فهو وجه الاستفهام، والاستفهام من السائل للمسئول يصف الجواب وهو التلقين والإشارة إلى ما عند المسئول في قلبه من الموجود والمدرك والمفهوم عليه والمعلوم والموصوف كذا وجدنا في مجاري كلام العرب وإنما استفهم الرب في ذلك الوقت لأن نور المعرفة كان عندهم بالحظوظ التي أصابوا من أبيهم يوم الخلقة وقربة النفخ وقربة التصوير وصنعة اليد، فقال: (ألست بربكم) ويذكرهم ويستحفظهم ويستجلبهم الذكر من ذلك الصنع الذي صنع بهم يوم آدم ﵇ وما أكرمهم من النور ونفخ الروح وصنعة اليد ليذكروا ذلك ويستعملوا أفهامهم وأذهانهم فيبرزوا بهن نور المعرفة فيستدلوا به على ذلك فيعرفوه ويؤمنوا به ولا تكون المعرفة أبدًا دون الرؤية أو السمع أو القربة كان بديًا قبل ذلك فإذا لاقاه بعد ذلك وقد سبق منه إليه قبل ذلك من قربة أو رؤية أو لقي أو سمع أو صفة دالة عليه أو آية تشير إليه بما فيها من معنى يؤدي عنه فذكر نفسه ذلك واستعمل الذهن في إصابته والوقوف على معرفته دلَّه الذهن والفهم والحفظ عليه فعرفه فقيل عارف ولا يقال لهذا علم فهو عالم إذ قد يستفهم العالم بالشيء الجاهل فيقول ألست بعالم بالكتابة والحساب. والمستفهم لا يعلم أن المستفهم كاتب أم لا؟ ولا يستفهم العارف بالشيء غير العارف لا يقال لغير العارف ألست بالكاتب حتى يعلم أنه بها عارف فإذا كان له منه معرفة قبل ذلك به استفهمه، فقال ألست بكاتب فيقول المستفهم بلى فدلّك هذا المثال على أن بني دم قد كانوا أصابوا حظوظهم يوم الخلقة من صنعة اليد والنفخ وصار ذلك عندهم رسمًا على أعين قلوبهم فلما رأوا نوره يوم الميثاق وسمعوا كلامه ونالوا قربة كفه استنار ذلك بما كان عندهم فدلهم ذلك عليه فعرفوه فلما استفهمهم قال: ألست بربكم أي ألستم تعرفوني بالعلائم والشواهد والبينات والآيات التي عندكم قالوا بلى فقبل الله شهادتهم وإقرارهم فجعلهم عبيده من بين الخلق وصفوته ومجتباه وأحباءه وأولياءه.