قال الله تعالى: (قُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلامٌ على عبادِهِ الَّذينَ اصْطَفى) [النمل: ٥٩] وقال الله تعالى: (وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آياتِهِ) [النمل: ٩٣] وقال تعالى: (وَقُلِ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا) [الإِسراء: ١١١] وقال تعالى: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ) [إبراهيم: ٧] وقال تعالى: (فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لي وَلا تَكْفُرونِ) [البقرة: ١٥٢] والآيات المصرّحة بالأمر بالحمد والشكر وبفضلهما كثيرة معروفة.
٣٢٧ - وروينا في " سنن أبي داود "، " وابن ماجه "، و" مسند أبي عوانة الإسفراييني " المخرَّج على " صحيح مسلم " ﵏، عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: " كُلُّ أمْر ذِي بالٍ لا يُبْدأُ فِيه بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أقطع ".
_________________
(١) رواه ابن السني والبيهقي في شعب الإيما وأبو يعلى وغيرهم وأسانيده ضعفة.
(٢) رواه ابن السني، وعزاه السيوطي في الجامع الصغير لأحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وإسناده ضعيف.
(٣) أخرجه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " عن أُبيّ هريرة ﵁، وإسناده ضعيف، ورواه بنحو الترمذي والحاكم والبيهقي في " شعب الإيمان " عن ابن عباس ﵄، وفي سنده يمان بن المغيرة وهو ضعيف.
(٤) رواه ابن السني في " عمل اليوم والليلة " عن أُبيّ هريرة ﵁، وإسناده ضعيف. (*)
[ ١١١ ]
وفي رواية: " بَحَمْدِ اللَّهِ ".
وفي رواية: " بالحَمْدِ فَهُوَ أقْطَعُ ".
وفي رواية: " كُل كلام لا يُبْدأُ فِيهِ بالحَمْد لِلَّهِ فَهُوَ أجْذَمُ ".
وفي رواية: " كُلُّ أمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبْدأُ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) فَهوَ أقْطَعُ ".
روينا هذه الألفاظ كلها في كتاب " الأربعين " للحافظ عبد القادر الرهاوي، وهو حديث حسن، وقد رُوي موصولًا كما ذكرنا، ورُوي مرسلًا، ورواية الموصول جيدة الإِسناد،
وإذا روي الحديث موصولًا ومرسلًا، فالحكم للاتصال عند جمهور العلماء، لأنها زيادة ثقة، وهي مقبولة عند الجماهير، ومعى " ذي بال ": أي: له حال يهتمّ به، ومعنى أقطع: أي ناقص قليل البركة، وأجذم: بمعناه، وهو بالذال المعجمة وبالجيم.
قال العلماء: فيُستحبّ البداءة بالحمد للَّه لكل مصنف، ودارس، ومدرِّس، وخطيب، وخاطب، وبين يدي سائر الأمور المهمة.
قال الشافعي ﵀: أحبّ أن يقدّم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه: حمد الله تعالى، والثناء عليه ﷾، والصلاة على رسول الله ﷺ.
[فصل]:
اعلم أن الحمدَ مستحبٌّ في ابتداء كل أمر ذي بال كما سبق، كما يستحب بعد الفراغ من الطعام والشراب، والعطاس، وعند خطبة المرأة - وهو طلب زواجها - وكذا عند عَقْدِ النِّكَاح، وبعد الخروج من الخلاء، وسيأتي بيان هذه المواضع في أبوابها بدلائلها، وتفريع مسائلها إن شاء الله تعالى، وقد سبق بيان ما يُقال بعد الخروج من الخلاء في بابه، ويُستحبّ في ابتداء الكتب المصنفة كما سبق، وكذا في ابتداء دروس المدرّسين، وقراءة الطالبين، سواء قرأ حديثًا أو فقهًا أو غيرهما، وأحسنُ العبارات في ذلك: الحمد لله رب العالمين.
[فصل]:
حمدُ الله تعالى ركن في خطبة الجمعة وغيرها، لا يصحّ شئ منها إلا به، وأقل الواجب: الحمد لله، والأفضل أن يزيد من الثناء، وتفصيلُه معروف في كتب الفقه.
ويشترط كونها بالعربية.
[فصل]:
يُستحبّ أن يختم دعاءه بالحمد لله ربّ العالمين، وكذلك يبتدئه بالحمد لله، قال الله تعالى: (وآخِرُ دَعْوَاهُمْ أنِ الحَمْدُ لِلَّه رَبّ العالَمِينَ) [يونس: ١٠] وأما
_________________
(١) كلمة العظيم الموجودة بين المعكوفين، يا قطة من النسخة هذا، وهي موجودة عند الترمذي وغيره. (*)
[ ١١٢ ]
ابتداء الدعاء بحمد الله وتمجيده، فسيأتي دليلُه من الحديث الصحيح قريبًا في " كتاب الصلاة على رسول الله ﷺ " إن شاء الله تعالى.
[فصل]:
يُستحبّ حمدُ الله تعالى عند حصول نعمة، أو اندفاع مكروه، سواء حصل ذلك لنفسه، أو لصاحبه، أو للمسلمين.
٣٢٨ - وروينا في " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ﵁، " أن النبيّ ﷺ أُتيَ ليلة أُسري به بقدحين من خمر ولبن (١) فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريلُ ﷺ: " الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك ".
٣٢٩ -[فصل]:
وروينا في كتاب الترمذي وغيره عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: " إذا مات ولد العَبْدِ قالَ اللَّهُ تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم؟ فيقول: فماذا قالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ابْنُوا لعبدي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسموه بَيْتَ الحَمْدِ " قال الترمذي: حديث حسن.
والأحاديث في فضل الحمد كثيرة مشهورة، وقد سبق في أوّل الكتاب جملة من الأحاديث الصحيحة في فضل: سبحان الله والحمد لله ونحو ذلك.
[فصل]:
قال المتأخرون من أصحابنا الخراسانيين: لو حلف إنسان ليحمدنّ الله تعالى بمجامع الحمد - ومنهم مَن قال: بأجلّ التحاميد - فطريقه في برَ يمينه أن يقول: الحمد لله حمدًا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ومعنى يوافي نعمه: أي يُلاقيها فتحصل معه، ويكافئ، بهمزة في آخره: أي يُساوي مزيدَ نعمه، ومعناه: يقوم بشكر ما زاده من النِعم والإِحسان.
قالوا: ولو حلف ليثنينّ على الله تعالى أحسنَ الثناء، فطريق البرّ أن
_________________
(١) في صحيح مسلم أن ذلك بإيلياء. قال المصنف في " شرح مسلم ": وهو بالمد والقصر، ويقال بحذف الياء الأولى، ثم في هذه الرواية محذوف تقديره: أتي بقدحين، فقيل له: اختر أيهما شئت كما جاء مصرحا به. وقد ذكره مسلم في كتابه " الإيمان " أول الكتاب، فألهمه الله تعالى اختيار اللبن لما أراد ﷾ مِن توفيق أمته واللطف بها، فلله الحمد والمنة. قول جبريل إن اللبن كان كذا، أو اختار الخمر كان كذا. وأما الفطرة فالمراد بها هنا: الإسلام والإستقامة كذا في كتاب الأشربة، وفي باب الإسراء منه معناه، والله أعلم: اخترت علامة الإسلام الاستقامة، وجعل اللبن علامة لكونه سهيلا طيبا طاهرا سائغا للشاربين. وأما الخمر فإنه أم الخبائث وجالبة لأنواع الشر في الحال والمال، والله أعلم. (*)
[ ١١٣ ]
يقول: لا أحصي ثناءً عليك أنتَ كما أثنيتَ على نفسك.
وزاد بعضُهم في آخره: فلك الحمد حتى ترضى.
وصوّر أبو سعد المتولي المسألة فيمن حلف: ليثنينّ على الله تعالى بأجلّ الثناء وأعظمه، وزاد في أوّل الذكر: سبحانك.
وعن أبي نصر التمار عن محمد بن النضر رحمه الله تعالى قال: قال آدمُ ﷺ: يا رَبّ شَغَلْتَنِي بِكَسْبِ يَدِي، فَعَلِّمْنِي شَيْئًا فِيهِ مَجَامِعُ الحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ، فأوحى اللَّهُ ﵎ إليه: يا آدَمُ إذَا أصْبَحْتَ فَقُلْ ثَلاثًا، وَإذَا أمْسَيْتَ فَقُلْ ثَلاثًا: الحَمْدُ لِلَّهِ رَبّ العالَمِينَ حَمْدًا يوافي نعمه ويكافئ مَزيدَهُ، فَذَلِكَ مَجَامِعُ الحَمْدِ وَالتَّسْبِيحِ والله أعلم.