حَدثنَا عَليّ بن الْمُغيرَة قَالَ لما حضرت نزار بن معد الْوَفَاة قسم مَاله بَين بنيه وهم أَرْبَعَة مُضر وَرَبِيعَة وإياد وأنمار فَقَالَ يَا بني هَذِه الْقبَّة الْحَمْرَاء وَهِي من آدم وَمَا أشبههَا من المَال لمضر فَسُمي مُضر الْحَمْرَاء وَهَذَا الخباء الْأسود وَمَا أشبه من المَال لِرَبِيعَة فَأخذ خيلادهما فَسمى ربيعَة الْفرس وَهَذِه الْخَادِم وَمَا أشبههَا من المَال لأياد وَكَانَت الْخَادِم شَمْطَاء فَأخذ إياد البلق وَهَذِه البدرة والمجلس لأنمار يجلس فِيهِ فَأخذ أَنْمَار مَا صَار لَهُ وَقَالَ لَهُم إِن أشكل الْأَمر عَلَيْكُم فِي ذَلِك واختلفتم فِي الْقِسْمَة فَعَلَيْكُم بالأفعى الجرهمي فَاخْتَلَفُوا فتوجهوا إِلَى الأفعى فَبَيْنَمَا هم يَسِيرُونَ إِذْ رأى مُضر كلاء قد رعى فَقَالَ إِن الْبَعِير الَّذِي رعى هَذَا لأعور فَقَالَ ربيعَة وَهُوَ أَزور وَقَالَ إياد وَهُوَ ابتر وَقَالَ أَنْمَار وَهُوَ شرود فَلم يَسِيرُوا إِلَّا قَلِيلا حَتَّى لَقِيَهُمْ رجل تُوضَع بِهِ رَاحِلَته فَسَأَلَهُمْ عَن الْبَعِير فَقَالَ مُضر هُوَ أَعور قَالَ نعم قَالَ ربيعَة هُوَ أَزور قَالَ نعم قَالَ إياد هُوَ ابتر قَالَ نعم قَالَ أَنْمَار هُوَ شرود قَالَ نعم هَذِه وَالله صفة بَعِيري دلوني عَلَيْهِ فَحَلَفُوا لَهُ أَنهم مَا رَأَوْهُ فلزمهم وَقَالَ كَيفَ أصدقكم وَأَنْتُم تصفون بَعِيري بِصفتِهِ فَسَارُوا حَتَّى قدمُوا على
[ ٨٥ ]
نَجْرَان فنزلوا بالأفعى الجرهمي فَنَادَى صَاحب الْبَعِير أَصْحَاب بَعِيري وصفوا لي صفته ثمَّ قَالُوا لم نره فَقَالَ الجرهمي كَيفَ وصفتموه وَلم تروه فَقَالَ مُضر رَأَيْته يرْعَى جانبًا ويدع جانبًا فَعرفت أَنه أَعور وَقَالَ ربيعَة رَأَيْت إِحْدَى يَدَيْهِ ثَابِتَة الْأَثر وَالْأُخْرَى فَاسِدَة الْأَثر فَعرفت أَنه أفسدها بِشدَّة وطئته لإزوراره وَقَالَ إياد عرفت بتره باجتماع بعره وَلَو كَانَ ذيالًا لمصع بعره بِهِ وَقَالَ أَنْمَار عرفت أَنه شرود أَنه كَانَ يرْعَى فِي الْمَكَان الملتف نبته ثمَّ يجوز إِلَى مَكَان آخر أرق مِنْهُ وأخبث فَقَالَ الشَّيْخ لَيْسُوا بأصحاب بعيرك فاطلبه ثمَّ سَأَلَهُمْ من هم فأخبروه فَرَحَّبَ بهم وَقَالَ تحتاجون إِلَيّ وَأَنْتُم كَمَا أرى فَدَعَا لَهُم بِطَعَام فَأكل وأكلوا وَشرب وَشَرِبُوا فَقَالَ مُضر لم أر كَالْيَوْمِ خمرًا أَجود لَوْلَا أَنَّهَا على قبر وَقَالَ ربيعَة لم أر كَالْيَوْمِ لَحْمًا أطيب لَوْلَا أَنه رَبِّي بِلَبن كلبة وَقَالَ إياد لم أر كَالْيَوْمِ رجلا سريًا لَوْلَا أَنه لَيْسَ لِأَبِيهِ الَّذِي يَدعِي لَهُ وَقَالَ أَنْمَار لم أر كَالْيَوْمِ كلَاما أَنْفَع من حاجتنا فَلَمَّا سمع صَاحبهمْ كَلَامهم فَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ إِلَّا شياطين فَسَأَلَ أمه فَأَخْبَرته أَنَّهَا كَانَت تَحت ملك وَلَا يُولد لَهُ ولد فَكرِهت أَن يذهب الْملك فأسكنت رجلا نزل بهم من نَفسهَا فَوَطِئَهَا وَقَالَ للقهرمان الْخمر الَّتِي شربناها مَا أمرهَا قَالَ من حَبَّة غرستها على قبر أَبِيك وَسَأَلَ الرَّاعِي عَن اللَّحْم مَا أمره فَقَالَ شَاة أرضعناها من لبن كلبة وَلم يكن ولد فِي الْغنم شَيْء غَيرهَا فَأَتَاهُم فَقَالَ قصو قصتكم فقصوا عَلَيْهِ مَا وصّى بِهِ أبوهم وَمَا كَانَ من اخْتلَافهمْ فَقَالَ مَا أشبه الْقبَّة الْحَمْرَاء من مَال فَهُوَ لمضر فَصَارَت لَهُ الدَّنَانِير وَالْإِبِل وَهن حمر فسميت مُضر الْحَمْرَاء وَمَا أشبه الخباء الْأسود من دَابَّة وَمَال فَهُوَ لِرَبِيعَة فَصَارَت لَهُ الْخَيل وَهِي دهم فَسُمي ربيعَة الْفرس وَمَا أشبه الْخَادِم وَكَانَت شَمْطَاء من مَال فِيهِ بلق فَهُوَ لإياد فَصَارَت لَهُ الْمَاشِيَة البلق من الْخَيل وَالْبَقر وَقضى لأنمار بِالدَّرَاهِمِ وَالْأَرْض فَسَارُوا من عِنْده على ذَلِك قَالَ مؤلف الْكتاب وَاعْلَم أَن الْعَرَب
[ ٨٦ ]
تضرب الْمثل للذكي بالدهاء فَيَقُولُونَ أدهى من قيس بن زُهَيْر وَهُوَ سيد عبس وَكَانَ شَدِيد الذكاء وَمن كَلَامه أَرْبَعَة لَا يطاقون عبد ملك ونذل شبع وَأمة ورثت وقبيحة تزوجت
عَن الشّعبِيّ قَالَ خرج عَمْرو بن معد يكرب يَوْمًا حَتَّى انْتهى إِلَى حَيّ فَإِذا بفرس مشدودة ورمح مركوز وَإِذا صَاحبه فِي وهدة يقْضِي حَاجته فَقلت لَهُ خُذ حذرك فَإِنِّي قَاتلك قَالَ وَمن أَنْت قلت عَمْرو بن معد يكرب قَالَ يَا أَبَا ثَوْر مَا أنصفتني أَنْت على ظهر فرسك وَأَنا فِي بِئْر فَأعْطِنِي عهدا إِنَّك لَا تقتلني حَتَّى أركب فرسي وَأخذ جذري فأعطيته عهدا أَن لَا أَقتلهُ حَتَّى يركب فرسه وَيَأْخُذ حذره فَخرج من الْموضع الَّذِي كَانَ فِيهِ حَتَّى أحتبي بِسَيْفِهِ وَجلسَ فَقلت لَهُ مَا هَذَا قَالَ مَا أَنا بِرَاكِب فرسي وَلَا مقاتلك فَإِن كنت نكثت عهدا فَأَنت أعلم فتركته ومضيت فَهَذَا أُحِيل من رَأَيْت
عَن أبي حَاتِم الْأَصْمَعِي قَالَ حَدثنَا شيخ من بني العنبرة قَالَ أسرت بني شَيبَان رجلا من بني العنبر فَقَالَ لَهُم أرسل إِلَى أَهلِي ليفدوني قَالُوا وَلَا تكلم الرَّسُول إِلَّا بَين أَيْدِينَا فجاؤه برَسُول فَقَالَ لَهُ ائْتِ قومِي فَقل لَهُم أَن الشّجر قد أَوْرَق وَأَن النِّسَاء قد اشتكت ثمَّ قَالَ لَهُ أتعقل قَالَ نعم اعقل قَالَ فَمَا هَذَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ قَالَ هَذَا اللَّيْل قَالَ أَرَاك تعقل انْطلق فَقل لأهلي عروا جملي الأصهب واركبوا نَاقَتي الْحَمْرَاء وسلوا حَارِثَة عَن أَمْرِي فَأَتَاهُم الرَّسُول فأرسلوا إِلَى حَارِثَة فَقص عَلَيْهِم الرَّسُول الْقِصَّة فَلَمَّا خلا مَعَهم قَالَ أما قَوْله أَن الشّجر قد أَوْرَق فَإِنَّهُ يُرِيد أَن الْقَوْم قد تسلحوا وَقَوله أَن النِّسَاء قد اشتكت فَإِنَّهُ يُرِيد أَنَّهَا قد اتَّخذت الشكا للغزور وَهِي الأسقية وَقَوله هَذَا اللَّيْل يُرِيد يأتوكم مثل اللَّيْل أَو فِي اللَّيْل وَقَوله عروا جملي الأصهب يُرِيد ارتحلوا عَن الصمان وَقَوله اركبوا نَاقَتي يُرِيد اركبوا الدهناء فَلَمَّا قَالَ لَهُم ذَلِك تحملوا من
[ ٨٧ ]
مكانهم فَأَتَاهُم الْقَوْم فَلم يَجدوا مِنْهُم أحد
قَالَ مؤلف الْكتاب وَبَلغنِي عَن أبي الْأَعرَابِي قَالَ أسرت طَيء رجلا شَابًّا من الْعَرَب فَقدم عَلَيْهِ أَبوهُ وَعَمه ليفدياه فاشتطوا عَلَيْهِمَا فِي الْفِدَاء فأعطيا بِهِ عَطِيَّة لم يرضوها فَقَالَ أَبوهُ لَا وَالَّذِي جعل الفرقدين يصبحان ويمسيان على جبل طَيئ لَا أَزِيدكُم على مَا أَعطيتكُم ثمَّ انصرفا فَقَالَ الْأَب للعم لقد ألقيت إِلَى ابْني كلمة لَئِن كَانَ فِيهِ خير لينجون فَمَا لبث أَن جَاءَ وطرد قِطْعَة من أبلهم فَذهب بهَا كَأَنَّهُ قَالَ لَهُ الزم الفرقدين على جبل طَيئ فَإِنَّهُمَا طالعان عَلَيْهِ وَلَا يغيبان عَنهُ
حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي عَن بعض مشايخه أَن رجلا من بني تَمِيم كَانَت لَهُ ابْنة جميلَة وَكَانَ غيورًا فابتنى لَهَا فِي دَاره صومعة وَجعلهَا فِيهَا وَزوجهَا من أكفائه من بني عَمها وَأَن فَتى من كنَانَة مر بالصومعة فَنظر إِلَيْهَا وَنظرت إِلَيْهِ فَاشْتَدَّ وجد كل وَاحِد مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ وَلم يُمكنهُ الْوُصُول إِلَيْهَا وَأَنه افتعل بَيْتا من الشّعْر ودعا غُلَاما من الْحَيّ فَعلمه الْبَيْت وَقَالَ لَهُ ادخل هَذِه الدَّار وانشد كَأَنَّك لاعب وَلَا ترفع رَأسك وَلَا تصوبه وَلَا تومئ فِي ذَلِك إِلَى أحد فَفعل الْغُلَام مَا أَمر بِهِ وَكَانَ زوج الْجَارِيَة قد أزمع على سفر بعد يَوْم أَو يَوْمَيْنِ فَأَنْشد الْغُلَام يَقُول
(لحى الله من يلحي على الْحبّ أَهله وَمن يمْنَع النَّفس اللجوج هَواهَا)
قَالَ فَسمِعت الْجَارِيَة ففهمت فَقَالَت
(إِلَّا إِنَّمَا بَين التَّفَرُّق لَيْلَة وتعطى نفوس العاشقين مناها)
قَالَ فَسمِعت الْأُم ففهمت فأنشأت تَقول
[ ٨٨ ]
(إِلَّا إِنَّمَا تعنون نَاقَة رحلكم فَمن كَانَ ذَا نُوق لَدَيْهِ رعاها)
قَالَ فَسمع الْأَب فَأَنْشَأَ يَقُول
(فَأَنا سنرعاها ونوثق قيدها ونطرد عَنْهَا الْوَحْش حِين أَتَاهَا)
فَسمع الزَّوْج ففهم فَأَنْشَأَ يَقُول
(سَمِعت الَّذِي قُلْتُمْ فها أَنا مُطلق فتاتكم مهجورة لبلاها)
قَالَ فَطلقهَا الزَّوْج وخطبها ذَلِك الْفَتى وأرغبهم فِي الْمهْر فَتَزَوجهَا
حَدثنَا الْعُتْبِي قَالَ اشْتَدَّ الْحر عندنَا بِالْبَصْرَةِ لَيْلَة وركدت الرّيح فَقيل لإعرابي كَيفَ هواؤكم البارحة قَالَ امسك كَأَنَّهُ يستمع حَدثنَا الرّبيع قَالَ سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول وقف إعرابي على قوم فَقَالَ رحمكم الله أَنِّي من أَبنَاء سَبِيل وأفضاء سفر فرحم الله امْرأ أعْطى من سَعَة وواسى من كفاف فَأعْطَاهُ رجل درهما فَقَالَ لَهُ آجرك الله من غير أَن يبتليك عَن ابْن الْأَعرَابِي قَالَ قَالَ رجل من الْأَعْرَاب لِأَخِيهِ أتشرب الخازر من اللَّبن وَلَا تتنحنح فَقَالَ نعم فتجاعلا جعلا فَلَمَّا شربه أَذَاهُ فَقَالَ كَبْش أَمْلَح وَنبت أقبح وَأَنا فِيهِ أسجح فَقَالَ أَخُوهُ قد تنحنحت فَقَالَ من تنحنح فَلَا أَفْلح
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْمُنْذر الْحزَامِي قَالَ قدم إعرابي من أهل الْبَادِيَة على رجل من أهل الْحَضَر قَالَ فأنزله وَكَانَ عِنْده دَجَاج كثير وَله امْرَأَة وابنان وابنتان مِنْهُمَا قَالَ فَقلت لامرأتي اشوي لي دجَاجَة وقدميها لنا نتغدى بهَا فَلَمَّا حضر الْغَدَاء جلسنا جَمِيعًا أَنا وامرأتي وابناي وابنتاي والأعرابي قَالَ فدفعنا إِلَيْهِ الدَّجَاجَة فَقُلْنَا اقسمها بَيْننَا نُرِيد بذلك أَن نضحك مِنْهُ قَالَ لَا أحسن الْقِسْمَة فَإِن رَضِيتُمْ بقسمتي قسمت بَيْنكُم
[ ٨٩ ]
قُلْنَا فَإنَّا نرضى قَالَ فَأخذ رَأس الدَّجَاجَة فَقَطعه ثمَّ ناولنيه وَقَالَ الرَّأْس للرئيس ثمَّ قطع الجناحين قَالَ والجناحان للابنين ثمَّ قطع السَّاقَيْن فَقَالَ والساقان للابنتين ثمَّ قطع الزمكي وَقَالَ الْعَجز للعجوز ثمَّ قَالَ الزُّور للزائر فَأخذ الدَّجَاجَة بأسرها فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قلت لامرأتي أشوي لنا خمس دجاجات فَلَمَّا حضر الْغَدَاء قُلْنَا اقْسمْ بَيْننَا قَالَ أظنكم وجدْتُم من قسمتي أمس قُلْنَا لَا لم نجد فاقسم بَيْننَا فَقَالَ شفعا أَو وترا قُلْنَا وترا قَالَ نعم أَنْت وامرأتك ودجاجة ثَلَاثَة وَرمى بدجاجة ثمَّ قَالَ وابناك ودجاجة ثَلَاثَة وَرمى الثَّانِيَة ثمَّ قَالَ وابنتاك ودجاجة ثَلَاثَة ثمَّ قَالَ وَأَنا ودجاجتان ثَلَاثَة فَأخذ الدجاجتين فرآنا وَنحن نَنْظُر إِلَى دجاجتيه قَالَ مَا تنْظرُون لَعَلَّكُمْ كرهتم قسمتي الْوتر مَا تَجِيء إِلَّا هَكَذَا قُلْنَا فاقسمها شفعا قَالَ فقبضهن إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ أَنْت وابناك ودجاجة أَرْبَعَة وَرمى إِلَيْهِ بدجاجة والعجوز وابنتاها ودجاجة أَرْبَعَة وَرمى إلَيْهِنَّ بدجاجة ثمَّ قَالَ وَأَنا وَثَلَاث دجاجات أَرْبَعَة وَضم إِلَيْهِ ثَلَاث دجاجات ثمَّ رفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ الْحَمد لله أَنْت فهمتها لي
قَالَ قيل لأعرابي كَيفَ أَصبَحت قَالَ أَصبَحت وَأرى كل شَيْء مني فِي إدبار وإدباري فِي إقبال
حَدثنِي مهْدي بن سَابق قَالَ اقبل أَعْرَابِي يُرِيد رجلا وَبَين يَدي الرجل طبق تين فَلَمَّا أبْصر الإعرابي غطى التِّين بكسائه والإعرابي يلاحظه فَجَلَسَ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ الرجل هَل تحسن من الْقُرْآن شَيْئا قَالَ نعم فاقرأ فَقَرَأَ ﴿وَالزَّيْتُون وطور سينين﴾ قَالَ الرجل فَأَيْنَ التِّين قَالَ التِّين تَحت كسائك
حَدثنَا عِيسَى بن عمر قَالَ ولي إعرابي الْبَحْرين فَجمع يهودها وَقَالَ مَا تَقولُونَ فِي عِيسَى بن مَرْيَم قَالُوا نَحن قَتَلْنَاهُ وصلبناه قَالَ
[ ٩٠ ]
فَقَالَ الإعرابي لَا جرم فَهَل أديتم دِيَته فَقَالُوا لَا فَقَالَ وَالله لَا تخرجُونَ من عِنْدِي حَتَّى تُؤَدُّوا إِلَيّ دِيَته فَمَا خَرجُوا حَتَّى دفعوها لَهُ
حَدثنَا ابْن قُتَيْبَة قَالَ كَانَ أَبُو العاج على حوالي الْبَصْرَة فَأتى بِرَجُل من النَّصَارَى فَقَالَ مَا اسْمك فَقَالَ بنْدَار شهر بنْدَار فَقَالَ أَنْتُم ثَلَاثَة وحزية وَاحِدَة لَا وَالله الْعَظِيم فَأخذ مِنْهُ ثَلَاث حزى قَالَ وَولى تبَالَة فَصَعدَ الْمِنْبَر فَمَا حمد الله وَلَا أثنى عَلَيْهِ حَتَّى قَالَ إِن الْأَمِير ولاني بلدكم وَأَنِّي وَالله مَا أعرف من الْحق مَوضِع صوتي هَذَا وَلنْ أُوتِيَ بظالم وَلَا مظلوم إِلَّا أوجعتهما ضربا فَكَانُوا يتعاطون الْحق بَينهم وَلَا يرتفعون إِلَيْهِ
قَالَ روى أَن أَعْرَابِيًا جَاءَ إِلَى عَمْرو بن عبيد فَقَالَ لَهُ أَن نَاقَتي سرقت فَادع الله أَن يردهَا عَليّ فَقَالَ اللَّهُمَّ أَن نَاقَة هَذَا الْفَقِير سرقت وَلم ترد سرقتها اللَّهُمَّ أرددها عَلَيْهِ فَقَالَ الْأَعرَابِي يَا شيخ الْآن ذهبت نَاقَتي ويئست مِنْهَا قَالَ وَكَيف قَالَ لِأَنَّهُ إِذا أَرَادَ أَن لَا تسرق فسرقت لم آمن أَن يُرِيد رُجُوعهَا فَلَا ترجع ونهض من عِنْده منصرفًا
اسْتَأْذن حَاجِب بن زُرَارَة على كسْرَى فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب من أَنْت قَالَ أَنا رجل من الْعَرَب فَإِذن لَهُ فَلَمَّا وقف بَين يَدَيْهِ قَالَ لَهُ من أَنْت قَالَ سيد الْعَرَب قَالَ ألم تقل للحاجب أَنا رجل مِنْهُم قَالَ بلَى ولكنني وقفت بِبَاب الْملك وَأَنا رجل مِنْهُم فَلَمَّا وصلت إِلَى الْملك سدتهم فَقَالَ كسْرَى زه أحشوا فَاه درا قَالَ الجاحظ قَالَ رجل لأعرابي أتهمز إِسْرَائِيل قَالَ أَنِّي أذن لرجل سوء قَالَ تجر فلسطين قَالَ أَنِّي إِذن لقوي قَالَ كتب أَبُو صاعد الشَّاعِر إِلَى الغنوى رقْعَة فِيهَا
[ ٩١ ]
(رَأَيْت فِي النّوم إِنِّي مَالك فرسا ولي نصيف وَفِي كفي دَنَانِير)
(فَقَالَ قوم لَهُم علم وَمَعْرِفَة رَأَيْت خيرا وللأحلام تَفْسِير)
(أقصص مَنَامك فِي دَار الْأَمِير تَجِد تَحْقِيق ذَاك وللفال التباشير)
فَلَمَّا قَرَأَهَا كتب فِي ظهرهَا ﴿أضغاث أَحْلَام وَمَا نَحن بِتَأْوِيل الأحلام بعالمين﴾
قَالَ أنْشد رجل أَبَا عُثْمَان الْمَازِني شعرًا لَهُ قَالَ كَيفَ ترَاهُ قَالَ أَرَاك قد عملت عملا بِإِخْرَاج هَذَا من جوفك لِأَنَّك لَو تركته لأورثك الشَّك
قيل نزل إعرابي فِي سفينة فَاحْتَاجَ إِلَى البرَاز فصاح الصَّلَاة الصَّلَاة فقربوا إِلَى الشط فَخرج فَقضى حَاجته ثمَّ رَجَعَ قَالَ ادفعوا فَعَلَيْكُم بعد وَقت وقف أَعْرَابِي على قوم فَسَأَلَهُمْ عَن أسمائهم فَقَالَ أحدهم اسْمِي وثيق وَقَالَ الآخر منيع وَقَالَ الآخر اسْمِي ثَابت وَقَالَ وَقَالَ الآخر أسمي شَدِيد فَقَالَ الْأَعرَابِي مَا أَظن الأقفال عملت إِلَّا من أسمائكم
قَالَ هِشَام بن عبد الْملك يَوْمًا لأَصْحَابه من يسبني وَلَا يفحش وَهَذَا الْمطرف لَهُ وَكَانَ فيهم أَعْرَابِي فَقَالَ القه يَا أَحول فَقَالَ خُذْهُ قَاتلك الله وقف أَبُو العيناء على بَاب صاعد فَقيل لَهُ هُوَ يُصَلِّي فَانْصَرف وَعَاد فَقيل لَهُ فِي الصَّلَاة فَقَالَ لكل جَدِيد لَذَّة
سُئِلَ الْحسن لأي شَيْء اسْتحبَّ صَوْم أَيَّام الْبيض فَقَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ أَعْرَابِي فِي حلقته لكني أَدْرِي قَالَ وَمَا هُوَ قَالَ لِأَن الْقَمَر لَا ينكسف إِلَّا فِيهِنَّ فَأحب الله ﷿ أَن لَا يحدث فِي السَّمَاء أَمر أَلا حدثت لَهُ فِي الأَرْض عبَادَة
[ ٩٢ ]
حضر إعرابي مائدة سُلَيْمَان بن عبد الْملك فَجعل يمد يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب كل مِمَّا بَين يَديك فَقَالَ من أجدب انتجع فشق ذَلِك على سُلَيْمَان وَقَالَ لَا يعد إِلَيْنَا وَدخل إعرابي آخر فَمد يَدَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْحَاجِب كل مِمَّا يليك فَقَالَ من أخصب تخير فأعجب ذَلِك سُلَيْمَان وَقضى حَوَائِجه
حدث ابْن الْمُدبر قَالَ انْفَرد الرشيد وَعِيسَى بن جَعْفَر بن الْمَنْصُور وَالْفضل بن الرّبيع فِي طَرِيق الصَّيْد فَلَقوا إعرابيًا فصيحًا فولع بِهِ عِيسَى إِلَى أَن قَالَ لَهُ يَا ابْن الزَّانِيَة فَقَالَ لَهُ بئْسَمَا قلت قد وَجب عَلَيْك ردهَا أَو الْعِوَض فارض بِهَذَيْنِ المليحين بحكمان بَيْننَا قَالَ عِيسَى قد رضيت فَقَالَا للأعرابي خُذ مِنْهُ دانقين عوضا من شتمك فَقَالَ هَذَا الحكم قَالَ نعم قَالَ فَهَذَا دِرْهَم خذوه وأمكم جَمِيعًا زَانِيَة وَقد أرجحت لكم بدل مَا وَجب لي عَلَيْكُم فغلب عَلَيْهِم الضحك وَمَا كَانَ لَهُم سرُور فِي ذَاك النَّهَار إِلَّا حَدِيث الْأَعرَابِي وضمه الرشيد إِلَى خاصته سمع إعرابي رجلا يروي عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ من نوى حجَّة وعاقه عَنْهَا عائق كتبت لَهُ فَقَالَ الْأَعرَابِي مَا وَقع الْعَام كِرَاء أرخص من هَذَا
نظر إعرابي إِلَى الْبَدْر فِي رَمَضَان فَقَالَ سمنت فأهزلتني أَرَانِي الله فِيك السبل ودعا إعرابي على عَامل فَقَالَ صب الله عَلَيْك الصادات يَعْنِي الصفع وَالصرْف والصلب وَقَالَ إعرابي اللَّهُمَّ من ظَلَمَنِي مرّة فاجزه وَمن ظَلَمَنِي مرَّتَيْنِ فأجزني وأجزه وَمن ظَلَمَنِي ثَلَاث مَرَّات فاجزني وَلَا تجزه وَقَالَ إعرابي لامْرَأَته أَيْن بلغت قدركم قَالَت قد قَامَ خطيبها تعنى الغليان وقف الْمهْدي على عَجُوز من الْعَرَب فَقَالَ لَهَا مِمَّن أَنْت فَقَالَت من طيىء فَقَالَ مَا منع طيًا أَن يكون
[ ٩٣ ]
فيهم آخر مثل حَاتِم فَقَالَت مسرعة الَّذِي منع الْمُلُوك أَن يكون فيهم مثلك فَعجب من سرعَة جوابها وَأمر لَهَا بصلَة وَقَالَ الْأَصْمَعِي سَأَلت إعرابية عَن وَلَدهَا كنت أعرفهُ فَقَالَت مَاتَ وَالله قد آمنني الله بفقده المصائب ثمَّ قَالَت
(وَكنت أَخَاف الدَّهْر مَا كَانَ بَاقِيا فَلَمَّا تولى مَاتَ خوفي من الدَّهْر)
سمع ابْن الإعرابي رجلا يَقُول أتوسل إِلَيْكُم بعلي وَمُعَاوِيَة فَقَالَ لَهُ جمعت بن ساكنين
حَدثنَا مُحَمَّد بن سعد قَالَ كَانَ الهرمزان من أهل فَارس فَلَمَّا انْقَضى أَمر جلولًا خرج يزدْ جرد من حلوان إِلَى أَصْبَهَان ثمَّ أَتَى اصطخر وَوَجهه الهرمزان إِلَى بَلْدَة تستر فضبطها وتحصن فِي القلعة وحاصرهم أَبُو مُوسَى ثمَّ نزل أهل القلعة على حكم عمر فَبعث أَبُو مُوسَى بالهرمزان وَمَعَهُ اثْنَا عشر أَسِيرًا من الْعَجم عَلَيْهِم الديباج ومناطق الذَّهَب وأسورة الذَّهَب فَقدم بهم الْمَدِينَة فِي زيهم ذَلِك فَجعل النَّاس يعْجبُونَ فَأتوا بهم منزل عمر فَلم يصادفوه فَجعلُوا يطلبونه فَقَالَ الهرمزان بِالْفَارِسِيَّةِ قد ضل ملككم فَقيل لَهُم هُوَ فِي الْمَسْجِد فَدَخَلُوا فوجدوه نَائِما متوسدًا رِدَاءَهُ فَقَالَ الهرمزان إِن هَذَا ملككم قَالُوا هَذَا الْخَلِيفَة قَالَ أما لَهُ حَاجِب وَلَا حارس قَالُوا الله حارسه حَتَّى يَأْتِي عَلَيْهِ أَجله فَقَالَ الهرمزان هَذَا الْملك الهني فَقَالَ عمر الْحَمد لله الَّذِي أذلّ هَذَا وشيعته بِالْإِسْلَامِ فَاسْتَسْقَى الهرمزان فَقَالَ عمر لَا يجمع عَلَيْك الْقَتْل والعطش فَدَعَا لَهُ بِمَاء فَأمْسك بِيَدِهِ فَقَالَ عمر اشرب لَا بَأْس عَلَيْك أَنِّي غير قَاتلك حَتَّى تشربه فَرمى بِالْإِنَاءِ من يَده فَأمر عمر بقتْله فَقَالَ أولم تؤمني قَالَ وَكَيف قَالَ قلت لي لَا بَأْس عَلَيْك فَقَالَ الزبير وَأنس وَأَبُو سعيد صدق فَقَالَ عمر قَاتله الله أَخذ أَمَانًا وَلَا أشعر ثمَّ أسلم بعد ذَلِك الهرمزان
[ ٩٤ ]
عَن عبد الْملك بن عُمَيْر قَالَ سَمِعت الْمُغيرَة بن شُعْبَة يَقُول مَا خدعني قطّ غير غُلَام من بني الْحَرْث بن كَعْب فَإِنِّي ذكرت امْرَأَة مِنْهُم وَعِنْدِي شَاب من بني الْحَرْث فَقَالَ أَيهَا الْأَمِير أَنه لَا خير لَك فِيهَا فَقلت وَلم قَالَ رَأَيْت رجلا يقبلهَا فأقمت أَيَّامًا ثمَّ بَلغنِي أَن الْفَتى تزوج بهَا فَأرْسلت إِلَيْهِ فَقلت ألم تعلمني انك رَأَيْت رجلا يقبلهَا قَالَ بلَى رَأَيْت أَبَاهَا يقبلهَا فَإِذا ذكرت الْفَتى وَمَا صنع غمني ذَلِك
قَالَ الْهَيْثَم وَأخْبرنَا الْفُرَات بن الْأَحْنَف بن مرح الْعَبْدي عَن أَبِيه أَن رجلا خطب إِلَى قوم فَقَالُوا مَا تعالج قَالَ أبيع الدَّوَابّ فَزَوجُوهُ ثمَّ سَأَلُوا عَنهُ فَإِذا هُوَ يَبِيع السنانير فخاصموه إِلَى شُرَيْح فَقَالَ السنانير دَوَاب وأنفذ تَزْوِيجه أخبرنَا الْأَصْمَعِي أَن مُحَمَّد بن الحنيفة أَرَادَ أَن يقدم الْكُوفَة أَيَّام الْمُخْتَار فَقَالَ الْمُخْتَار حِين بلغه ذَلِك أَن فِي الْمهْدي عَلامَة يضْربهُ رجل فِي السُّوق بِالسَّيْفِ فَلَا يضرّهُ فَلَمَّا بلغ ذَلِك مُحَمَّد أَقَامَ وَلم يقدم الْكُوفَة
أخبرنَا دَاوُد بن الرشيد قَالَ قلت للهيثم بن عدي بِأَيّ شَيْء اسْتحق سعيد بن عُثْمَان أَن ولاه الْمهْدي الْقَضَاء وأنزله مِنْهُ تِلْكَ الْمنزلَة الرفيعة قَالَ أَن خَبره فِي اتِّصَاله بالمهدي ظريف فَإِن أَحْبَبْت شرحته لَك قَالَ قلت وَالله قد أَحْبَبْت ذَلِك قَالَ أعلم أَنه وافى الرّبيع الْحَاجِب حِين أفضت الْخلَافَة إِلَى الْمهْدي فَقَالَ اسْتَأْذن على أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ لَهُ الرّبيع من أَنْت وَمَا حَاجَتك قَالَ أَنا رجل قد رَأَيْت لأمير الْمُؤمنِينَ رُؤْيا صَالِحَة وَقد أَحْبَبْت أَن تذكروني لَهُ فَقَالَ لَهُ الرّبيع يَا هَذَا أَن الْقَوْم لَا يصدقون مَا يرونه لأَنْفُسِهِمْ فَكيف مَا يرَاهُ لَهُم غَيرهم فاحتل بحيلة هِيَ أرد عَلَيْك من هَذِه فَقَالَ لَهُ إِن لم تخبره بمكاني سَأَلت من يوصلني إِلَيْهِ فَأَخْبَرته أَنِّي سَأَلتك الْأذن عَلَيْهِ فَلم تفعل فَدخل الرّبيع على الْمهْدي فَقَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنكُمْ قد أطمعتم النَّاس فِي أَنفسكُم فقد احْتَالُوا لكم بِكُل ضرب قَالَ لَهُ هَكَذَا صنع الْمُلُوك فَمَا ذَاك قَالَ رجل
[ ٩٥ ]
بِالْبَابِ يزْعم أَنه قد رأى لأمير الْمُؤمنِينَ رُؤْيا حَسَنَة وَقد أحب أَن يقصها عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ الْمهْدي وَيحك يَا ربيع أَنِّي وَالله أرى الرُّؤْيَا لنَفْسي فَلَا تصح لي فَكيف إِذا ادَّعَاهَا من لعِلَّة قد افتعلها قَالَ وَالله قلت لَهُ مثل هَذَا فَلم يقبل قَالَ هَات الرجل فَأدْخل إِلَيْهِ سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَكَانَ لَهُ رُؤْيَة وجمال ومروءة ظَاهِرَة ولحية عَظِيمَة ولسان فَقَالَ لَهُ الْمهْدي هَات بَارك الله عَلَيْك مَاذَا رَأَيْت قَالَ رَأَيْت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ آتِيَا أَتَانِي فِي مَنَامِي فَقَالَ لي أخبر أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمهْدي أَنه يعِيش ثَلَاثِينَ سنة فِي الْخلَافَة وَآيَة ذَلِك أَنه يرى فِي ليلته هَذِه فِي مَنَامه كَأَنَّهُ يقلب يَوَاقِيت ثمَّ يعدها فيجدها ثَلَاثِينَ ياقوتة كَأَنَّهَا قد وهبت لَهُ فَقَالَ الْمهْدي مَا أحسن مَا رَأَيْت وَنحن نمتحن رُؤْيَاك فِي ليلتنا الْمُقبلَة على مَا أخبرتنا بِهِ فَإِن كَانَ الْأَمر على مَا ذكرته أعطيناك مَا تُرِيدُ وَإِن كَانَ الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك لعلمنا أَن الرُّؤْيَا رُبمَا صدقت وَرُبمَا اخْتلفت قَالَ لَهُ سعيد يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمَا أَنا أصنع السَّاعَة إِذا صرت إِلَى منزلي وعيالي فَأَخْبَرتهمْ إِنِّي كنت عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ ثمَّ رجعت صفرا قَالَ لَهُ الْمهْدي فَكيف نعمل قَالَ يعجل لي أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا أحب وأحلف لَهُ بِالطَّلَاق أَنِّي قد صدقت فَأمر لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وَأمر أَن يُؤْخَذ مِنْهُ كَفِيل ليحضره من غَد ذَلِك الْيَوْم فَقبض المَال وَقيل من يكفل بك فَمد عَيْنَيْهِ إِلَى خَادِم فَرَآهُ حسن الْوَجْه والزي فَقَالَ هَذَا يكفل بِي فَقَالَ لَهُ الْمهْدي أتكفل بِهِ فاحمر وخجل وَقَالَ نعم وكفله وَانْصَرف فَلَمَّا كَانَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَة رأى الْمهْدي مَا ذكره لَهُ سعيد حرفا حرفا وَأصْبح سعيد فِي الْبَاب وَاسْتَأْذَنَ فَأذن لَهُ فَلَمَّا وَقعت عين الْمهْدي عَلَيْهِ قَالَ أَيْن مصداق مَا قلت لنا قَالَ لَهُ سعيد وَمَا رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ شَيْئا فضجع فِي جَوَابه فَقَالَ سعيد امْرَأَتي طَالِق إِن لم تكن رَأَيْت شَيْئا قَالَ لَهُ الْمهْدي وَيحك مَا أجرأك على الْحلف بِالطَّلَاق قَالَ لأنني أَحْلف على صدق قَالَ لَهُ الْمهْدي فقد وَالله رَأَيْت ذَلِك مُبينًا فَقَالَ لَهُ سعيد الله أكبر فأنجز يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ
[ ٩٦ ]
مَا وَعَدتنِي قَالَ لَهُ حبا وكرامة ثمَّ أَمر لَهُ بِثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَعشرَة تخوت ثِيَاب من كل صنف وَثَلَاثَة مراكب من أنفس دوابه محلاة فَأخذ ذَلِك وَانْصَرف فلحق بِهِ الْخَادِم الَّذِي كَانَ كفل بِهِ وَقَالَ لَهُ سَأَلتك بِاللَّه هَل كَانَ لهَذِهِ الرُّؤْيَا الَّتِي ذكرتها من أصل قَالَ لَهُ سعيد لَا وَالله قَالَ الْخَادِم كَيفَ وَقد رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا ذكرته لَهُ قَالَ هَذِه من المخاريق الْكِبَار الَّتِي لَا يأبه لَهَا أمثالكم وَذَلِكَ أَنِّي لما ألقيت إِلَيْهِ هَذَا الْكَلَام خطر بِبَالِهِ وَحدث بِهِ نَفسه وَأسر بِهِ قلبه وشغل بِهِ فكره فساعة نَام خيل لَهُ مَا حل فِي قلبه وَمَا كَانَ شغل بِهِ فكره فِي الْمَنَام قَالَ لَهُ الْخَادِم فقد حَلَفت بِالطَّلَاق قَالَ طلقت وَاحِدَة وَبقيت معي على ثِنْتَيْنِ فأرد فِي مهر عشرَة دَرَاهِم وأتخلص وأتحصل على عشرَة آلَاف دِرْهَم وَثَلَاثَة آلَاف دِينَار وَعشرَة تخوت من أَصْنَاف الثِّيَاب وَثَلَاثَة مراكب قَالَ فبهت الْخَادِم فِي وَجهه وتعجب من ذَلِك فَقَالَ لَهُ سعيد قد صدقتك وَجعلت صدقي لَك مكافآتك على كفالتك بِي فاستر على ذَلِك فَفعل ذَلِك فَطَلَبه الْمهْدي لمنادمته فنادمه وحظي عِنْده وقلده الْقَضَاء على عَسْكَر الْمهْدي فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى مَاتَ الْمهْدي قَالَ مؤلف الْكتاب هَكَذَا رويت لنا هَذِه الْحِكَايَة
عَن عَاصِم الْأَحول قَالَ حَدثنَا سمير أَن رجلا خطب امْرَأَة وَتَحْته أُخْرَى فَقَالُوا لَا نُزَوِّجك حَتَّى تطلق قَالَ اشْهَدُوا أَنِّي قد طلقت ثَلَاثًا فَزَوجُوهُ وَأقَام على امْرَأَته وَادّعى الْقَوْم الطَّلَاق فَقَالَ لَهُم كَيفَ قلت قَالُوا قُلْنَا لَا نُزَوِّجك حَتَّى تطلق ثَلَاثًا فَقلت اشْهَدُوا أَنِّي قد طلقت ثَلَاثًا فَقَالَ أما تعلمُونَ أَنه كَانَ تحتي فُلَانَة بنت فلَان فطلقتها قَالُوا بلَى قَالَ فقد طلقت ثَلَاثًا قَالُوا مَا هَذَا أردنَا فَلَمَّا وَفد شَقِيق بن ثَوْر إِلَى عُثْمَان وَقدم علينا شَقِيق أخبر أَنه سَأَلَ عُثْمَان عَن ذَلِك فَجَعلهَا نِيَّة
عَن عَوْف بن مُسلم النَّحْوِيّ عَن أَبِيه قَالَ خرج عمر بن مُحَمَّد
[ ٩٧ ]
صَاحب السَّنَد وَأَصْحَابه يَسِيرُونَ فِي بِلَاد الشّرك فَرَأَوْا شَيخا وَمَعَهُ غُلَام وَقد كَانَ الْعَدو ندر بهم فَهَرَبُوا فَقَالَ عمر يَا شيخ دلنا على قَوْمك وَأَنت آمن قَالَ أَخَاف إِن دللتك أَن يسْعَى بِهِ هَذَا الْغُلَام إِلَى الْملك فَيَقْتُلنِي وَلَكِن أقتل هَذَا الْغُلَام حَتَّى أدلك فَضرب عنق الْغُلَام فَقَالَ الشَّيْخ إِنَّمَا كرهت أَن لم أخْبرك أَنا أَن يُخْبِرك الْغُلَام فَالْآن قد أمنت وَالله لَو كَانُوا تَحت قدمي مَا رفعتها فَضرب عُنُقه
حَدثنَا الْحسن بن عمَارَة قَالَ أتيت الزُّهْرِيّ بعد أَن ترك الحَدِيث فَقلت أما أَن تُحَدِّثنِي وَأما أَن أحَدثك فَقَالَ حَدثنِي فَقلت حَدثنِي الحكم بن عتبَة عَن يحيى بن الجزار قَالَ سَمِعت عليا ﵇ يَقُول مَا أَخذ الله ﷿ على أهل الْجَهْل أَن ينتظموا حَتَّى أَخذ على أهل الْعلم أَن يعلمُوا قَالَ فَحَدثني أَرْبَعِينَ حَدِيثا حَدثنَا الْحميدِي قَالَ كُنَّا عِنْد سُفْيَان بن عُيَيْنَة فحدثنا بِحَدِيث زَمْزَم أَنه لما شرب لَهُ فَقَامَ رجل من الْمجْلس ثمَّ عَاد فَقَالَ لَهُ أَبَا مُحَمَّد أَلَيْسَ الحَدِيث بِصَحِيح الَّذِي حَدثنَا بِهِ فِي زَمْزَم أَنه لما شرب لَهُ فَقَالَ سُفْيَان نعم فَقَالَ أَنِّي قد شربت الْآن دلوا من زَمْزَم على أَن تُحَدِّثنِي بِمِائَة حَدِيث فَقَالَ سُفْيَان أقعد فحدثه بِمِائَة حَدِيث
حَدثنَا ابْن أبي ذَر قَالَ كَانَ الْحَاج إِذا ورد جلس سُفْيَان عُيَيْنَة بِبَاب بني هَاشم على مَوضِع عَال ليرى النَّاس فجَاء رجل من أَصْحَاب الحَدِيث فَقعدَ بَين يَدَيْهِ فَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد حَدثنِي فحدثه أَحَادِيث فَقَالَ زِدْنِي فزاده فَقَالَ زِدْنِي فزاده فَدفعهُ فِي صَدره فَوَقع إِلَى الْوَادي فتفاشى ذَلِك فَاجْتمع الْحَاج وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة قتل رجلا من الْحَاج فَلَمَّا كثر ذَلِك أشْفق سُفْيَان فَنزل إِلَى الرجل فَترك رَأسه فِي حجره وَقَالَ مَالك أَي شَيْء أَصَابَك فَلم يزل يرْكض رجلَيْهِ وَيزِيد من فِيهِ قَالَ وَكثر الضجيج سُفْيَان بن عُيَيْنَة قتل رجلا فَقَالَ لَهُ قُم وَيلك أما ترى النَّاس يَقُولُونَ فَقَالَ
[ ٩٨ ]
لَهُ وَهُوَ يخفي صَوته لَا وَالله لَا أقوم حَتَّى تُحَدِّثنِي مائَة حَدِيث عَن الزُّهْرِيّ وَعَمْرو بن دِينَار فَفعل فَقَامَ
قَالَ المحسن بن عَليّ التنوخي عَن أَبِيه قَالَ حججْت فِي موسم اثْنَيْنِ وَأَرْبَعين فَرَأَيْت مَالا عَظِيما وثيابًا كَثِيرَة تفرق فِي الْمَسْجِد الْحَرَام فَقلت مَا هَذَا فَقَالُوا بخراسان رجل صَالح عَظِيم النِّعْمَة وَالْمَال يُقَال لَهُ على الزراد انفذ عَام أول مَالا وثيابًا إِلَى هَهُنَا مَعَ ثِقَة لَهُ وَأمره أَن يعْتَبر قُريْشًا فَمن وجده مِنْهَا حَافِظًا لِلْقُرْآنِ دفع إِلَيْهِ كَذَا وَكَذَا ثوبا قَالَ فَحَضَرَ الرجل عَام أول فَلم يجد فِي قُرَيْش الْبَتَّةَ أحدا يحفظ الْقُرْآن إِلَّا رجلا وَاحِدًا من بني هَاشم فَأعْطَاهُ قسطه وتحدث النَّاس بِالْحَدِيثِ ورد بَاقِي المَال إِلَى صَاحبه فَلَمَّا كَانَ فِي هَذِه السّنة عَاد بِالْمَالِ وَالثيَاب فَوجدَ خلقا عَظِيما من جَمِيع بطُون قُرَيْش قد حفظوا الْقُرْآن وتسابقوا إِلَى تِلَاوَته بِحَضْرَتِهِ وَأخذُوا الثِّيَاب وَالدَّرَاهِم فقد فنيت وَبَقِي مِنْهُم من لم يَأْخُذ وهم يطالبونه قَالَ فَقلت لقد توصل هَذَا الرجل إِلَى رد فَضَائِل قُرَيْش عَلَيْهَا بِمَا يشكره الله سُبْحَانَهُ لَهُ
حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن عبد الله قَالَ كنت فِي بَيت عَمَّتي وَلها بنُون فَسَأَلت عَنْهُم فَقَالُوا قد مضوا إِلَى عبد الله بن دَاوُد فابطؤا ثمَّ جاؤا يذمونه وَقَالُوا طلبناه فِي منزله فَلم نجده وَقَالُوا هُوَ فِي بستينة لَهُ فقصدناه وَسلمنَا عَلَيْهِ وسألناه أَن يحدثنا فَقَالَ متعت بكم أَنا فِي شغل عَن هَذَا هَذِه البستينة لي فِيهَا معاش وتحتاج أَن تسقى وَلَيْسَ لنا من يسقيها فَقُلْنَا نَحن ندير الدولاب ونسقيها فَقَالَ إِن حضرتكم نِيَّة فافعلوا فأدرنا الدولاب حَتَّى سقينا الْبُسْتَان ثمَّ قُلْنَا لَهُ حَدثنَا الْآن فَقَالَ متعت بكم لَيْسَ لي نِيَّة فِي أَن أحدثكُم وَأَنْتُم كَانَت لكم نِيَّة تؤجرون عَلَيْهَا
[ ٩٩ ]
أخبرنَا عَليّ بن المحسن عَن أَبِيه قَالَ أَخْبرنِي جمَاعَة من شُيُوخ بَغْدَاد أَنه كَانَ بهَا فِي طرف الجسر سائلان أعميان أَحدهمَا يتوسل بأمير الْمُؤمنِينَ عَليّ وَالْآخر بِمُعَاوِيَة ويتعصب لَهما النَّاس ويجمعان الْقطع فَإِذا انصرفا فيقتسمان الْقطع وَكَانَا يحتالان بذلك على النَّاس
حَدثنَا عبد الْوَاحِد بن مُحَمَّد الْموصِلِي قَالَا حَدثنَا بعض فتيَان الْموصِلِي قَالَ لما قتل نَاصِر الدولة أَبَا بكر بن رايق الْموصِلِي نهب النَّاس دَاره بالموصل فَدخلت لأنهب فَوجدت كيسًا فِيهِ أَكثر من ألف دِينَار فَأَخَذته وَخفت أَن أخرج وَهُوَ معي كَذَلِك فيبصرني بعض الْجند فَيَأْخذهُ مني فطفت الدَّار فَوَقَعت على المطبخ فعمدت إِلَى قدرَة كَبِيرَة فِيهَا سكباج فطرحت الْكيس فِيهَا وحملتها على يَدي فَكل من استقبلني نظر أَنِّي ضَعِيف قد حَملَنِي الْجُوع على أَخذ تِلْكَ الْقُدْرَة الَّتِي سلمت إِلَى منزلي
وحَدثني أَبُو الْحسن بن عَبَّاس القَاضِي قَالَ رَأَيْت صديقا على بعض زوارق الجسر بِبَغْدَاد جَالِسا فِي يَوْم شَدِيد الرّيح وَهُوَ يكْتب رقْعَة فَقلت وَيحك فِي هَذَا الْموضع وَهَذَا الْوَقْت قَالَ أُرِيد أَن أَزور على رجل مرتعش ويدي لَا تساعدني فتعمدت الْجُلُوس هَهُنَا لتحرك الزورق بالموج فِي هَذِه الرّيح فجيء خطى مرتعشًا فَيُشبه خطه
قَالَ المحسن وحَدثني أَبُو الطّيب بن عبد الْمُؤمن قَالَ خرج بعض خذاق المكيدين من بَغْدَاد إِلَى حمص وَمَعَهُ امْرَأَته فَلَمَّا حصل بهَا قَالَ أَن هَذَا بلد حَمَاقَة وَأُرِيد أَن أعمل حِيلَة فتساعديني فَقَالَت شانك قَالَ كوني بموضعك وَلَا تجتازي بِي الْبَتَّةَ فَإِذا كَانَ كل يَوْم فَخذي لي ثُلثي رَطْل زبيب وثلثي رَطْل لوزا نيا فاعجنيه واجعليه وَقت الهاجرة على آجرة جَدِيدَة نظيفة لأعرفها فِي الْمِيضَاة الْفُلَانِيَّة وَكَانَت قريبَة من الْجَامِع وَلَا تزيديني على هَذَا شَيْئا وَلَا تمري بناحيتي فَقَالَت افْعَل
[ ١٠٠ ]
وَجَاء هُوَ فَاخْرُج جُبَّة صوف كَانَت مَعَه فلبسها وَسَرَاويل صوف ومئزر وَجعله على رَأسه وَلزِمَ اسطوانة يمر النَّاس عَلَيْهَا فصلى نَهَاره أجمع وَلَيْلَته أجمع لَا يستريح إِلَّا فِي الْأَوْقَات الْمَحْظُور فِيهَا الصَّلَاة فَإِذا جلس فِيهَا سبح وَلم ينْطق بِلَفْظِهِ فَتنبه على مَكَانَهُ وروعى مُدَّة وَوضعت الْعُيُون عَلَيْهِ فَإِذا هُوَ لَا يقطع الصَّلَاة وَلَا يَذُوق الطَّعَام فتحير أهل الْبَلَد فِي أمره وَكَانَ لَا يخرج من الْجَامِع إِلَّا فِي وَقت الهاجرة فِي كل يَوْم دفْعَة إِلَى تِلْكَ الميضا فيبول فِيهَا ويعد إِلَى الآجرة وَقد عرفهَا وَعَلَيْهَا ذَاك المعجبون وَقد صَار منحلًا وصرته صُورَة الْغَائِط فَمن يدْخل وَيخرج لَا يشك أَنه غَائِط فيأكله فيقيم أوده وَيرجع فَإِذا كَانَ وَقت صَلَاة الْعَتَمَة أَو فِي اللَّيْل شرب من المَاء قدر كِفَايَته وَأهل حمص يظنون أَنه لَا يطعم الطَّعَام وَلَا يَذُوق المَاء فَعظم شَأْنه عِنْدهم فقصدوه وكلموه فَلم يجبهم وَأَحَاطُوا بِهِ فَلم يلْتَفت واجتهدوا فِي خطابه فَلَزِمَ الصمت فَزَاد مجلة عِنْدهم حَتَّى أَنهم كَانُوا يتمسحون بمكانه وَيَأْخُذُونَ التُّرَاب من مَوْضِعه ويحملون إِلَيْهِ المرضى وَالصبيان فيمسح بِيَدِهِ عَلَيْهِم فَلَمَّا رأى مَنْزِلَته وَقد بلغت إِلَى ذَلِك وَكَانَ قد مضى على هَذَا الصمت سنة اجْتمع مَعَ امْرَأَته فِي الْمِيضَاة وَقَالَ إِذا كَانَ يَوْم الْجُمُعَة حِين يُصَلِّي النَّاس فتعالي فاعلق بِي والطمي وَجْهي وَقَوْلِي يَا عَدو الله يَا فَاسق قتلت ابْني بِبَغْدَاد وهربت إِلَى هَهُنَا تتعبد وعبادتك مَضْرُوب بهَا وَجهك وَلَا تفارقيني واظهري أَنَّك تريدين قَتْلِي بابنك فَإِن النَّاس سيجتمعون إِلَيْك وأمنعهم أَنا من أذيتك واعترف باني قتلته وتبت وَجئْت إِلَى هَهُنَا لِلْعِبَادَةِ وَالتَّوْبَة والندم على مَا كَانَ مني فاطلبي قودي بإقراري وحملي إِلَى السُّلْطَان فيعرضون عَلَيْك الدِّيَة فَلَا تقبليها حَتَّى يبذلوا لَك عشر ديات أَو مَا اسْتَوَى لَك بِحَسب مَا تَرين من زيادتهم وحرصهم فَإِذا تناهت أَعطيتهم فِي افتدائي إِلَى حد يَقع لَك أَنهم لَا يزِيدُونَ بعده شَيْئا فاقبلي الْفِدَاء مِنْهُم واجمعي المَال وخذيه واخرجي
[ ١٠١ ]
من يَوْمك إِلَى بَغْدَاد وَلَا تقيمي بِالْبَلَدِ فَإِنِّي سأهرب وأتبعك فَلَمَّا كَانَ من الْغَد جَاءَت الْمَرْأَة فتعلقت بِهِ وَفعلت بِهِ مَا قَالَ فَقَامَ أهل الْبَلَد ليقتلوها وَقَالُوا يَا عدوة الله هَذَا من الْإِبْدَال هَذَا قوام الْعَالم هَذَا قطب الْوَقْت فَأَوْمأ إِلَيْهِم أَن اصْبِرُوا وَلَا تناولوها بشر فصبروا وأوجز فِي صلَاته ثمَّ سلم وتمرغ فِي الأَرْض طَويلا ثمَّ قَالَ أَيهَا النَّاس هَل سَمِعْتُمْ لي كلمة مُنْذُ أَقمت عنْدكُمْ فاستبشروا بِسَمَاع كَلَامه وَارْتَفَعت ضجة عَظِيمَة وَقَالُوا لَا قَالَ إِنِّي إِنَّمَا أَقمت عنْدكُمْ تَائِبًا مِمَّا ذكرته وَقد كنت رجلا فِي دفع وخسارة فقتلت ابْن هَذِه الْمَرْأَة وتبت وَجئْت إِلَى هَهُنَا لِلْعِبَادَةِ وَكنت مُحدثا نَفسِي بِالرُّجُوعِ لَهَا لتقتلني خوفًا من أَن تكون تَوْبَتِي مَا صحت وَمَا زلت أَدْعُو الله أَن يقبل تَوْبَتِي ويمكنها مني إِلَى أَن أجيبت دَعْوَتِي باجتماعي بهَا وتمكينها من قودي فدعوها تقتلني واستودعكم الله قَالَ فارتفعت الضجة والبكاء وَهُوَ مار إِلَى وَإِلَى الْبَلَد ليَقْتُلهُ بابنها فَقَالَ الشُّيُوخ يَا قوم لقد ضللتم عَن مداواة هَذِه المحنة وحراسة بلدكم بِهَذَا العَبْد الصَّالح فارفقوا بِالْمَرْأَةِ واسألوها قبُول الدِّيَة نجمعها من أَمْوَالنَا فطافوا بهَا وسألوها فَقَالَت لَا أفعل فَقَالُوا خذي ديتين فَقَالَت شَعْرَة من ابْني بِأَلف دِيَة فَمَا زَالُوا حَتَّى بلغُوا عشر ديات فَقَالَت اجْمَعُوا المَال فَإِذا رَأَيْته وطاب قلبِي بقبوله فعلت وَإِلَّا قتلت الْقَاتِل فَجمعُوا مائَة ألف دِرْهَم وَقَالُوا خذيها فَقَالَت لَا أُرِيد إِلَّا قتل قَاتل ابْني فِي نَفسِي أثر فاقبل النَّاس يرْمونَ ثِيَابهمْ وأرديتهم وخواتيمهم وَالنِّسَاء حليهن فَأخذت ذَلِك وأبرأته من الدَّم وانصرفت وَأقَام الرجل بعد ذَلِك فِي الْجَامِع أَيَّامًا يسيرَة حَتَّى علم أَنَّهَا قد بَعدت ثمَّ هرب فِي بعض اللَّيَالِي وَطلب فَلم يُوجد وَلَا عرف لَهُ خبر حَتَّى انْكَشَفَ لَهُم أَنه كَانَ حِيلَة بعد مُدَّة طَوِيلَة
قَالَ كَانَ بِالْكُوفَةِ امْرَأَة قد ضَاقَ بزوجها المعاش فَقَالَت لَهُ لَو
[ ١٠٢ ]
خرجت فَضربت فِي الْبِلَاد وَطلبت من فضل الله تَعَالَى فَخرج إِلَى الشَّام فكسب ثَلَاثمِائَة دِرْهَم فَاشْترى بهَا نَاقَة فارهة وَكَانَت زعرة فأضجرته واغتاظ مِنْهَا وَمن زَوجته حَيْثُ أَمرته بِالْخرُوجِ فَحلف بِالطَّلَاق ليبيعها يَوْم يدْخل الْكُوفَة بدرهم ثمَّ نَدم وَأخْبر زَوجته فعمدت إِلَى سنور فعلقتها فِي عنق النَّاقة وَقَالَت أدخلها السُّوق وناد عَلَيْهَا من يَشْتَرِي هَذَا السنور بثلاثمائة دِرْهَم والناقة بدرهم وَلَا فرق بَينهمَا فَفعل فجَاء إعرابي يَدُور حول النَّاقة وَيَقُول مَا أحسنك مَا أفرهك لَوْلَا هَذَا السنور الَّذِي فِي عُنُقك وبلغنا عَن أبي دلامة أَنه دخل على الْمهْدي فأنشده قصيدة فَقَالَ لَهُ سلني حَاجَتك فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تهب لي كَلْبا فَغَضب وَقَالَ أَقُول لَك سلني حَاجَتك فَتَقول تهب لي كَلْبا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحَاجة لي أم لَك قَالَ لَا بل لَك قَالَ فَإِنِّي أَسأَلك أَن تهب لي كلب صيد فَأمر لَهُ بكلب فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هبني خرجت إِلَى الصَّيْد أعدو على رجْلي فَأمر لَهُ بِدَابَّة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فَمن يقوم عَلَيْهَا فَأمر لَهُ بِغُلَام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ فهبني قصدت صيدا وأتيت بِهِ الْمنزل فَمن يطبخه فَأمر لَهُ بِجَارِيَة فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَؤُلَاءِ أَيْن يبيتُونَ فَأمر لَهُ بدار فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد صيرت فِي عنقِي كفا أَي جمعا من عِيَال فَمن أَيْن مَا يتقوت بِهِ هَؤُلَاءِ قَالَ فَإِن أَمِير الْمُؤمنِينَ قد أقطعك ألف جريب عَامر وَألف جريب غامرا فَقَالَ أما العامر فقد عَرفته فَمَا الغامر قَالَ الخراب الَّذِي لَا شَيْء فِيهِ قَالَ فَأَنا أقطع أَمِير الْمُؤمنِينَ مائَة ألف جريب بالدو ولكنني أسأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ من ألْقى جريب جريبا وَاحِدًا عَامِرًا قَالَ من أَيْن قَالَ من بَيت المَال فَقَالَ الْمهْدي حولوا المَال وَأَعْطوهُ جريبًا فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِذا حولوا مِنْهُ المَال صَار غامر فَضَحِك مِنْهُ وأرضاه
كَانَ نَصْرَانِيّ يخْتَلف إِلَى الضَّحَّاك بن مُزَاحم فَقَالَ لَهُ يَوْمًا لم لَا تسلم قَالَ لِأَنِّي أحب الْخمر وَلَا اصبر عَنْهَا قَالَ فَاسْلَمْ واشربها
[ ١٠٣ ]
فَاسْلَمْ فَقَالَ لَهُ الضَّحَّاك إِنَّك قد أسلمت الْآن فَإِن شربت حددناك وَأَن رجعت عَن الْإِسْلَام قتلناك
وروى ضَمرَة عَن شودب قَالَ كَانَ لرجل جَارِيَة فَوَطِئَهَا سرا ثمَّ قَالَ لأَهله أَن مَرْيَم كَانَت تَغْتَسِل فِي هَذِه اللَّيْلَة فاغتسلوا فاغتسل هُوَ واغتسل أَهله قَالَ الجاحظ كَانَ رجل يرقى الضرس يسخر بِالنَّاسِ ليَأْخُذ مِنْهُم شيا وَكَانَ يَقُول للَّذي يرقيه إياك أَن يخْطر على قَلْبك اللَّيْلَة ذكر القرد فيبيت وجعًا فيبكر إِلَيْهِ فَيَقُول لَعَلَّك ذكرت القرد فَيَقُول نعم فَيَقُول من ثمَّ لم تنقع الرّقية
وبلغنا عَن عقبَة الْأَزْدِيّ أَنه أَتَى بِجَارِيَة قد جنت فِي اللَّيْلَة الَّتِي أَرَادَ أَهلهَا أَن يدخلوها إِلَى زَوجهَا فعزم عَلَيْهَا فَإِذا هِيَ قد سَقَطت فَقَالَ لأَهْلهَا أَخْلو بِي بهَا فَقَالَ لَهَا اصدقيني عَن نَفسك وعَلى خلاصك فَقَالَت أَنه قد كَانَ لي صديق وَأَنا فِي بَيت أَهلِي وَأَنَّهُمْ أَرَادوا أَن يدخلُوا بِي على زَوجي وَلست ببكر فَخفت الفضيحة فَهَل عنْدك حِيلَة فِي أَمْرِي فَقَالَ نعم ثمَّ خرج إِلَى أَهلهَا فَقَالَ إِن الجني قد أجابني إِلَى الْخُرُوج مِنْهَا فَاخْتَارُوا من أَي عُضْو تحبون أَن أخرجه من أعضائها وَاعْلَمُوا أَن الْعُضْو الَّذِي يخرج مِنْهُ الجني لَا بُد أَن يهْلك وَيفْسد فَإِن خرج من عينهَا عميت وَإِن خرج من أذنها صمت وَإِن خرج من فهما خرست وَإِن خرج من يَدهَا شلت وَإِن خرج من رجلهَا عرجت وَإِن خرج من فرجهَا ذهبت عذرتها فَقَالَ أَهلهَا مَا نجد شيا أَهْون من ذهَاب عذرتها فَأخْرج الشَّيْطَان من فرجهَا فأوهم أَنه قد فعل وَدخلت الْمَرْأَة على زَوجهَا
لطم رجل الْأَحْنَف بن قيس فَقَالَ لَهُ لم لطمتني قَالَ جعل لي
[ ١٠٤ ]
جعل أَن ألطم سيد بني تَمِيم قَالَ مَا صنعت شيا عَلَيْك بحارثة بن قدامَة فَإِنَّهُ سيد بني تَمِيم فَانْطَلق فَلَطَمَهُ فَقطع يَده وَذَلِكَ مَا أَرَادَهُ الْأَحْنَف
قَالَ الشَّيْخ حكى لنا أَبُو مُحَمَّد الخشاب النَّحْوِيّ قَالَ حَاز بعض الحاكة على طَبِيب فَرَآهُ يصف لهَذَا النقوع وَلِهَذَا التَّمْر هندي فَقَالَ من لَا يحسن مثل هَذَا فَرجع إِلَى زَوجته فَقَالَ اجعلي عمامتي كَبِيرَة فَقَالَت وَيحك أَي شَيْء قد طَرَأَ لَك قَالَ أُرِيد أَن أكون طَبِيبا قَالَت لَا تفعل فَإنَّك تقتل النَّاس فيقتلوك قَالَ لَا بُد فَخرج أول يَوْم فَقعدَ يصف للنَّاس فَحصل قراريط فجَاء فَقَالَ لزوجته أَنا كنت أعمل كل يَوْم بِحَبَّة فانظري إيش يحصل فَقَالَت لَا تفعل قَالَ لَا بُد فَلَمَّا كَانَ فِي الْيَوْم الثَّانِي اجتازت جَارِيَة فرأته فَقَالَت لسيدتها وَكَانَت شَدِيدَة الْمَرَض اشْتهيت هَذَا الطَّبِيب الْجَدِيد يداويك قَالَت ابعثي إِلَيْهِ فجَاء وَكَانَت الْمَرِيضَة قد انْتهى مَرضهَا وَمَعَهَا ضعف فَقَالَ عَليّ بدجاجة مطبوخة فجيء بهَا فَأكلت فَقَوِيت ثمَّ استقامت فَبلغ هَذَا إِلَى السُّلْطَان فجَاء بِهِ فَشَكا إِلَيْهِ مَرضا يشتكيه فاتفق أَنه وصف لَهُ شَيْئا أصلح بِهِ فَاجْتمع إِلَى السُّلْطَان جمَاعَة يعْرفُونَ ذَاك الحائك فَقَالُوا لَهُ هَذَا رجل حائك لَا يدْرِي شَيْئا فَقَالَ السُّلْطَان هَذَا قد صلحت على يَدَيْهِ وصلحت الْجَارِيَة على يَدَيْهِ فَلَا أقبل قَوْلكُم قَالُوا فنجربه بمسائل قَالَ افعلوا فوضعوا لَهُ مسَائِل وسألوه عَنَّا فَقَالَ أَن أجبتكم عَن هَذِه الْمسَائِل لم تعلمُوا جوابها لِأَن الْجَواب لهَذِهِ الْمسَائِل لَا يعرفهُ إِلَّا طَبِيب وَلَكِن أَلَيْسَ عنْدكُمْ مارستان قَالُوا بلَى قَالَ أَلَيْسَ فِيهِ مرضى لَهُم مُدَّة قَالُوا بلَى قَالَ فَأَنا أداويهم حَتَّى ينْهض الْكل فِي عَافِيَة فِي سَاعَة وَاحِدَة فَهَل يكون دَلِيل على علمي أقوى من ذَلِك قَالُوا لَا فجَاء إِلَى بَاب المارستان وَقَالَ اقعدوا لَا يدْخل معي أحد ثمَّ دخل وَحده وَلَيْسَ مَعَه إِلَّا قيم المارستان فَقَالَ للقيم أَنَّك وَالله إِن تحدثت بِمَا أعمل صلبتك وَإِن سكت أغنيتك قَالَ مَا انطق قَالَ فأحلفه بِالطَّلَاق ثمَّ قَالَ عنْدك فِي هَذَا المارستان زَيْت قَالَ نعم قَالَ هاته فجَاء مِنْهُ بِشَيْء كثير فَصَبَّهُ فِي قدر
[ ١٠٥ ]
كَبِير ثمَّ أوقد تَحْتَهُ فَلَمَّا اشْتَدَّ غليانه صَاح بِجَمَاعَة المرضى فَقَالَ لأَحَدهم أَنه لَا يصلح لمرضك إِلَّا أَن تنزل إِلَى هَذَا الْقدر فتقعد فِي هَذَا الزَّيْت فَقَالَ الْمَرِيض الله الله فِي أَمْرِي قَالَ لَا بُد قَالَ أَنا قد شفيت وَإِنَّمَا كَانَ بِي قَلِيل من صداع قَالَ ايش يقعدك فِي المارستان وَأَنت معافى قَالَ لَا شَيْء قَالَ فَاخْرُج وَأخْبرهمْ فَخرج وَأخْبرهمْ فَخرج يعدو وَيَقُول شفيت بإقبال هَذَا الْحَكِيم ثمَّ جَاءَ إِلَى آخر فَقَالَ لَا يصلح لمرضك إِلَّا أَن تقعد فِي هَذَا الزَّيْت فَقَالَ الله الله أَنا فِي عَافِيَة قَالَ لَا بُد قَالَ لَا تفعل فَإِنِّي من أمس أردْت أَن أخرج قَالَ فَإِن كنت فِي عَافِيَة فَاخْرُج وَأخْبر النَّاس بأنك فِي عَافِيَة فَخرج يعدو وَيَقُول شفيت ببركة الْحَكِيم وَمَا زَالَ على هَذَا الْوَصْف حَتَّى أخرج الْكل شاكرين لَهُ وَالله الْمُوفق
بلغنَا أَن امْرَأَة كَانَ لَهَا عشيق فَحلف عَلَيْهَا أَن لم تحتالي حَتَّى أطأك بِمحضر من زَوجك لم أُكَلِّمك فوعدته أَن تفعل ذَلِك فواعدها يَوْمًا وَكَانَ فِي دَارهم نَخْلَة طَوِيلَة فَقَالَت لزَوجهَا أشتهي أصعد هَذِه النَّخْلَة فاجتني من رطبها بيَدي فَقَالَ افعلي فَلَمَّا صَارَت فِي رَأس النَّخْلَة أشرفت على زَوجهَا وَقَالَت يَا فَاعل من هَذِه الْمَرْأَة الَّتِي مَعَك وَيلك أما تَسْتَحي تجامعها بحضرتي وَأخذت تشتمه وتصيح وَهُوَ يحلف أَنه وَحده وَمَا مَعَه أحد فَنزلت فَجعلت تخاصمه وَيحلف بِطَلَاقِهَا أَنه مَا كَانَ إِلَّا وَحده ثمَّ قَالَ لَهَا اقعدي حَتَّى أصعد أَنا فَلَمَّا صَار فِي رَأس النَّخْلَة استدعت صَاحبهَا فَوَطِئَهَا فَأطلع الزَّوْج فَرَأى ذَلِك فَقَالَ لَهَا جعلت فدَاك لَا يكون فِي نَفسك شَيْء مِمَّا رميتيني بِهِ فَإِن كل من يصعد هَذِه النَّخْلَة يرى مثل مَا رَأَيْت
وَذكر أَبُو عُبَيْدَة معمر بن الْمثنى أَن الفرزدق مر بِامْرَأَة وَعَلِيهِ ثوب وشي فتعرض لَهَا فَقَالَت جاريتها مَا أحسن هَذَا الْبرد فَقَالَ هَل لَك أَن
[ ١٠٦ ]
أقبل مولاتك وَأهب لَهَا هَذَا الْبرد فَقَالَت الْجَارِيَة لمولاتها مَاذَا يَضرك من هَذَا الإعرابي الَّذِي لَا يعرفهُ النَّاس فَأَذنت لَهُ فقبلها وَأَعْطَاهَا الْبرد ثمَّ قَالَ لِلْجَارِيَةِ اسْقِنِي مَاء فَجَاءَتْهُ الْجَارِيَة بِمَاء فِي قدح زجاج وَلما وَضعته فِي يَده أَلْقَاهُ من يَده فانكسر فَقعدَ الفرزدق مَكَانَهُ إِلَى أَن جَاءَ صَاحب الدَّار فَقَالَ يَا أَبَا فراس أَلَك حَاجَة قَالَ لَا وَلَكِنِّي اسْتَسْقَيْت من هَذِه الدَّار مَاء فَأتيت بقدح من زجاج فَوَقع الْإِنَاء من يَدي فانكسر فَأخذُوا بردي رهنا فَدخل الرجل فشتم أَهله وَقَالَ ردوا على الفرزدق برده