسة الإِقبال على ذكر الله تعالى والإِكثار منه.
وقال السيد الجليل أحمد بن أبي الحواري - بفتح الراء وكسرها - شكوتُ إلى أبي سُليمان الداراني الوسواس، فقال: إذا أردت أن ينقطع عنك، فأيّ وقت أحْسَسْتَ به فافرح، فإنك إذا فرحتَ به انقطع عنك، لأنه ليس شئ أبغض إلى الشيطان من سرور المؤمن، وإن اغتممت به زادك قلت: وهذا مما يُؤيد ما قاله بعض الأئمة: إن الوسواس إنما يُبتلى به من كمل إيمانه، فإن اللصّ لا يقصد بيتا خربا.