فيه يوصل إلى كل ما خفي عليه، وأما الفهم فبه يدرك الغيب، وأما الذكاوة فبه يستخرج المكنون بالتحقيق، وأما الحفظ فبه يحاط، وأما العلم فبه يذكر ما غاب، فباستعمال هذه عرفوا ربهم وبها فهموا عن ربهم، ووقفوا على صانعهم وحفظوا ما نالوا منه وأسماؤهم في المقادير وهم في صلب أبيهم آدم ﵇ ذلك هدي العلي العظيم العليم، فلما أخرجهم من صلبه يوم الميثاق ووضعهم على كفه ونالهم قربته واستعملوا الأشياء الخمسة دلتهم تلك القربة على هذه القربة أن كليهما من الرب الرحيم فأيقنوا به فلما كلمهم دلهم نفخ النور على أن الكلام من الذي نفخ الروح يومئذ إذ كان له عليهم بينه فيه ثم لما تجلى لهم عن وجهه الجليل سطع منه نور على وجوههم وغشيهم به دلهم ذلك النور الذي وضع في أبيهم وهو نور المعرفة على أن النور الذي غشيهم اليوم من الجليل الجميل فعرفوه ربًا واحدًا أحدًا فردًا وذلك أنه لما اتفق النوران والتقيا سطع على أعين قلوبهم النوران الربانيان دلهم على ربهم الفرد الواحد فعرفوه وأيقنوا به، ويرون ذلك كله باستعمال تلك الخمسة التي وصفنا فالعبد في استعمالهن محمود وفي تركهن مذموم على كل حال وفي كل وقت وفي كل مكان وذلك أنه إذا لم يستعملهن في كل وقت ونسي صنع ربه به وما أكرمه به من النفخ والنور والقربة يوم آدم ولم يذكرها ولم يحفظها بالفهم والذهن لم يعرف ربه يوم الميثاق إذ لم يكن عنده ما يستدل به على كلامه وقربته ونوره الذي ينالهم وهم في كفه، فالمعرفة واستعمال تلك الخمسة على العبد هو مطلوب بهن ومحاسب عليهن محمود على استعمالهن، مذموم على تركهن، ونور المعرفة من الرب ليس إلى العبد منه شيء ولا عليه ذم ولا مدح إذ كان ذلك من فعل الله بعبده وإكرامه له به فإذا استعمل العبد تلك الخمسة فإن استعملهن خرجت المعرفة فإذا استعمل المعرفة برز النور المتمكن فيها وهو نور المعرفة فالتقى النور الميثاقي الذي غشيهم وسطع من الجليل عند التجلي فتشاكلا ولك يتشابه دلًا على ربهم فاستدل العبد بما سطع يوم الميثاق بما كان عنده من النور الذي وضع في آدم يدل كل واحد منهما على نفسه أمن العبد وأيقن وعرفه ومثل ذلك مثل القدح فالنور كالنار والمعرفة كالحديد متمكن فيه النار وهو النور الأول يوم المقادير والحجر التجلي يوم الميثاق والنور متمكن فيه والقلب والفطنة المندوق فلما قدح العبد الحجر بالحديد خرج منهما النار فالتقيا على القلب فيلهما القلب فنوراه ودلاه على الله ﷿.