اعلم أنَّ الدعاء بعد التشهّد الأخير مشروعٌ بلا خلاف.
[١/ ١٤١] روينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن
_________________
(١) البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢)، وتقدم برقم ١/ ١٣٣.
(٢) البخاري (٦٣٥٧)، ومسلم (٤٠٦)، وأبو داود (٩٧٦)، والترمذي (٤٨٣)، والنسائي ٣/ ٤٧
[ ١٣٤ ]
مسعود ﵁:
أن النبي ﷺ علّمهم التشهّد ثم قال في آخره: "ثُمَّ يُخَيّرُ منَ الدُّعَاءِ" وفي رواية البخاري: "أعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُو" وفي روايات لمسلم "ثُمَّ ليَتَخَيَّرْ مِنَ المَسْأَلَةِ ما شاءَ".
واعلم أن هذا الدعاء مستحبٌّ ليس بواجب، ويستحبُّ تطويلُه، إلا أن يكون إمامًا؛ وله أن يدعوَ بما شاء من أمور الآخرة والدنيا، وله أن يدعوَ بالدعوات المأثورة، وله أن يدعو بدعوات يخترعها والمأثورة أفضل. ثم المأثورة منها ما ورد في هذا الموطن، ومنها ما ورد في غيره، وأفضلُها هنا ما ورد هنا.
وثبت في هذا الموضع أدعية كثيرة منها:
[٢/ ١٤٢] ما رويناه في صحيحي البخاري ومسلم، عن أبي هريرة ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ: "إذَا فَرَغَ أحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الأخِيرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أرْبَعٍ: مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَماتِ، وَمِنْ شَرّ المَسِيحِ الدَّجَّالِ" رواه مسلم من طرق كثيرة. وفي رواية منها: "إِذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ المَحْيا
والمَماتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَة المَسِيحِ الدَّجَّالِ".
[٣/ ١٤٣] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عائشة ﵂:
أن النبيّ ﷺ كان يدعو في الصلاة: "اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسيحِ الدَّجَّال، وأعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيا
_________________
(١) البخاري (١٣٧٧)، ومسلم (٥٨٨)، وأبو داود (٩٨٣)، والنسائي ٣/ ٥٨.
(٢) البخاري (٨٣٢)، ومسلم (٥٨٩)، وأبو داود (٨٨٠)، والنسائي ٣/ ٥٦.
[ ١٣٥ ]
والمَماتِ، اللَّهُمَّ إني أعُوذُ بِكَ من المأثمِ والمَغْرَمِ".
[٤/ ١٤٤] وروينا في صحيح مسلم، عن عليّ ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يكون من آخر ما يقول بين التشهّد والتسليم: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي ما قَدَّمْتُ وَمَا أخَّرْتُ، وَمَا أسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، وَمَا أسْرَفْتُ وَمَا أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنِّي، أنْتَ المُقَدِّمُ وأنْتَ المُؤَخِّرُ لا إِلهَ إِلَاّ أنْتَ".
[٥/ ١٤٥] وروينا في صحيحي البخاري ومسلم، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبي بكر الصديق ﵃:
أنه قال لرسول الله ﷺ: علّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: "قُلِ اللَّهُمَّ إني ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَاّ أَنْتَ، فاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحمْنِي إنَّك أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيم" هكذا ضبطناه "ظُلْمًا كَثِيرًا" بالثاء المثلثة في معظم الروايات، وفي بعض روايات مسلم "كَبِيرًا" بالباء الموحدة، وكلاهما حسن، فينبغي أن يُجمع بينهما فيُقال: "ظُلْمًا كَثِيرًا كَبِيرًا" وقد احتجّ البخاري في صحيحه والبيهقيّ وغيرهما من الأئمة بهذا الحديث للدعاء في آخر الصلاة وهو استدلال صحيح، فإن قوله في صلاتي يعمّ جميعها، ومن مظانّ الدعاء في الصلاة هذا الموطن.
[٦/ ١٤٦] وروينا بإسناد صحيح في سنن أبي داود، عن أبي صالح ذكوان، عن بعض أصحاب النبيّ ﷺ قال:
قال النبيّ ﷺ لرجل: "كَيْفَ تَقُولُ فِي الصَّلاةِ؟ " قال: أتشهَّد وأقول: اللَّهُمَّ إني أسألُكَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ
_________________
(١) مسلم (٧٧١)، والترمذي (٣٤١٧) و(٣٤١٨) و(٣٤١٩).
(٢) البخاري (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥)، والترمذي (٣٥٢١)، والنسائي ٣/ ٥٣.
(٣) أبو داود (٧٩٢) و(٧٩٣)، وابن ماجه (٩١٠) وقال في الزوائد: إسناده صحيح، ورجاله ثقات. وهو في مسند أحمد ٣/ ٤٧٤.
[ ١٣٦ ]
بِكَ مِنَ النَّارِ، أما إني لا أحسنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ معاذ، فقال النبيّ ﷺ: "حَوْلَهَا دَنْدِنْ".
الدندنة: كلام لا يُفهم معناه، ومعنى "حولها دَنْدِنْ" أي حول الجنة والنار، أو حول مسألتهما: إحداهما سؤال طلب، والثانية سؤال استعاذة، والله أعلم.
ومما يستحبُّ الدعاء به في كل موطن: اللَّهمّ إني أسألُك العفوَ والعافية، اللَّهمّ إني أسألُك الهدى والتقى والعفافَ والغنى، والله أعلم.