وهي كثيرة جدًا، نذكرُ منها أطرافًا محذوفة الأدلة لشهرتها، وخوف الإِطالة المملّة بسببها.
فأوّل ما يُؤمر به: الإِخلاص في قراءته، وأن يُريدَ بها اللَّهَ ﷾، وأن لا يقصدَ بها توصلًا إلى شئ سوى ذلك، وأن يتأدَّبَ مع القرآن ويستحضرَ في ذهنه أنه يناجي اللَّهَ سبحانه تعالى، ويتلو كتابه، فيقرأ على حالِ مَن يرى الله، فإنه إن لم يره فإن اللَّه تعالى يراه.
[فصل]:
وينبغي إذا أراد القراءة أن ينظّفَ فَمَهُ بالسِّواك وغيره، والاختيار في السواك أن يكونَ بعود الأراك، ويجوز بغيره من العيدان، وبالسعد والأشنان، والخرقة الخشنة، وغير ذلك مما ينظف.
وفي حصوله بالأصبع الخشنة ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي: أشهرُها عندهم: لا يحصل، والثاني: يحصل، والثالث: يحصل إن لم يجد
غيرها، ولا يحصل إن وجد.
ويستاك عرضًا مبتدئًا بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإتيان بالسنة.
قال بعض أصحابنا: يقول عند السواك: " اللهمَّ بارك لي فيه يا أرحم الراحمين " ويَستاك في ظاهر الأسنان وباطنها، ويمرّ السواك على أطراف أسنانه وكراسي أضراسه، وسقف حلقه إمرارًا لطيفًا، ويستاك بعود متوسط، لا شديد اليبوسة،
_________________
(١) = عِقاله، ثم أثبت له التفلت الذي هو من صفات المشبّه به أشده وأبلغه تحريضًا على مداومة تعهده وعدم التفريط في شئ من حقوقه، ولِمَ لا؟ وهو الكلام القديم المتكفّل لقارئه بكل مقام كريم، وما هو كذلك حقيق بدوام التعهّد وخيق بالستمرار التفقد.
(٢) قال الترمذي فيه: هذا حديث غريب اهـ. ولكن للحديث شواهد بالمعني يرتقي بها إلى درجة الحسن.
(٣) وإسناده ضعيف. (*)
[ ١٠٦ ]
ولا شديد اللين، فإن اشتدّ يبسه ليَّنه بالماء.
أما إذا كان فمه نجسًا بدم أو غيره، فإنه يكره له قراءة القرآن قبل غسله، وهل يحرم؟ فيه وجهان.
أصحُّهما: لا يحرمُ، وسبقت المسألة أوّل الكتاب، وفي هذا الفصل بقايا تقدّم ذكرها في الفصول التي قدمتها في أول الكتاب.
[فصل]:
ينبغي للقارئ أن يكون شأنه الخشوع، والتدبر، والخضوع، فهذا هو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصدور وتستنير القلوب، ودلائله أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تُذكر.
وقد بات جماعة من السلف يتلو الواحد منهم الآية واحدة ليلة كاملة أو معظم ليلة يتدبرها عند القراءة.
وصعق جماعة منهم، ومات جماعات منهم.
ويستحبّ البكاء والتباكي لمن لا يقدر على البكاء، فإن البكاء عند القراءة صفة العارفين (١) وشعار عِبادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، قال الله تعالى: (وَيخِرُّونَ لِلأذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) [الإسراء: ١٠٩] وقد ذكرتُ آثارًا كثيرة وردت في ذلك في " التبيان في آداب حملة القرآن ".
قال السيد الجليل صاحب الكرامات والمعارف، والمواهب واللطائف، إبراهيم
الخوَّاص ﵁: دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرّع عند السحر، ومجالسة الصالحين.
[فصل]:
قراءة القرآن في المصحف أفضل من القراءة من حفظه (٢)، هكذا قاله أصحابنا، وهو مشهور عن السلف ﵃، وهذا ليس على إطلاقه، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكّر وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف، فالقراءة من الحفظ أفضل، وإن استويا، فمن المصحف أفضل، وهذا مراد السلف.
[فصل]:
جاءت آثار بفضيلة رفع الصوت بالقراءة، وآثار بفضيلة الإِسرار.
قال العلماء: والجمع بينهما أن الإِسرار أبعد من الرياء، فهو أفضل في حقّ مَن يخاف ذلك،
_________________
(١) وقد روى البخاري عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ: اقْرأ علي، قلت: أقرأ عليك وعليك أنزول، قال: إني أحب أن أسمعه من غيري، فقرأت عليه سورة النساء، حتى بلغت (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) قال: حسبك، أو قال: أمسك، فإذا عليناه تذرفان.
(٢) لأنها تجمع القراءة والنظر. (*)
[ ١٠٧ ]
فإن لم يَخَفِ الرياءَ، فالجهر أفضل، بشرط أن لا يؤذي غيره من مصلٍّ، أو نائم أو غيرهما.
ودليل فضيلة الجَهْر، أن العمل فيه أكبر، لأنه يتعدى نفعه إلى غيره، ولأنه يُوقظ قلب القارئ، ويجمع همَّه إلى الفكر، ويصرف سمعه إليه، ولأنه يطردُ النومَ ويزيد في النشاط، ويُوقظ غيره من نائم وغافل، ويُنشِّطه، فمتى حضره شئ من هذه النيّات فالجهرُ أفضل.
[فصل]:
ويستحبّ تحسين الصوت بالقراءة وتزيينها (١) ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفًا أو أخفى حرفًا، هو حرام (٢) .
وأما القراءة بالألحان، فهي على ما ذكرناه إن أفرط، فحرام، وإلا فلا،
والأحاديث بما ذكرناه في تحسين الصوت كثيرة مشهورة في الصحيح وغيره ; وقد ذكرتُ في آداب القُرَّاءِ قطعة منها.
[فصل]:
ويستحب للقارئ إذا ابتدأ من وسط السورة أن يبتدئ من أوّل الكلام المرتبط بعضه بعض، وكذلك إذا وقفَ يقفَ على المرتبط وعند انتهاء الكلام، ولا يتقيّدُ في الابتداء ولا في الوقف بالأجزاء والأحزاب والأعشار، فإن كثيرًا منها في وسط الكلام المرتبط، ولا يغترُّ الإِنسانُ بكثرة الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه ممّن لا يُراعِي هذه الآداب، وامتثِلْ ما قاله السيد الجليل أبو علي الفُضَيْل بن عِياض ﵀ عنه: لا تستوحشْ طرقَ الهدى لقلّة أهلها، ولا تغترّ بكثرة السالكين الهاكين، ولهذا المعنى قال العلماء: قراءة سورة بكمالها أفضل من قراءة قدرها من سورة طويلة، لأنه قد يخفى الارتباط على كثير من الناس أو أكثرهم في بعض الأحوال والمواطن.
[فصل]:
ومن البدع المنكرة ما يفعلُه كثيرون من جهلة المصلّين بالناس التراويح من
_________________
(١) في الإِحياء: يستحبّ تزيين القراءة بترديد الصوت من غير تمطيط مفرط يغيّر اليظم.
(٢) قال ابن علاّن في شرح الأذكار: قال المصنف " في التبيان ": قال أقضى القضاة الماورديّ في كتابه " الحاوي ": القراءة بالألحان الموضوعة إن أخرجت لفظ القرآن عن صفته بإدخال حركات فيه أو إخراج حركات منه، أو قصر ممدود، أو مَدِّ مقصور، أو تمطيط يخفى به اللفظ فيلتبس به المعنى، فهو حرام يفسق به القارئ ويأثم به المستمع، وإن لم يخرجه اللحن عن لفظه وقرأ به على ترتيله كان مُباحًا، لأنه زاد بألحانه في تحسينه. اهـ. قال الشافعي في مختصر المزني: ويحسن صوته بأي وجه كان، وأحب ما يقرأ حدرا وتحزينا. قال أهل اللغة: يقال: حدرت القراءة: إذا درجتها ولم تمططها، ويقال: فلان يقرأ بالتحزين: إذا أرق صوته اهـ. (*)
[ ١٠٨ ]
قراءة سورة (الأنعام) بكمالها في الركعة الأخيرة منها في الليلة السابعة، معتقدين أنها مستحبة، زاعمين أنها نزلت جملة واحدة، فيجمعون في فعلهم هذا أنواعًا من
المنكرات، منها: اعتقاد أنها مستحبة، ومنها: إيهام العوّام ذلك، ومنها: تطويل الركعة الثانية على الأولى، ومنها: التطويل على المأمومين، ومنها: هذرمة القراءة، ومنها: المبالغة في تخفيف الركعات قبلها.
[فصل]:
٣١٧ - يجوز أن يقولَ: سورة البقرة، وسورة آل عمران، وسورة النساء، وسورة العنكبوت، وكذلك الباقي، ولا كراهةَ في ذلك، وقال بعض السلف: يُكره ذلك، وإنما يُقال: السورة التي تُذكر فيها البقرة، والتي يُذكر فيها النساء، وكذلك الباقي، والصواب الأوّل، وهو قولُ جماهير علماء المسلمين من سلف الأمة وخلفها، والأحاديثُ فيه عن رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصر، وكذلك عن الصحابة فمن بعدهم، وكذلك لا يُكره أن يُقال: هذه قراءة أبي عمرو، وقراءةُ ابن كثير وغيرهما، هذا هو المذهب الصحيحُ المختارُ الذي عليه عمل السلف والخلف من غير إنكار، وجاء عن إبراهيم النخعي ﵀ أنه قال: كانوا يكرهون [أن يقال:] سنّة فلان، وقراءة فلان، والصوابُ: ما قدّمناه.
[فصل]:
يُكره أن يقول: نسيتُ آية كذا، أو سورة كذا، بل يقول: أُنسيتها أو أسقطتها.
٣١٨ - روينا في " صحيحي البخاري ومسلم " عن ابن مسعود ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: " لا يَقُولُ أحَدُكُمْ: نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وَكَذَا، بَلْ هُوَ نُسِّيَ ".
وفي رواية في الصحيحين أيضًا: " بِئْسمَا لأحَدِهِمْ أنْ يَقُولَ: نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكيت بَلْ هُوَ نُسِّيَ ".
٣١٩ - وروينا في " صحيحيهما " عن عائشة ﵂، " أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقرأ، فقال: " ﵀، لَقَدْ أذْكَرَنِي آيَةً كُنْتُ أسْقَطْتُهَا ".
وفي رواية في الصحيح: " كُنْتُ أنسيتها " (١) .
_________________
(١) قال ابن علاّن في شرح الأذكار: وأما ما رواه ابن أبي داود عن أبي عبد الرحمن ابن السلمي التابعي الجليل، أنه لا يقال: أسقطت آية كذا بل أغفلت. فخلاف ما ثبت في الحديث الصحيح، فالاعتماد على الحديث، وهو جواز " اسقطت ". (*)
[ ١٠٩ ]
[فصل]:
اعلم أن آداب القارئ والقراءة لا يمكن استقصاؤها في أقلّ من مجلدات، ولكنا أردنا الإِشارة إلى بعض مقاصدها المهمات بما ذكرناه من هذه الفصول المختصرات، وقد تقدم في الفصول السابقة في أول الكتاب شئ من آداب الذاكر والقارئ، وتقدم أيضًا في أذكار الصلاة جمل من الآداب المتعلقة بالقراءة، وقد قدّمنا الحوالة على كتاب " التبيان في آداب حملة القرآن " لمن أراد مزيدًا، وبالله التوفيق، وهو حسبي ونِعمَ الوكيل.
[فصل]:
اعلم أن قراءة القرآن آكد الأذكار كما قدّمنا، فينبغي المداومة عليها، فلا يُخلي عنها يومًا وليلة، ويحصل له أصلُ القراءة بقراءة الآيات القليلة.
٣٢٠ - وقد روينا في كتاب ابن السني، عن أنس ﵁، أن رسول الله ﷺ قال: " مَنْ قَرأ في يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسِينَ آيَةً لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ، وَمَنْ قرأ مائة آيَةٍ كُتِبَ مِنَ القانِتِينَ، وَمَنْ قَرأ مائتي آيَةٍ لَمْ يُحاجهِ القُرآنُ يَوْمَ القِيامَةِ، وَمَنْ قرأ خمسمائة كُتِبَ لَهُ قِنْطارٌ مِنَ الأجْرِ " وفي رواية (١): " مَنْ قَرأ أَرْبَعِينَ آيَةً " بدل " خمسين " وفي رواية " عِشْرِينَ " وفي رواية عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: " مَنْ قَرأ عَشْرَ آياتٍ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الغافِلِينَ " (٢) وجاء في الباب أحاديث كثيرة بنحو هذا.
وروينا أحاديث كثيرة في قراءة سور في اليوم والليلة، منها: يس، وتبارك الملك، والواقعة، والدّخان.
٣٢١ - فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ: " مَنْ قَرأ (يس) فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ غُفِرَ لَهُ " (٣) .
٣٢٢ - وفي رواية له: " مَنْ قَرأ سُورَةَ (الدُّخانِ) فِي لَيْلَةٍ أصْبَحَ مَغْفُورًا لَهُ " (٤) .
_________________
(١) أي لابن السني كما في شرح الأذكار.
(٢) والحديث حسن في الجملة لشواهده.
(٣) رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " من حديث أبي هريرة، وعزاه المنذري في " الترغيب والترهيب " لمالك وابن السني وابن حبّان في صحيحه من حديث جندب، وعزاه صاحب المشكاه للبيهقي في شعب الإِيمان من حديث معقل بن يسار، ورواه الطبراني في الدعاء، والدارمي في سننه من حديث أبي هريرة، وللحديث طرق ينهض بها.
(٤) رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " والنرمذي في سننه عن أبي هيرة ﵁ مقيدا بليلة الجمعة، ورواه الترمذي أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ: مَنْ قَرأ حَم الدُّخانِ فِي لَيْلَةٍ أصبح يستغفر له سعبون ألف ملك، ورواه الطبراني عن أبي أمامة بلفظ: " مَنْ قَرأ حَم الدُّخانِ فِي لَيْلَةٍ جمعة أو يوم جمعة بنى الله لَهُ بَيْتًا في الجنة " وأسانيده ضعيفة. (*)
[ ١١٠ ]
٣٢٣ - وفي رواية عن ابن مسعود ﵁، سمعت رسول الله ﷺ يقول: " مَنْ قَرأ سُورَةَ (الوَاقِعَةِ) فِي كُلّ لَيْلَةٍ لَمْ تُصِبْهُ فاقَة " (١) .
٣٢٤ - وعن جابر ﵁: " كان رسول الله ﷺ لا ينام كل ليلة حتى يقرأ (آلم تنزيل) الكتاب، و«تبارك) الملك " (٢) .
٣٢٥ - وعن أبي هريرة ﵁، أن النبي ﷺ قال: " مَنْ قَرَأ فِي لَيْلَة (إذَا زُلْزِلَتِ الأرْضُ) كانَتْ لَهُ كَعِدْلِ نِصْفِ القُرآن، وَمَنْ قَرأ (يا أيُّها الكافِرُونَ) كَانَتْ لَهُ كَعِدْل رُبْعِ القُرآنِ، وَمَنْ قَرأ قُلْ (هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) كانَتْ لَهُ كَعِدْلِ ثُلُثِ القُرآن " (٣) .
٣٢٦ - وفي رواية: " مَنْ قَرأ آيَةَ الكُرْسِيّ، وأوَّل (حم) عُصِمَ ذلكَ اليَوْمَ مِنْ كُلّ سُوءٍ " (٤) .
والأحاديث بنحو ما ذكرنا كثيرة، وقد أشرنا إلى المقاصد، والله أعلم بالصواب، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة.