نقل إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ الْعقل غريزة وَمثله عَن الْحَرْب المحاسبي وروى عَن المحاسبي أَيْضا أَنه قَالَ هُوَ نور وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ قُوَّة يفصل بهَا بَين حقائق المعلومات وَقَالَ قوم هُوَ نوع من الْعُلُوم الضرورية وَهُوَ الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ جَوْهَر بسيط وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ جسم شفاف وَسُئِلَ إعرابي عَن الْعقل فَقَالَ لب اغتنمته بتجريب وَاعْلَم أَن التَّحْقِيق فِي هَذَا أَن يُقَال هُنَا الِاسْم أعنى الْعقل ينْطَلق بالاشتراك على أَرْبَعَة معَان أَحدهَا الْوَصْف الَّذِي يُفَارق بِهِ الْإِنْسَان الْبَهَائِم وَهُوَ الَّذِي استعد لقبُول الْعُلُوم النظرية وتدبير الصناعات الْخفية الفكرية وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ من قَالَ غريزة وَكَأَنَّهُ نور يقذف فِي الْقلب يستعد بِهِ لإدراك الْأَشْيَاء وَالثَّانِي مَا وضع فِي الطباع من الْعلم بِجَوَاز الجائزات واستحالة المستحيلات وَالثَّالِث عُلُوم تستفاد من التجارب تسمى عقلا وَالرَّابِع أَن مُنْتَهى قوته الغريزية إِلَى
[ ١٠ ]
أَن نقمع الشَّهْوَة الداعية إِلَى اللَّذَّة العاجلة وَالنَّاس يتفاوتون فِي هَذِه الْأَحْوَال إِلَّا فِي الْقسم الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْعلم الضَّرُورِيّ وَقد شرحنا هَذَا وَذكرنَا فَضَائِل الْعقل فِي كتَابنَا الْمُسَمّى بمنهاج القاصدين وَهَذِه الْإِشَارَة تَكْفِي هَهُنَا فصل وَمَا اشتقاق هَذَا الِاسْم أَعنِي الْعقل فَقَالَ ثَعْلَب أَصله الِامْتِنَاع يُقَال عقلت النَّاقة إِذا منعتها من السّير وعقل بطن الرجل إِذا أحبس فصل وَأما مَحَله فَنقل الْفضل بن زِيَاد عَن أَحْمد أَن مَحَله الدِّمَاغ وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَذهب جمَاعَة من أَصْحَابنَا إِلَى أَنه فِي الْقلب كَمَا يرْوى عَن الشَّافِعِي وَاسْتَدَلُّوا بقوله تَعَالَى ﴿فَتكون لَهُم قُلُوب يعْقلُونَ بهَا﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿لمن كَانَ لَهُ قلب﴾ أَي عقل فَعبر بِالْقَلْبِ عَنهُ لِأَنَّهُ مَحَله