١) قوله تعالى ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ ١
٢) قوله تعالى ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ ٢
وجه الدلالة من الآيتين:
أن الآيتين نصَّتا على نهي المسلم عن أن يورد نفسه موارد الهلاك، أو أن يقتل نفسه، وذلك يشمل قتلها مباشرة أو بالتسبب٣. والمتناول للقات متسبب في هلاك نفسه، وإزهاق روحه، إذ لم يحافظ عليها بتجنبها كل ما يسبب لها الضرر، فهو بتناوله لهذا النوع من النبات قد ألحق بنفسه مفاسد وأضرارا جسيمة، فقد ثبت أن أكل القات يهيئ جسد الإنسان لأن يكون مرتعا خصبا لأمراض خطيرة تؤدي بمتعاطيه إلى الإصابة بها، كمرض نزيف الدماغ، وفقر الدم، وتليف الكبد لمستعمليه علم، فترة طويلة.
٣) قوله تعالى: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ ٤
_________________
(١) ١ الآية (١٩٥) من سورة البقرة. ٢ الآية (٢٩) من سورة النساء. ٣ الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: ٢/٣٦٣، ٥/١٥٦. ٤ من الآيتين (٢٦، ٢٧) من سورة الإسراء.
[ ٢١ ]
وجه الدلالة:
أن القات لو لم يترتب عليه من المفاسد والأضرار سوى أنه تبذير وإسراف، لكان ذلك كافيا في ذمه والنهي عنه، فقد نزل الله تعالى المبذرين منزلة الشياطين.
٤) عن النعمان بن بشير﵄- أن النبي عليه قال: "إن الحلال بين وإن الحرام بين، ويينهما مشتبهات لايعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ٠٠٠" ١.
قال الفقيه أبو بكر بن إبراهيم المقري الهرازي اليمنى في رسالته في تحريم القات بعد أن ذكر هذا الهديت إني رأيت من أكلها الضرر في بدني وديني، فتركت أكلها، فقد ذكر العلماء أن المضارات من أشهر المحرمات، فمن ضررها أن آكلها يرتاح ويطرب، وتطيب نفسه، ويذهب حزنه، ثم يعتريه قدر ساعتين من أكله هموم متراكمة، وغموم متزاحمة، وسوء أخلاق٢.
_________________
(١) ١ رواه البخاري كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه: ١/١٩ ومسلم كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات: ٣/١٢١٩ رقم (١٥٩٩) . ٢ تحذير الثقات: ٢٢٥، فتوى في حكم أكل القات للشيخ إبراهيم: هـ.
[ ٢٢ ]
٥) عن أم سلمة﵂- قالت: "نهى رسول الله ﷺ عن كل مسكر ومفتر" ١.
قال العلماء: المفتر كل ما يورث، الفتور في البدن، والخدر في الأطراف، وذلك كله متحقق ومعلوم ومشاهد في كل من يستعمل القات ويأكله، فيكون محرما بهذا الحديت٢
٦) .قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم مفتي المملكة العربية السعودية سابقا، والمتوفى سنة (١٣٨٩هـ): "قد ورد
_________________
(١) ١ رواه ابن أبي شيبة كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر: ٥/٦٧، رقم (٢٣٧٤٦) . وأحمد في كتاب الأشرية: ٢٦، رقم (٤)، وفي المسند: ٦/٣٠٩، وأبو داود كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر: ٤/ ٩٠، رقم (٣٦٨٦)، والطحاوي في شرع معاني الآثار كتاب الأشرب باب ما يحرم من النبيذ: ٤/٢١٦، والبيهقي في السننه الكبرى كتاب الأشربة باب ما أسكر كثيره فقليله حرام: ٨/٢٩٦، وصححه السيوطي في الجامع الصغير: ٢/١٩٣ وقواه الشوكاني في البحث المسفر: ١٤٤-١٤٥ ٢ تحذير الثقات: ٢٢٦، الزواجر: ١/٣٥٤، حكم أكل القات للشيخ محمد بن إبراهيم: ٤، ٧، أحكام الأطعمة: ٣٥٤.
[ ٢٣ ]
علينا سؤال عن حكم أكل القات وتحريمه إلى أن قال: وحيث أن هذه مسألة حادثة الوقوع، والحكم عليها يتوقف على معرفة خواص هذه الشجرة، وما فيها من المنافع والمضار، وأيهما يغلب عليها بموجبه، وحيث أننا لا نعرف حقيقتها لعدم وجودها لدينا فقد تتبعنا ما أمكننا العثور عليه من كلام العلماء فيها فظهر لنا بعد مزيد البحث والتحري، وسؤال من يعتد بقولهم من الثقات أن المتعين فيها المنع من تعاطي زراعتها وتوريدها واستعمالها لما اشتملت عليه من المفاسد والمضار في العقول والأديان والأبدان، ولما فيها من إضاعة المال، وافتتان الناس بها، ولما اشتملت عليه من الصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فهي شر ووسيلة لعدة شرور، والوسائل لها أحكام الغايات، وقد ثبت ضررها، وتفتيرها، وتخديرها، بل وإسكارها، ولا التفات لقول من نفى ذلك، فإن المثبت مقدم على النافي، فهاتان قاعدتان من قواعد الشريعة الأصولية، تؤيدان القول بتحريمها، وقياسا لها على الحشيشة المحرمة لاجتماعهما في كثير من الصفات، وليس بينهما تفريق عند أهل التحقيق ثم ساق﵀- الأدلة على تحريمها.. إلى أن قال: وهذا القات لو فرضنا أن فيه بعض النفع فإن ما فيه من المضار والمفاسد المتحققة تربو وتزيد على ما فيه من النفع أضعافا مضاعفة، ولهذا جزم بتحريمه جملة من العلماء الذين عرفوا خواصه
[ ٢٤ ]
واستدل كل منهم على تحريمه بما ظهرله
ثم قال ﵀: هاهنا يتبين لنا صحة الطريقة التي سلكناها فيما تقدم في تحريم القات، وتمشيها على الأصول الشرعية والقواعد المعتبرة المرعية، وبما قدمناه يتضح صحة القول بتحريم القات والنهي عنه، ومنعه منعا باتا زراعة وتوريدا واستعمالا وغير ذلك، وهذا ظاهر لكل من تدبر ما ذكرنا وعرف أصول الشريعة وقواعدها، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح"١ أهـ.
٧) إن العلماء المعاصرين قد اتفقوا على تحريمه، إذ صدر قرار المشاركين في (المؤتمر الإسلامي العالمي لمكافحة المسكرات والمخدرات) المنعقد في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة (الفترة من ٢٧- ٣٠/٥/١٤٠٢هـ) بشأن القات، فجاء في الوصية التاسعة عشرة: "يقرر المؤتمر بعد استعراض ما قدم إليه من بحوث حول أضرار القات الصحية، والنفسية والخلقية والاجتماعية، والاقتصادية أنه من المخدرات المحرمة شرعا، ولذلك فإنه يوصي الدول الإسلامية بتطبيق العقوبة الإسلامية
_________________
(١) ١ للمزيد من الأدلة على تحريم القات، انظر رسالة: فتوى في حكم أكل القات للشيخ ابن ابراهيم.
[ ٢٥ ]
الشرعية الرادعة على من يزرع أو يروج أو يتناول هذا النبات الخبيث.."١.
يقول الشيخ محمد المجذوب معلقا على هذا القرار: "وما أراني مبالغا إذا قلت بأن في هذا القرار نوعا من الإجماع الملزم للمسلم، إذ هو منبثق من التوافق التام بين الدين والعلم، لأن المقرين له صفوة من فقهاء ومفكري العالم الإسلامي على امتداده وعلى اختلاف مذاهبه فمن حقه على أهل العلم أن يتلقوه بالقبول والرضا، لأنه حسم كل خلاف بينهم في شأن هذه المادة التي استهوت الكثيرين منهم حتى جعلتهم أسوة غير حسنة لعامة الناس"٢.
_________________
(١) ١ مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، العدد السابع والخمسون (١٤٠٣هـ) ص ٣١٩. ٢ مجلة الجامعة، الصفحة السابقة.
[ ٢٦ ]