حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل قَالَ كَانَ عندنَا رجل من جُهَيْنَة يكنى أَبَا نصر قد ذهب عقله فَقلت لَهُ يَوْمًا مَا السخاء قَالَ جهد مقل قلت فَمَا الْخلّ قَالَ أُفٍّ وحول وَجهه فَقلت أجبني قَالَ قد أَجَبْتُك قَالَ الشبلي رَأَيْت يَوْم الْجُمُعَة معتوهًا عِنْد جَامع الرصافة قَائِما عُرْيَان وَهُوَ يَقُول أَنا مَجْنُون الله أَنا مَجْنُون الله فَقلت لَهُ لم لَا تدخل الْجَامِع وتتوارى وَتصلي فَأَنْشَأَ يَقُول
(يَقُولُونَ زرنا واقضِ وَاجِب حَقنا وَقد أسقطت حَالي حُقُوقهم عني)
(إِذا هم رَأَوْا حَالي وَلم يأنفوا لَهَا وَلم يأنفوا مِنْهَا أنفت لَهُم مني)
[ ٢٠٣ ]
قَالَ ابْن القصاب الصُّوفِي دخلت المارستان فَرَأَيْت فِيهِ فَتى مصابًا فولعت بِهِ وزدت فِي الولع فَأَتْبَعته فصاح وَقَالَ انْظُرُوا إِلَى شُعُور مطرزة وأجساد معطرة قد جعلُوا الولع بضَاعَة والسخف صناعَة فَقلت لَهُ من السخي قَالَ الَّذِي رزق أمثالكم وَأَنْتُم لَا تساوون قوت يَوْم قلت لَهُ من أقل النَّاس شكر فَقَالَ من عوفي من بلية ثمَّ رَآهَا فِي غَيره فَترك الشُّكْر فَانْكَسَرت بذلك وَقلت لَهُ مَا الظّرْف قَالَ خلاف مَا أَنْتُم عَلَيْهِ بَلغنِي عَن بعض أَصْحَاب الْمبرد أَنه قَالَ انْصَرف من مجْلِس الْمبرد يَوْمًا فجزت بخربة فَإِذا بشيخ قد خرج مِنْهَا وَمَعَهُ حجر فهم أَن يرميني بِهِ فتترست بالمحبرة والدفتر فَقَالَ مرْحَبًا بالشيخ فَقلت وَبِك قَالَ من أَيْن أَقبلت قلت من مجْلِس الْمبرد قَالَ الْبَارِد ثمَّ قَالَ مَا الَّذِي أنْشدكُمْ فَكَانَ من عَادَته أَن يخْتم مَجْلِسه بِبَيْت أَو بَيْتَيْنِ من الشّعْر فَقلت لَهُ أنشدنا
(أعَار الْغَيْث نائله إِذا مَا مَاؤُهُ تفذا)
(وَإِن أَسد شكار جبنا أعَار فُؤَاده الأسدا)
فَقَالَ أَخطَأ قَائِل هَذَا الشّعْر قلت كَيفَ قَالَ أَلا تعلم أَنه إِذا أعَار الْغَيْث نائله بَقِي بِلَا نائل وَإِذا عَار الْأسد فُؤَاده بَقِي بِلَا فؤاد قلت فَكيف كَانَ يَقُول فانشد
(علم الْغَيْث الندى فَإِذا مَا وعَاء علم الْبَأْس الْأسد)
(فَإِذا الْغَيْث مقرّ بالندى وَإِذا اللَّيْث مقرّ بِالْجلدِ)
قَالَ فكتبتها وانصرفت ثمَّ مَرَرْت يَوْمًا آخر بذلك الْمَكَان فَإِذا بِهِ قد خرج وَبِيَدِهِ حجر فكاد يرميني فتترست مِنْهُ فَضَحِك وَقَالَ مرْحَبًا بالشيخ
[ ٢٠٤ ]
فَقلت وَبِك قَالَ من مجْلِس الْمبرد قلت نعم قَالَ مَا الَّذِي أنْشدكُمْ قلت أنشدنا
(إِن السماحة والمروءة والندى قبر يمر على الطَّرِيق الْوَاضِح)
(فَإِذا مَرَرْت بقبره فاعقر بِهِ كوم الْجِيَاد وكل طرف سابح)
فَقَالَ أَخطَأ قَائِل هَذَا الشّعْر فَقلت كَيفَ قَالَ وَيحك لَو نحرت بخت خُرَاسَان لما أبر فِي حَقه قلت كَيفَ كَانَ يَقُول فَأَنْشد
(احملاني إِن لم يكن لَكمَا عقر إِلَى جنب قَبره فاعقراني)
(وانضحا من دمي عَلَيْهِ فقد كَانَ دمي من نداه لَو تعلمان)
قَالَ فَلَمَّا عدت إِلَى الْمبرد قصصت عَلَيْهِ الْقِصَّة فَقَالَ أتعرفه قلت لَا قَالَ ذَلِك خَالِد الْكَاتِب تَأْخُذهُ السَّوْدَاء أَيَّام الباذنجان قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن الرَّازِيّ مر بهْلُول بِقوم فِي أصل شَجَرَة وَكَانُوا عشرَة فَقَالَ بَعضهم لبَعض تَعَالَوْا حَتَّى نسخر ببهلول مَا قَالُوا فَجَاءَهُمْ فَقَالُوا يَا بهْلُول تصعد لنا رَأس هَذِه الشَّجَرَة وَتَأْخُذ عشرَة دَرَاهِم قَالَ نعم فَأَعْطوهُ عشرَة دَرَاهِم فصيرها فِي كمه ثمَّ الْتفت فَقَالَ هاتوا سلما فَقَالُوا لم يكن هَذَا فِي الشَّرْط فَقَالَ كَانَ فِي شرطي دون شرطكم
ولد لبَعض أُمَرَاء الْكُوفَة بنت فساءه ذَلِك وَامْتنع عَن الطَّعَام فَدخل عَلَيْهِ بهْلُول فَقَالَ مَا هَذَا الْحزن أجزعت بِخلق سوي وهبه رب الْعَالمين أَيَسُرُّك أَن مَكَانهَا أَبنَاء مثلي فسرى عَنهُ وفر يَوْمًا بهْلُول من الصّبيان فالتجأ إِلَى دَار فَوجدَ بَابهَا مَفْتُوحًا فَدَخلَهَا وَصَاحب الدَّار قَائِم لَهُ ضفيرتان فصاح مَا أدْخلك دَاري فَقَالَ ﴿يَا ذَا القرنين أَن ياجوج وماجوج مفسدون فِي الأَرْض﴾
[ ٢٠٥ ]
وَحمل عَلَيْهِ الصّبيان يَوْمًا فَدخل دَارا فَدَعَا الرجل بِالطَّعَامِ فَجعل الصّبيان يصيحون على الْبَاب وَهُوَ يَأْكُل وَيَقُول ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب﴾
وَسُئِلَ بهْلُول عَن رجل مَاتَ وَخلف أَبنَاء وبنتًا وَزَوْجَة وَلم يتْرك من المَال شَيْئا فَقَالَ للِابْن الْيَتِيم وللبنت الثكل وللزوجة خراب الْبَيْت وَمَا بَقِي فللعصبة قَالَ وَدخل بهْلُول وعليان على مُوسَى بن الْمهْدي فَقَالَ لعليان إيش معنى عليان فَقَالَ عليان وإيش معنى مُوسَى فَقَالَ خُذُوا بِرَجُل ابْن الفاعلة فَالْتَفت عليان إِلَى بهْلُول وَقَالَ خُذ إِلَيْك كُنَّا اثْنَيْنِ صرنا ثَلَاثَة كَانَ فِي بني أَسد مَجْنُون فَمر بِقوم من بني تيم الله فبعثوا بِهِ وعذبوه فَقَالَ يَا بني تيم الله مَا أعلم فِي الدُّنْيَا قوما خيرا مِنْكُم قَالُوا وَكَيف قَالَ بَنو أَسد لَيْسَ فيهم مَجْنُون غَيْرِي وَقد قيدوني وسلسلوني وكلكم مجانين لَيْسَ فِيكُم مُقَيّد وَمر مَجْنُون بمعتزلي يناظر فَقَالَ لَهُ الْمَجْنُون أَنْت الْقَائِل أَنَّك مُخَيّر بَين فعلين إِن شِئْت فعلت أَحدهمَا دون الآخر قَالَ نعم قَالَ فاخرء وَلَا تبل فَعجب النَّاس من قَوْله قَالَ أَبُو مُحَمَّد بن عجيف مربي مَجْنُون فَقلت يَا مَجْنُون قَالَ وَأَنت عَاقل قلت نعم قَالَ كلا يَا مَجْنُون وَلَكِن جنوني مَكْشُوف وجنونك مَسْتُور قلت فسر لي قلت قَالَ أَنا أخرق الثِّيَاب وارجم وَأَنت تعمر دَار لَا بَقَاء لَهَا وتطيل أملك وَمَا حياتك بِيَدِك وتعصي وليك وتطيع عَدوك قَالَ النظام قلت لمَجْنُون اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أرجع فَقَالَ أما ترجع فَلَا أضمن لَك وَلَكِنِّي أَجْلِس إِلَى اللَّيْل ادّعى رجل النُّبُوَّة وَزعم أَنه نوح فصلب فَمر بِهِ مَجْنُون فَقَالَ يَا نوح لم تحصل من سفينتك إِلَّا على الدقل بعث هِلَال بن أبي بردة إِلَى أبي عَلْقَمَة الْمَجْنُون فَلَمَّا أَتَى بِهِ قَالَ تَدْرِي لم أحضرتك قَالَ لَا قَالَ لأضحك مِنْك قَالَ لقد ضحك أحد الْحكمَيْنِ من صَاحبه يعرض بجده أبي مُوسَى
[ ٢٠٦ ]