ذكر أَن عمر بن الْخطاب رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ اسْتعْمل رجلا من قُرَيْش على عمل فَبَلغهُ أَنه قَالَ
(اسْقِنِي شربة ألذ عَلَيْهَا واسق بِاللَّه مثلهَا ابْن هِشَام)
فأشخصه إِلَيْهِ وَذكر أَنه إِنَّمَا أشخصه من أجل الْبَيْت فضم إِلَيْهِ آخر فَلَمَّا قدم عَلَيْهِ قَالَ السِّت الْقَائِل
(اسْقِنِي شربة ألذ عَلَيْهَا واسق بِاللَّه مثلهَا ابْن هِشَام)
قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
(لَعَلَّه عسلًا بَارِدًا بِمَاء سَحَاب أنني لَا أحب شرب المدام)
قَالَ الله قَالَ الله قَالَ ارْجع إِلَى عَمَلك
قَالَ حَدثنِي عبيد راوية الْأَعْشَى قَالَ خرج النُّعْمَان إِلَى ظهر الْحيرَة وَكَانَ معشابا وَكَانَت الْعَرَب تسميه خد الْعَذْرَاء فِيهِ نبت الشيح
[ ١١٤ ]
والقيصوم والخزامي والزعفران وشقائق النُّعْمَان والأقحوان فَمر بالشقائق فَأَعْجَبتهُ فَقَالَ من نزع من هَذَا شيا فانزعوا كَفه قَالَ فسميت شقائق النُّعْمَان قَالَ فَإِنَّهُ ليسير فِيهَا يَوْمًا فَانْتهى إِلَى وهدة فِي طرف النجف وَإِذا شيخ يخصف نعلا فَوقف عَلَيْهِ وَقد سبق أَصْحَابه فَقَالَ مِمَّن أَنْت يَا شيخ قَالَ من بكر بن وَائِل فَقَالَ يَا شيخ مَالك هَهُنَا قَالَ طرد النُّعْمَان الرُّعَاة فَأخذُوا يَمِينا وَشمَالًا وَوجدت وهدة خَالِيَة فنتجت الْإِبِل وَولدت الْغنم وسالت السّمن فَقَالَ أَو مَا تخَاف النُّعْمَان قَالَ وَمَا أَخَاف مِنْهُ وَالله لربما لمست بيَدي هَذِه مَا بَين سرة أمه وعانتها كَأَنَّهُ أرنب جاثم قَالَ أَنْت أَيهَا الشَّيْخ قَالَ نعم قَالَ فهاج وَجهه غَضبا وطلعت أَوَائِل خيله فَقَالُوا حييت أَبيت اللَّعْن قَالَ وحسر عَن رَأسه فَإِذا خَرَزَات ملكه فَقَالَ النُّعْمَان أَيهَا الشَّيْخ كَيفَ قلت قَالَ أَبيت اللَّعْن لَا يهولنك ذَاك وَالله لقد علمت الْعَرَب أَنه لَيْسَ بَين لأبتيها أكذب مني فَضَحِك ثمَّ مضى
قَالَ طلب الْحجَّاج الحكم بن أَيُّوب بن جبر بن حبيب فخشي أَن يَجِيء بِهِ فيعاقبه فَقَالَ تركته يَتَحَرَّك رَأسه يصب فِي حلقه المَاء وَالله لَئِن حمل على سَرِير لتكونن عَورَة فَقيل لَهُ انْصَرف
حَدثنَا مُحَمَّد بن قُتَيْبَة فِي حَدِيث عبد الله بن مَسْعُود أَنه ذكر بني إِسْرَائِيل وتحريفهم وتغييرهم وَذكر عَالما كَانَ فيهم عرضوا عَلَيْهِ كتابا اختلقوه على الله ﷿ فَأخذُوا ورقة فِيهَا كتاب الله ﷿ ثمَّ جعلهَا فِي قرن ثمَّ علقه فِي عُنُقه ثمَّ لبس عَلَيْهِ الثِّيَاب فَقَالُوا أتؤمن بِهَذَا قَالَ فَأَوْمأ بِيَدِهِ إِلَى صَدره وَقَالَ آمَنت بِهَذَا الْكتاب يعْنى الْكتاب الَّذِي فِي الْقرن فَلَمَّا حَضَره الْمَوْت نبشوه فوجدوا الْقرن وَالْكتاب فَقَالُوا إِنَّمَا عَنى هَذَا
وَعَن الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه قَالَ أَتَى عبد الْملك بن مَرْوَان بِرَجُل كَانَ مَعَ بعض من خرج عَلَيْهِ فَقَالَ اضربوا عُنُقه فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا كَانَ هَذَا جزائي مِنْك قَالَ وَمَا جزاؤك قَالَ وَالله مَا خرجت مَعَ فلَان إِلَّا بِالنّظرِ لَك
[ ١١٥ ]
وَذَلِكَ أَنِّي رجل مشؤم مَا كنت مَعَ رجل قطّ إِلَّا غلب وَهزمَ وَقد بَان لَك صِحَة مَا ادعيت وَكنت لَك خيرا من مائَة ألف مَعَك فَضَحِك وخلى سَبيله قَالَ اسحق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي قَالَ شبيب بن شبة دخل خَالِد بن صَفْوَان التَّمِيمِي على أبي الْعَبَّاس وَلَيْسَ عِنْده أحد فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي وَالله مَا زلت مُنْذُ قلدك الله خِلَافَته اطلب أَن أصير إِلَى مثل هَذَا الْموقف فِي هَذِه الْخلْوَة فَإِن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَأْمر بإمساك الْبَاب حَتَّى أفرغ فعل قَالَ فَأمر الْحَاجِب بذلك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِنِّي فَكرت فِي أَمرك وأجلت الْفِكر فِيك فَلم أر أحدا لَهُ مثل قدرك اتساعًا فِي الِاسْتِمْتَاع بِالنسَاء مِنْك وَلَا بأضيق فِيهِنَّ عَيْشًا إِنَّك ملكت نَفسك امْرَأَة من نسَاء الْعَالمين واقتصرت عَلَيْهَا فَإِن مَرضت مَرضت وَإِن غَابَتْ غبت وَإِن عركت عركت وَحرمت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ نَفسك من التَّلَذُّذ بأطراف الْجَوَارِي وَمَعْرِفَة اخْتِلَاف أَحْوَالهم والتلذذ بِمَا يشتهى مِنْهُنَّ أَن مِنْهُنَّ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الطَّوِيلَة الَّتِي تشْتَهي لجسمها والبيضاء الَّتِي تحب لروعتها والسمراء اللعساء والصفراء العجزاء ومولدات الْمَدِينَة والطائف واليمامة ذَوَات الألسن العذبة وَالْجَوَاب الْحَاضِر وَبَنَات سَائِر الْمُلُوك وَمَا يشتهى من نظافتهن وتخلل خَالِد بِلِسَانِهِ فاطنب فِي صِفَات ضروب الْجَوَارِي وشوقه إلَيْهِنَّ فَلَمَّا فرغ قَالَ وَيحك وَالله مَا سلك مسامعي كَلَام أحسن من هَذَا فأعد على كلامك فقد وَقع مني موقعًا فَأَعَادَ عَلَيْهِ خَالِد كَلَامه بِأَحْسَن مِمَّا ابتدأه ثمَّ انْصَرف وَبَقِي أَبُو الْعَبَّاس مفكرًا فَدخلت عَلَيْهِ أم سَلمَة وَكَانَ قد حلف أَن لَا يتَّخذ عَلَيْهَا ووفى فَلَمَّا رَأَتْهُ مفكرًا قَالَت أَنِّي لأَذْكُرك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَهَل حدث شَيْء نكرهه وأتاك خبر أرتعت لَهُ قَالَ لَا فَلم نزل تستخبره حَتَّى أخْبرهَا بمقالة خَالِد قَالَت فَمَا قلت لِابْنِ الفاعلة فَقَالَ لَهَا ينصحني وتشتميه فَخرجت إِلَى مواليها فَأَمَرتهمْ بِضَرْب خَالِد فَخرجت من الدَّار مَسْرُورا بِمَا ألقيت إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلم اشك فِي الصِّلَة فَبَيْنَمَا أَنا وَاقِف
[ ١١٦ ]
أَقبلُوا يسْأَلُون عني فحققت الْجَائِزَة فَقلت لَهُم هَا أَنا ذَا فَاسْتَبق إِلَى أحدهم بخشبة فغمزت برذوني ولحقني فَضرب كفله وركضت ففتهم واستخفيت فِي منزلي أَيَّامًا وَوَقع فِي قلبِي أَنِّي أتيت من قبل أم سَلمَة فَمَا أشعر إِلَّا بِقوم قد هجموا عَليّ وَقَالُوا أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَسبق إِلَى قلبِي أَنه الْمَوْت فَقلت إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون لم أردم شيخ أضيع من دمي فركبت إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ فَلَقِيته خَالِيا فَنَظَرت فِي الْمجْلس بَينا عَلَيْهِ ستور رقاق وَسمعت حسا خلف السّتْر فَقَالَ وَيحك وصفت لأمير الْمُؤمنِينَ صفة فأعدها فَقلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلمتك أَن النِّسَاء أَكثر من وَاحِدَة الأضر وتنغص فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس لم يكن هَذَا الْعَرَب إِنَّمَا اشْتقت اسْم الضرتين من الضَّرَر وَإِن أحد لم يكن عِنْده من فِي الحَدِيث قَالَ بلَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وأخبرتك أَن الثَّلَاث من النِّسَاء كأنهن فِي الْقدر يغلي عَلَيْهِنَّ قَالَ بَرِئت من قَرَابَتي من رَسُول الله ﷺ إِن كنت سَمِعت هَذَا مِنْك ولأمر فِي حَدِيثك قَالَ وأخبرتك أَن الْأَرْبَع من النِّسَاء شَرّ مَجْمُوع لصَاحبه يشيبنه ويهرمنه قَالَ لَا وَالله مَا سَمِعت هَذَا مِنْك قلت بلَى وَالله قَالَ أفتكذبني قلت أفتقتلني نعم وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أبكار الْإِمَاء رجال إِلَّا أَنه لَيست لَهُنَّ خصي قَالَ خَالِد فَسمِعت ضحكًا من خلف السّتْر ثمَّ قلت نعم وَالله وأخبرتك أَن عنْدك رَيْحَانَة قُرَيْش وَأَنت تطمح بِعَيْنِك إِلَى النِّسَاء والجواري قَالَ فَقيل من وَرَاء السّتْر صدقت وَالله يَا عماه بِهَذَا حدثته وَلكنه غير حَدِيثك ونطق من لسَانك فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس مَالك قَاتلك الله قَالَ وانسللت فَبعثت إِلَى أم سَلمَة بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وبرذون وتخت ثِيَاب قَالَ حَدثنِي رجل من بني نَوْفَل بن عبد منَاف قَالَ لما أصَاب نصيب من المَال مَا أصَاب وَكَانَ عِنْده أم محجن وَكَانَت سَوْدَاء اشتاق إِلَى الْبيَاض فَتزَوج امْرَأَة سَرِيَّة بَيْضَاء فَغضِبت أم محجن وَغَارَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا وَالله يَا أم محجن مَا مثلي يغار عَلَيْهِ أَنِّي شيخ كَبِير وَمَا مثلك يغار أَنَّك لعجوز كَبِيرَة وَمَا أحد
[ ١١٧ ]
أكْرم عَليّ مِنْك وَلَا أوجب حَقًا فجوزي هَذَا الْأَمر وَلَا تكدريه على فرضيت وقرت ثمَّ قَالَ لَهَا بعد ذَلِك هَل لَك أَن أجمع إِلَيْك زَوْجَتي الجديدة فَهُوَ أصلح لذات الْبَين وألم للشعث وَأبْعد للشماتة فَقَالَت نعم أفعل وَأَعْطَاهَا دِينَار وَقَالَ لَهَا أَنِّي أكره أَن ترى بك خصَاصَة أَن تفضل عَلَيْك فاعملي لَهَا إِذا أَصبَحت عنْدك غَدا بِهَذَا الدِّينَار ثمَّ أَتَى زَوجته الجديدة فَقَالَ لَهَا إِنِّي أردْت أَن أجمعك إِلَى أم محجن غَدا وَهِي مكرمتك وأكره أَن تفضل عَلَيْك أم محجن فَخذي هَذَا الدِّينَار فاعدي لَهَا بِهِ إِذا أَصبَحت عِنْدهَا غَدا لِئَلَّا ترى بك خصَاصَة وَلَا تذكري لَهَا الدِّينَار ثمَّ أَتَى صاحبًا لَهُ يستنصحه فَقَالَ إِنِّي أُرِيد أَن أجمع زَوْجَتي الجديدة إِلَى أم محجن غَدا فأتني مُسلما فَإِنِّي سأستجلسك للغداء فَإِذا تغذيت فسلني عَن أحبهما إِلَيّ فَإِنِّي سانفروا أعظم ذَلِك فَإِذا أَبيت عَلَيْك أَن لَا أخْبرك فاحلف عَليّ فَلَمَّا كَانَ الْغَد زارت زَوجته الجديدة لأم محجن وَمر بِهِ صديقه فاستجلسه فَلَمَّا تغذيا أقبل الرجل عَلَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا محجن أحب أَن تُخبرنِي عَن أحب زوجتيك إِلَيْك فَقَالَ سُبْحَانَ الله أتسألني عَن هَذَا وهما يسمعان مَا سَأَلَ عَن مثل هَذَا أحد قَالَ فَإِنِّي أقسم عَلَيْك لتخبرني فوَاللَّه لأعذرتك وَلَا أقيل إِلَّا ذَاك قَالَ أما إِذْ فعلت فأحبهما إِلَى صَاحِبَة الدِّينَار وَالله لَا أُرِيد على هَذَا شيا فَأَعْرَضت كل وَاحِدَة مِنْهُمَا تضحك ونفسها مسرورة وَهِي تظن أَنه عناها بذلك القَوْل
قَالَ حَدثنِي القَاضِي أَبُو الْحُسَيْن بن عتبَة قَالَ كَانَت لي ابْنة عَم موسرة وتزوجتها فَلم أوترها لشَيْء من الْجمال وَلَكِنِّي كنت استعين بمالها وأتزوج سرا فَإِذا فطنت بذلك هجرتني وطرحتني وضيقت عَليّ إِلَى أَن أطلق من تَزَوَّجتهَا ثمَّ تعود إِلَيّ فطال ذَلِك عَليّ وَتَزَوَّجت صبية حسناء مُوَافقَة لطباعي مساعدة على اخْتِيَاري فَمَكثت معي مُدَّة يسيرَة وسعي بهَا إِلَى ابْنة عمي فَأخذت فِي المناكدة والتضييق عَليّ فَلم يسهل عَليّ فِرَاق
[ ١١٨ ]
تِلْكَ الصبية فَقلت لَهَا استعيري من كل جَارة قِطْعَة من أَفْخَر ثِيَابهَا حَتَّى يتكامل لَك خلعة تَامَّة الْجمال وتبخري بالعنبر واذهبي إِلَى ابْنة عمي فابكي بَين يَديهَا واكثري من الدُّعَاء لَهَا والتضرع إِلَيْهَا إِلَى أَن تضجريها فَإِذا سَأَلتك عَن حالك فَقولِي لَهَا أَن ابْن عمي قد تزَوجنِي وَفِي كل وَقت يتَزَوَّج عَليّ وَاحِدَة وَينْفق مَالِي عَلَيْهَا وَأُرِيد أَن تسألي القَاضِي معونتي وإنصافي مِنْهُ فَإِنِّي أقدمه إِلَيْهِ فَإِنَّهَا سترفعك إِلَيّ فَفعلت فَلَمَّا دخلت عَلَيْهَا واتصل بكاؤها رحمتها وَقَالَت لَهَا فَالْقَاضِي شَرّ من زَوجك وَهَكَذَا يفعل بِي وَقَامَت فَدخلت عَليّ وَأَنا فِي مجْلِس لي وَهِي غَضبى وَيَد الصبية فِي يَدهَا فَقَالَت هَذِه المؤمنة حَالهَا مثل حَالي فاسمع مقالها وَاعْتمد إنصافها فَقلت ادخلا فدخلتا جَمِيعًا فَقلت لَهَا مَا شَأْنك قَالَت فَذكرت مَا وافقها عَلَيْهِ فَقلت لَهَا هَل اعْترف ابْن عمك بِأَنَّهُ قد تزوج عَلَيْك فَقَالَت لَا وَالله وَكَيف يعْتَرف بِمَا يعلم أَنِّي لَا أقاره عَلَيْهِ قلت فشاهدت أَنْت هَذِه الْمَرْأَة وقفت على مَكَانهَا وَصورتهَا فَقَالَت لَا وَالله فَقلت يَا هَذِه اتقِي الله وَلَا تقبلي شَيْئا سمعته فَإِن الحساد كثير والطلاب لإفساد النِّسَاء كثير والحيل والتكذيب فَهَذِهِ زَوْجَتي قد ذكر لَهَا إِنِّي تزوجت عَلَيْهَا وكل زَوْجَة لي وَرَاء هَذَا الْبَاب طَالِق ثَلَاثًا فَقَامَتْ ابْنة عمي فَقبلت رَأْسِي وَقَالَت قد علمت أَنه مَكْذُوب عَلَيْك أَيهَا القَاضِي وَلم يلْزَمنِي حنث لاجتماعهما بحضرتي حَدثنَا الْأَصْمَعِي قَالَ أَتَى الْمَنْصُور بِرَجُل ليعاقبه على شَيْء بلغه عَنهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الانتقام عدل والتجاوز فضل وَنحن نعيذ أَمِير الْمُؤمنِينَ بِاللَّه أَن يرضى لنَفسِهِ بأوكس النَّصِيبَيْنِ دون أَن يبلغ أرفع الدرجتين فَعَفَا عَنهُ
حَدثنَا أَبُو الْحسن المدايني أَن أَحْمد بن سميط أسر خَمْسمِائَة فَأتى بهم الْمُخْتَار فَقتل مِائَتَيْنِ وَأَرْبَعين وَحبس بَعْضًا وَمن على بعض فَكَانَ مِمَّن حبس من الأسرى سراقَة بن مرداس الْبَارِقي ثمَّ أَمر بقتْله
[ ١١٩ ]
فَقَالَ لَا وَالله لَا تقتلني حَتَّى أنقض مَعَك دَاري حجرا حجرا قَالَ وَمَا يدْريك قَالَ الْأَخْبَار الصادقة الَّتِي جَاءَت بهَا الْكتب الناطقة فاقبل الْمُخْتَار على عبد الله بن كَامِل وعَلى أبي عمْرَة فَقَالَ من يظْهر أَسْرَارنَا فَأمر بِتَخْلِيَتِهِ فَقَالَ سراقَة أَنا قد أسرنا قوم لَا نراهم قَالَ هم هَؤُلَاءِ وهم شَرط الله قَالَ لَا وَالله لقد أسرنا قوم عَلَيْهِم عمائم حمر على خيل بلق تطير بَين السَّمَاء وَالْأَرْض قَالَ هَذِه الْمَلَائِكَة فَاعْلَم النَّاس ذَلِك يَا سراقَة قَالَ فَصَعدت مَنَارَة وأعلمت النَّاس وَحلفت لَهُم فخلى سبيلي
حَدثنَا ابْن عِيَاض قَالَ استؤمن لعباس بن سهل بن سعد السَّاعِدِيّ من مُسلم بن عقبَة يَوْم الْحرَّة فَأبى أَن يُؤمنهُ فَأتوهُ بِهِ ودعا بالغداء فَقَالَ عَبَّاس أصلح الله الْأَمِير وَالله لكأنهما جَفْنَة أَبِيك كَانَ يخرج عَلَيْهِ مطرف حرَّة حَتَّى يجلس بفنائها ثمَّ يضع حفنته بَين يَدي من حضر قَالَ صدقت كَانَ كَذَلِك أَنْت آمن فَقيل للْعَبَّاس كَانَ أَبوهُ كَمَا قلت قَالَ لَا وَالله لقد رَأَيْته فِي عناء بحرة مَا نَخَاف على رِكَابنَا ومتاعنا أَن يسرقه غَيره
حَدثنَا دُرَيْد عَن عبد الرَّحْمَن بن أخي الْأَصْمَعِي عَن عَمه قَالَ بعث إِلَيّ الرشيد فَدخلت فَإِذا صبية فَقَالَ من هَذِه الصبية فَقلت لَا أَدْرِي قَالَ هَذِه مواسة بنت أَمِير الْمُؤمنِينَ فدعوت لَهَا وَله قَالَ نعم فَقبل رَأسهَا فَقلت إِنِّي أطعته أَدْرَكته الْغيرَة فقتلني وَإِن أَنا عصيته قتلني بِمَعْصِيَة فَوضعت كمي على رَأسهَا وَقبلت كمي فَقَالَ وَالله يَا أصمعي لَو أخطأتها لقتلتك أَعْطوهُ عشرَة آلَاف دِرْهَم
حَدثنَا ابْن البهلول أَن أَبَا حُذَيْفَة وَاصل بن عَطاء خرج يُرِيد سفرا فِي رَهْط فاعترضهم جَيش من الْخَوَارِج فَقَالَ وَاصل لَا ينطقن أحد ودعوني مَعَهم فقصدهم وَاصل فَلَمَّا قربوا بَدَأَ الْخَوَارِج ليوقعوا فَقَالَ
[ ١٢٠ ]
كَيفَ تستحلون هَذَا وَمَا تَدْرُونَ من نَحن وَلَا لأي شَيْء جِئْنَا فَقَالُوا نعم فَمَا أَنْتُم قَالَ قوم من الْمُشْركين جئناكم لنسمع كَلَام الله قَالَ فكفوا عَنْهُم وَبَدَأَ رجل مِنْهُم يقْرَأ عَلَيْهِم الْقُرْآن فَلَمَّا امسك قَالَ وَاصل قد سمعنَا كَلَام الله فأبلغنا مأمننا حَتَّى نَنْظُر فِيهِ وَكَيف ندخل فِي الدّين فَقَالَ هَذَا وَاجِب سِيرُوا فسرنا والخوارج وَالله مَعنا يحمونا فراسخ حَتَّى قربنا إِلَى بلد لَا سُلْطَان لَهُم عَلَيْهِ فانصرفوا قَالَ أَبُو إِسْحَق الجهمي لما صرف الْحجَّاج قَالَ لغلام لَهُ تعال نتنكر وَنَنْظُر مَا لنا عِنْد النَّاس فتنكروا وخرجا فمرا على الْمطلب غُلَام أبي لَهب فَقَالَا يَا هَذَا أَي شَيْء غير الْحجَّاج قَالَ على الْحجَّاج لعنة الله قَالَا فَمَتَى يخرج قَالَ اخْرُج الله روحه من بَين جَنْبَيْهِ مَا يدريني قَالَ اتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا الْحجَّاج بن يُوسُف قَالَ الْمطلب أتعرفني أَنْت قَالَ لَا قَالَ أَنا الْمطلب غُلَام أبي لَهب مَعْرُوف أصرع فِي كل شهر ثَلَاثَة أَيَّام أَولهَا الْيَوْم فَتَركه وَمضى
وَحكى أَبُو الْحسن بن هِلَال الصابي أَن الْحجَّاج انْفَرد يَوْمًا من عسكره فَمر ببستاني يسْقِي ضيعته فَقَالَ كَيفَ حالكم مَعَ الْحجَّاج فَقَالَ لَعنه الله المبيد الْبر الحقود عجل الله الانتقام مِنْهُ فَقَالَ لَهُ أتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا الْحجَّاج فَرَأى أَن دَمه قد طاح فَرفع عَصا كَانَت مَعَه فَقَالَ أتعرفني قَالَ لَا قَالَ أَنا أَبُو ثَوْر الْمَجْنُون وَهَذَا يَوْم صرعي وأزبد وأرغى وهاج وَأَرَادَ أَن يضْرب رَأسه بالعصى فَضَحِك مِنْهُ وَانْصَرف
وبلغنا أَن الْحجَّاج انْفَرد يَوْمًا عَن عسكره فلقي أَعْرَابِيًا فَقَالَ يَا وَجه الْعَرَب كَيفَ الْحجَّاج قَالَ ظَالِم غاشم قَالَ فَهَلا شكوته إِلَى عبد الْملك فَقَالَ لَعنه الله أظلم مِنْهُ وأغشم فأحاط بِهِ الْعَسْكَر فَقَالَ اركبوا البدوي فاركبوه فَسَأَلَ عَنهُ فَقَالُوا هُوَ الْحجَّاج فركض من الْفرس خَلفه وَقَالَ يَا
[ ١٢١ ]
حجاج قَالَ مَالك قَالَ السِّرّ الَّذِي بيني وَبَيْنك لَا يطلع عَلَيْهِ أحد فَضَحِك وخلاه وَلَقي الْحجَّاج أَعْرَابِيًا بفلاة فَسَأَلَهُ عَن نَفسه وَعَن عماله وسعاته فَأخْبرهُ بِكُل مَا يكره فَقَالَ لَهُ أَنا الْحجَّاج قتلني الله إِن لم أَقْتلك قَالَ فَأَيْنَ حق الاسترسال قَالَ أولى لَك مَا أحسن مَا تخلصت وخلى سَبيله قَالَ كَانَ أَبُو الْحُسَيْن بن السماك يتَكَلَّم على النَّاس بِجَامِع الْمَدِينَة وَكَانَ لَا يحسن من الْعُلُوم شَيْئا إِلَّا مَا شَاءَ الله وَكَانَ مطبوعًا يتَكَلَّم على مَذْهَب الصُّوفِيَّة فَكتبت إِلَيْهِ رقْعَة مَا يَقُول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل مَاتَ وَخلف كَذَا وَكَذَا فَفَتحهَا فتأملها فَقَرَأَ مَا تَقول السَّادة الْفُقَهَاء فِي رجل مَاتَ فَلَمَّا رَآهَا فِي الْفَرَائِض رَمَاهَا من يَده وَقَالَ أَنا أَتكَلّم على مَذَاهِب قوم إِذا مَاتُوا لم يخلفوا شيا فَعجب الْحَاضِرُونَ من حِدة خاطره
ويحكى أَن مزيدًا كَانَ يدْخل على بعض وُلَاة الْمَدِينَة فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ ذَات يَوْم ثمَّ جَاءَ فَقَالَ مَا أبطأك عني قَالَ جَارة لي كنت أهواها مُنْذُ حِين فظفرت بهَا لَيْلَتي وتمكنت مِنْهَا فَغَضب الْوَالِي وَقَالَ وَالله لآخذنك بِإِقْرَار فَلَمَّا رأى الْجد مِنْهُ قَالَ فاسمع تَمام حَدِيثي قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ فَلَمَّا أَصبَحت خرجت أطلب مُفَسرًا يُفَسر لي رُؤْيَايَ فَلم أقدر عَلَيْهِ إِلَى السَّاعَة قَالَ ذَلِك فِي الْمَنَام رَأَيْت قَالَ نعم فسكن غَضَبه وَقد روينَا عَن أبي الْفضل الربعِي عَن أَبِيه قَالَ قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا وَهُوَ مغضب لأبي دلف أَنْت الَّذِي يَقُول فِيك الشَّاعِر
(إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف بَين بادية ومحتضره)
(فَإِذا ولى أَبُو دلف ولت الدُّنْيَا على أَثَره)
فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ شَهَادَة زور وَقَول عزور وملق معتاف وَطلب عرف واصدق مِنْهُ ابْن أُخْت لي حَيْثُ يَقُول
[ ١٢٢ ]
(دعيني أجوب الأَرْض فِي طلب الْغنى فَلَا الكرخ الدُّنْيَا وَلَا النَّاس قَاسم)
فَضَحِك الْمَأْمُون وَسكن غَضَبه وروى أَن عزة وبثينة اجتمعتا فتحدثتا فاقبل كثير فَقَالَت بثينة أتحبين أَن أبين لَك إِن كثيرا غير صَادِق فِي محبتك قَالَت نعم قَالَت ادخلي الخباء فَدخلت فَدَنَا كثير فَوقف على بثينة فَسلم عَلَيْهَا فَقَالَت لَهُ مَا تركت عزة فِيك مستمعًا لأحد فَقَالَ كثير وَالله لَو أَن عزة أمة لوهبتها لَك فَقَالَت إِن كنت صَادِقا فَقل فِي هَذَا شعرًا فَأَنْشَأَ يَقُول
(رمتني على عمد بثينة بَعْدَمَا تولى شَبَابِي وارجحن شبابها)
(بعينين نجلاوين لَو رقرقتهما لنؤ الثريا لاستهل سحابها)
فبادرت عزة وكشفت الْحجاب وَقَالَت لَهُ يَا فَاسق قد سَمِعت الْبَيْتَيْنِ فَقَالَ لَهَا فاسمعي الثَّالِث قَالَت وَمَا هُوَ قَالَ
(ولكنما ترمين نفسا سقيمة لعزة مِنْهَا صفوها ولبابها)
فاستحسنت عذره
وَذكر أَبُو هِلَال العسكري أَن رجلا كَانَت لَهُ صديقَة لَهَا زوج غَائِب وَكَانَ يَأْتِيهَا على طمأنينة فَقدم زَوجهَا فَدخل فَرَأى الرجل نَائِما فَظَنهُ الْمَرْأَة فَأخذ برجليه فَوَثَبَ إِلَى السَّيْف وَكَانَ فِي جِيرَانه مُعَاوِيَة بن ستار فَنَادَى يَا مُعَاوِيَة هَل وفيت فَتوهم الزَّوْج أَنه جعل لَهُ على مَا فعل وَعلم مُعَاوِيَة أَنه مكروب فَقَالَ نعم وتعليت فَخَلَّاهُ الزَّوْج وَحكى أَبُو الْحسن بن الصابي أَن مغنية غنت بَين يَدي الْمهْدي
(مَا نقموا من بني أُميَّة إِلَّا أَنهم يسفهون إِذْ غضبوا)
فَقيل لَهَا غَلطت فَقَالَت غلطي يذكرنِي هَذَا الْبَيْت فأصلحته بِمَا سَمِعْتُمْ
[ ١٢٣ ]