قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البيِّنة: ٥]، وقال تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] . قال ابن عباس ﵄: معناه: ولكن يناله النِّيَّات.
١٠- أخبرنا شيخنا الإِمام الحافظ أبو البقاء خالد بن يوسف بن الحسن بن سعد١ بن المحسن بن المفرّج بن بكار المقدسيّ النابلسيّ ثم الدمشقي -﵁- أخبرنا أبو اليمن الكندي، أخبرنا محمد بن عبد الباقي الأنصاري، أخبرنا أبو محمد الحسنُ بن عليّ الجوهري، أخبرنا أبو الحسين محمد بن المظفر الحافظ، أخبرنا أبو بكر محمد بن محمد بن
_________________
(١) ١ قارن الاسم مع الفقرة رقم: ٦٨.
[ ٣١ ]
سليمان الواسطي، حدّثنا أبو نُعيم عبيد بن هاشم الحلبي، حدّثنا ابن المبارك، عن يحيى بن سعيد هو الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وقّاص الليثيّ، عن عمر بن الخطاب -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ: "إنَّما الأعْمالُ بالنِّيَّاتِ، وإنَّمَا لكل امرئ مَا نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصِيبُها، أَوِ امْرأةٍ يَنْكِحُها، فَهِجْرَتُه إلى ما هاجر إليه". [وسيرد برقم: ٢٠٦٢] .
١١- هذا حديث صحيح متفق على صحته [البخاري، رقم: ١؛ ومسلم، رقم: ١٩٠٧]، مجمع على عظم موقعه وجلالته، وهو أحدُ الأحاديث التي عليها مدارُ الإِسلام، وكان السلفُ وتابعوهم من الخلف رحمهم الله تعالى يَستحبُّون استفتاح المصنفات بهذا الحديث، تنبيهًا للمُطالع على حسن النيّة١، واهتمامه بذلك والاعتناء به. [وممن ابتدأ به في أول كتابه الإمام أبو عبد الله البخاري ﵀ في أول حديث في: صحيحه، الذي هو أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. "بستان العارفين"، رقم: ٢٠ وما بعده؛ "متن الأربعين النووية"، رقم: ١ "رياض الصالحين"، رقم: ١] .
١٢- رُوِّينا عن الإِمام أبي سعيد عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى، قال: مَنْ أَرَادَ أن يُصنِّفَ كتابًا فليبدأ بهذا الحديث.
[ورُوِّينا عنه أيضًا، قال: لو صَنَّفْتُ كتابًا بدأت في أول كل باب منه بهذا الحديث. "بستان العارفين"، رقم: ٣١] .
_________________
(١) ١ في نسخة: "صدق النِّية"، وفي أخرى: "صحة النيّة"؛ من الشارح.
[ ٣٢ ]
١٣- وقال الإِمام أبو سليمان [أحمد بن محمد بن إبراهيم] الخطابي ﵀ [في أوّل كتابه "الإعلاء" في شرح "صحيح البخاري"]: كان المتقدمون من شيوخنا يستحبُّون تقديم حديث: "الأعمال بالنيّة" أمامَ كل شيء ينشأ ويبتدأ من أمور الدين لعموم الحاجة إليه في جميع أنواعها١. [بستان العارفين، رقم: ٣٣] .
١٤- وبلغنا عن ابن عباس ﵄، أنه قال: إنما يحفظ [حديثُ] الرجلُ على قدر نيته. [سنن الدارمي، ١/ ١٠٥] .
١٥- وقال غيرُه: إنما يُعطى الناسُ على قدر نياتهم. [التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: ٢٧] .
١٦- وَرُوِّينا عن السيد الجليل أبي عليّ الفُضَيْل بن عياض ﵁، قال: تركُ العمل لأجل الناس رياءٌ، والعملُ لأجل الناس شِركٌ، والإِخلاصُ أن يعافيَك الله منهما. [شرح الرسالة القشيرية، ١٣٥/٣؛ راجع "التبيان في آداب حملة القرآن" رقم: ٣٢] .
١٧- وقال الإمام الحارث المحاسبيُّ ﵀ [عن عَلاَمَة الصدق]: الصادق هو الذي لا يبالي [و] لو خرج كلُّ قَدْرٍ له في قلوب الخلق من أجل صَلاح قلبه، ولا يحبُّ اطّلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله، ولا يكرهُ أن يطلع الناس على السيئ من عمله، [فإنَّ كراهته لذلك دليل على أنه يحب الزيادة عندهم، وليس هذا من أخلاق الصِّدِّقِين. "الرسالة القشيرية" باب
_________________
(١) ١ في نسخة: "أنواعه"؛ من الشارح.
[ ٣٣ ]
الصدق؛ "التبيان في آداب حملة القرآن"، رقم: ٣٦] .
١٨- وعن حُذيفة الْمَرْعَشِيّ ﵀، قال: الإِخلاصُ أن تستوي أفعالُ العبد في الظاهر والباطن. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص؛ راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: ٣٠] .
١٩- ورُوِّينا عن الإمام الأستاذ أبي القاسم القُشيري ﵀، قال: الإِخلاصُ إفرادُ الحق ﷾ في الطاعة بالقصد، وهو أن يُريد بطاعته التقرّب إلى الله تعالى دون [أي] شيء آخر؛ من تَصنعٍ لمخلوق، أو اكتساب مَحْمَدَةٍ عند الناس، أو محبّة مدحٍ من الخلق، أو معنى من المعاني سوى التقرّب إلى الله تعالى. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص] .
٢٠- وقال السيد الجليل أبو محمد سهل بن عبد الله التُّسْتَرِيّ ﵁: نظر الأكياسُ في تفسر الإِخلاص، فلم يجدوا غير هذا: أن تكون حركتُه وسكونه في سرِّه وعلانيته لله تعالى، لا يمازجه [شيءٌ، لا] نَفسٌ، ولا هوىً، ولا دنيا. [بستان العارفين، رقم: ٨٢؛ التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: ٣٣] .
٢١- وَرُوِّينا عن الأستاذ أبي عَلِيِّ الدَّقَّاق ﵁، قال: الإِخلاصُ: التَّوَقِّي عن ملاحظة الخلق، والصدق: التنقي من مطاوعة النفس، فالمخلصُ لا رياء له، والصادقُ لا إعجابَ له. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص، التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: ٢٩] .
[ ٣٤ ]
٢٢- وعن ذي النون المصري ﵀، قال: ثلاثٌ من علامات الإِخلاص: استواءُ المدح والذمّ من العَامَّة، ونسيانُ رؤية الأعمال في الأعمال، ونسيان اقتضاء ثواب العمل في الآخرة. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص، حلية الأولياء، ٩/ ٣٦١؛ راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: ٣١] .
٢٣- وَرُوِّينا عن القُشَيريِّ ﵀، قال: أقلُّ الصدق استواءُ السر والعلانية. [الرسالة القشيرية: باب الإخلاص؛ راجع: التبيان في آداب حملة القرآن، رقم: ٣٠ و٣٥] .
٢٤- وعن سهل التُّسْتَرِيِّ: لا يشمّ رائحة الصدق عبدٌ داهَنَ نفسه، أو غيره.
٢٥- وأقوالهم في هذا غير منحصرة، وفيما أشرتُ إليه كفاية لمن وقف١.
_________________
(١) ١ ذكر النووي جملًا من أقوال السلف في الإخلاص، مع شرحها؛ في أول: المجموع، شرح: المهذب، "١٦/١"، وكذلك في معظم افتتاحيات كتبه.
[ ٣٥ ]