فإذا فرغ من أذكار الاعتدال كبَّرَ وهوى ساجدًا ومدّ التكبير إلى أن يضع جبهته على الأرض. وقد قدَّمنا حكمّ هذه التكبيرة وأنها سنّة لو تركها لم تبطلْ صلاتُه ولا يسجد للسهو، فإذا سجد أتى بأذكار السجود، وهي كثيرة:
فمنها ما رويناه في صحيح مسلم من رواية حذيفة المتقدمة في الركوع في صفة صلاة النبي ﷺ، حين قرأ البقرة وآل عمران والنساء في الركعة الواحدة، لا يمرّ بآية رحمة إلا سأل، ولا بآية عذاب إلا استعاذ، قال: ثم سجد فقال: "سُبحان ربي الأعلى" فكان سجوده قريبًا من قيامه (١).
[١/ ١١٨] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبيّ ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: "سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا وبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي".
[٢/ ١١٩] وروينا في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ ما قدّمناه في الركوع:
أن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: "سُبُّوحٌ قُدُّوس، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ".
[٣/ ١٢٠] وروينا في صحيح مسلم أيضًا عن عليّ ﵁:
أن رسول الله كان إذا سجد قال: "اللَّهُمَّ لَكَ سَجَدْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، ولَكَ
_________________
(١) البخاري (٧٩٤)، ومسلم (٤٨٤)، وانظر تخريجه برقم ٢/ ١٠٦.
(٢) مسلم (٤٨٧)، وانظر تخريجه برقم ٤/ ١٠٨.
(٣) مسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤١٧) و(٣٤١٨) و(٣٤١٩)، والنسائي ٢/ ١٣٠.
(٤) مسلم (٧٧٢)، وقد تقدم في باب أذكار الركوع برقم ١/ ١٠٥
[ ١١٨ ]
أسْلَمْتُ، سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ، تبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقين".
[٤/ ١٢١] وروينا في الحديث الصحيح في كتب السنن، عن عوف بن مالك ما قدّمناه في فصل الركوع:
أن رسول الله ﷺ ركعَ ركوعَه الطويل يقول فيه: "سُبْحانَ ذِي الجَبُروتِ والمَلَكُوتِ وَالكِبْرِياء والعظمة" ثم قال في سجوده مثل ذلك.
[٥/ ١٢٢] وروينا في كتب السنن
أن النبيَّ ﷺ قال: "وَإذا سَجَدَ - أي أحدكم - فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبيَ الأعْلى ثلاثًا، وذلك أدْناهُ".
[٦/ ١٢٣] وروينا في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ قالت:
تفقدت النبيّ ﷺ ذات ليلة فتجسست، فإذا هو راكع أو ساجد يقول:" سُبْحَانَكَ وبِحَمْدِكَ لا إلهَ إِلَاّ أنْتَ"، وفي رواية في مسلم: فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان وهو يقول: "اللَّهُمَّ أعُوذُ بِرضَاكَ مِنْ سَخطِكَ، وبِمُعافاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكُ، وأعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ، أنْتَ كمَا أثْنَيْتَ على نَفْسِكَ".
[٧/ ١٢٤] وروينا في صحيح مسلم، عن ابن عباس ﵄،
أن رسول الله ﷺ قال: "فأمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ، وأمَّا السُّجُودُ فاجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ فَقَمِنٌ أنْ يُسْتَجَابَ لَكُم".
_________________
(١) أبو داود (٨٧٣)، والنسائي ٢/ ١٩١، والترمذي في الشمائل، وقد تقدم برقم ٥/ ١٠٩.
(٢) أبو داود (٨٨٦)، والترمذي (٢٦١)، وابن ماجه (٨٩٠) عن عبد الله بن مسعود، وقال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم، يستحبّون أن لا ينقص الرجل في الركوع والسجود من ثلاث تسبيحات.
(٣) مسلم (٤٨٦)، والموطأ ١/ ٢١٤، وأبو داود (٨٧٩)، والترمذي (٣٤٩١)، والنسائي ٢/ ٢٢٥ و٢٢٣.
(٤) مسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي ٢/ ١٨٩.
[ ١١٩ ]
يُقال: قمن بفتح الميم وكسرها، ويجوز في اللغة قمين، ومعناه: حقيق وجدير.
[٨/ ١٢٥] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة ﵁
أن رسول الله ﷺ قال:"أقْرَبُ ما يَكُونُ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ ساجِدٌ، فأكْثِرُوا الدُّعاء".
[٩/ ١٢٦] وروينا في صحيح مسلم، عن أبي هريرة أيضًا،
أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ذَنْبِي كُلَّهُ، دِقَّهُ وَجِلَّهُ وأوّلَهُ وآخِرَهُ وَعَلانِيَتَهُ وَسِرَّه". دِقه وجِلّه: بكسر أولهما، ومعناه: قليله وكثيره.
واعلم أنه يستحبّ أن يجمع في سجوده جميع ما ذكرناه، فإن لم يتمكن منه في وقت أتى به في أوقات، كما قدّمناه في الأبواب السابقة، وإذا اقتصر يقتصر على التسبيح مع قليل من الدعاء، ويُقدِّمُ التسبيحَ، وحكمه ما ذكرناه في أذكار الركوع من كراهة قراءة القرآن فيه، وباقي الفروع.
[فصل]: اختلف العلماء في السجود في الصلاة والقيام أيُّهما أفضل؟ فمذهب الشافعي ومن وافقه: القيام أفضل، لقول النبيّ ﷺ في الحديث في صحيح مسلم "أفْضَلُ الصَّلاةِ طُولُ القُنُوتِ" (١) " ومعناه القيام، ولأن ذكر القيام هو القرآن، وذكر السجود هو التسبيح، والقرآن أفضل، فكان ما طوّلَ به أفضل. وذهب بعض العلماء إلى أن السجود أفضل، لقوله ﷺ في الحديث المتقدّم: "أقْرَبُ ما يَكُونَ العَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ
_________________
(١) مسلم (٤٨٢).
(٢) مسلم (٤٨٣)، وأبو داود (٨٧٨).
(٣) مسلم (٤)
[ ١٢٠ ]
ساجدٌ" (١). قال الإِمام أبو عيسى الترمذي في كتابه: اختلف أهل العلم في هذا، فقال بعضهم: طولُ القيام في الصلاة أفضل من كثرة الركوع والسجود. وقال بعضهم: كثرةُ الركوع والسجود أفضلُ من طول القيام. وقال أحمد بن حنبل: روي فيه حديثان عن النبيّ ﷺ، ولم يقضِ فيه أحمدُ بشيء. وقال إسحاق: أما بالنهار فكثرةُ الركوع والسجود، وأما بالليل فطولُ القيام، إلا أن يكون رجل له جزء بالليل يأتي عليه، فكثرة الركوع والسجود في هذا أحبُّ إليّ لأنه يأتي على حزبه، وقد ربح كثرة الركوع والسجود. قال الترمذي: وإنما قال إسحاق هذا لأنه وصفَ صلاة النبيّ ﷺ بالليل ووصفَ طول القيام. وأما بالنهار فلم يُوصف من صلاته ﷺ من طول القيام ما وُصف بالليل.
[فصل]: إذا سجد للتلاوة استُحبّ أن يقول في سجوده ما ذكرناه في سجود الصلاة، ويستحبّ أن يقول معه: اللَّهُمَّ اجْعَلْها لي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وأعْظِمْ لي بِهَا أجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِها وِزْرًا، وَتَقَبَّلْها مِنِّي كما تَقَبَّلْتَها مِنْ دَاوُدَ ﵇. ويُستَحبّ أن يقول أيضًا: ﴿سُبْحانَ رَبِّنا إنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا﴾ [الإِسراء: ١٠٨] نصَّ الشافعي على هذا الأخير.
[١٠/ ١٢٧] روينا في سنن أبي داود والترمذي والنسائي، عن عائشة ﵂ قالت:
كان رسول الله ﷺ يقول في سجود القرآن: "سَجَدَ وَجْهِي للَّذي خَلَقَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ". قال الترمذي: حديث صحيح، زاد الحاكم: " فَتَبارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الخالِقِينَ" قال: وهذه الزيادة صحيحة على شرط الصحيحين. وأما قوله "اللَّهمّ اجعلها لي عندك
_________________
(١) أبو داود (١٤١٤)، والترمذي (٥٨٠)، والنسائي ٢/ ٢٢٢، والحاكم في المستدرك ١/ ٢٢٠ وصححه، ووافقه الذهبي.
(٢) مسلم (٤٨٢)
[ ١٢١ ]
ذخرًا .. الخ" فرواه الترمذي مرفوعًا من رواية ابن عباس ﵄ بإسناد حسن. وقال الحاكم: حديث صحيح.