فيم احتج؟ قيل له: ما الدليل على ما احتج إبليس وما بيانه، وبيان حججه، ما هو موجود مما قصده، قال: أرى احتجاجه في ذلك من قول الله تعالى: (فقبضت قبضة من أثر الرسول)، أي كان تلك القبضة من موطئ فرس جبريل ﵇ وكان على فرس الحياة، وإنما أخذ موضع حافره لما كان فيه من الحياة، فأينما طرح من تلك القبضة أحيا كل شيء، وهو في قصة السّامري يقول: فلو لم يكن ذلك التراب من الفرس لما كان يحيا منه كل ميت ومنه قوله: (إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين)، يقول: فإن الله يكتب للمؤمن وعلى الكافر ما قدم من خير أو شر وآثارهم؛ والآثار: أي ما تحت القدم، فيلحق الآثار بالأفعال، والآثار من الأجسام كما أن الأفعال من الأجسام، ومن قوله ﷿: (ولا يطئون موطئا يغيض الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كُتب لهم به عمل صالح)؛ كقول الله تعالى: نلحق، أي نجعل الموطئ من العمل فموضع الوطء، والموطئ من الجسد كبعضه، فكأنه يقول: لو لم يكن الموطئ من الوطئ كبعض الجسد لما جعل النيل والموطئ في الأجر سواء، فكما أن الوطء من الواطئ، كذلك موضع الوطء من الموطئ، فهذه صفة النفس الباطنة والظاهرة.
[ ٤ ]
رجعنا إلى ما كنا فيه من شأن النفس، فالموطئ إنما هو موضع القدم وخطوته، وكان إبليس يوم وطئ تلك التربة كافرا في علم الله مطيعا في الظاهر كما وصف الله، وكان من الكافرين ومن قوله: (اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) . فكما وجدنا لمقام إبراهيم ﵇ من الكرامة والمنزلة ما جعله الله قبله لمن آمن، وأمرهم بأن يتخذوه مصلى وليس هو إلا أثر قدم في حجر فوقع لقدمه من الحرمة ما إن اتخذ موضعه وأثره قبله لخلقه لا تقبل الصلاة في الآفاق إلا به، فلم تقع له هذه الحرمة إلا أنه عدّ من القدم ولحقه به، كأنه هو القدم نفسه، والقدم قد زال عنه وأبلته أيدي اللامسين واختلاف الزائرين، فليس إلا رسم قد ذهبت عنه آثار الأصابع، فذلك لمقامي وقدمي وموطئي وآثري وخطواتي من المنزلة مني، أي أعدّه من نفسي وبعضي وعضوي، ومنه في حديث آدم ﵇ حين أُهبط إلى الأرض، في أرض عند ما يلي مطلع الشمس فجال جميع الدنيا، فما كان تحت قدمه نالته رحمته وبركته فصار مدينة وما كان بين قدمه صار قرى، وما لم يصيبه قدمه صار مفاوز، ومن ذلك فضل أهل المدينة على أهل القرى، فكما نالت تلك التربة قدمه كذلك نالت شؤمه وكفره وكبره، وكما أضيف ذلك إلى آدم ﵇، كذلك أضاف عدو الله ذلك الشؤم إلى نفسه وذلك أنه أدعى أن الشؤم والكفر والعتو كان فيه قلما نالته التربة امتزج بها وصار كالشيء الواحد ومنه سمي الخضر خضرا، لأنه أيما مشى في الأرض نالت بركته ولطفه وطيبه فاخضرَّ ما حول قدميه، وأصل الخضرة من نور الجلالة، وقوله ﷿: (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة) أي كونوا على الصلح الذي صولحتم عليه، وهو الحلال والحرام خُيِّر أبوكم بين الحلال والحرام، وخُيِّر العدوّ، فاختار أبوكم الحلال واختار العدوّ الحرام والفحش، واصطلحا على ذلك واصطلحت ورثة إبليس على ذلك، فاصطلحوا نتم يا بني آدم على صلح أبيكم وما قد اختار لنفسه ولكم من الطيبات، وما قد أباح لكم من خلال، (ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، أي لا تتبعوا نفوسكم الباطنة، فإنها خُلقت من خطوات الشيطان فإن نهمتها نهمة الشيطان وما اختاره من الحرام فهذا السّلم حصن لكم وكهف فادخلوا في حصنكم وكهفكم إذ أحزنكم أمر من العدوّ (فإنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربّهم يتوكلون)، فالسّلم حصن، والتوكل حرز وثيق وخندق قعير وبحر عميق.
وأما ما وصف في شأنه (وكان من الكافرين)، فلما وطئها نالها من شؤمه وشؤم كفره وظلمته وتمرده واستكباره الذي ظهر منه يوم السجود، فصار بهذا المعنى كعضو منه فلما لعن صارت تلك التربة ملعونة حيث كانت، نالها ذلك السخط، فلما رمى إليه الأباطيل صارت نهمة إبليس فيها ومراده من الدنيا ومطلبه ومحبوبه ومسروره ومفرحه، ونالت تلك التربة في آدم ما نال صاحبها إذ كانت قد صارت كعضو منه، فدبّر إبليس عدوّ الله وقاس فوجدها في آدم ﵇ قائمة بعينها فاستغنمها منه إذ وجد آدم ﵇ مجبولا على نهمة نفسه، أي كأنه وجد مجبولا على عضو من أعضاء إبليس، فقال جسدي لا يعصيني، كيفما كان فقوي بها عدوّ اله وفرح بما نال من الفرصة.
[ ٥ ]
رجعنا إلى ما كنا فيه فلما أكرم الله آدم ﵇ وأبرز فضله على جميع الخلق، وأمره بالسجود فتكبر وأنف ليسجد لشيء رفع من تحت قدمه أدنى شيء وأخسه، وقال (أنا خير منه خلقتني من نار)؛ ذكر جوهره، والنار؛ من النور، والنور من العزّة، فأنا أحق أن يسجد لي، ثم ذكر جوهر آدم ﵇، فقال: (وخلقته من طين)، إن الطين من تراب والتراب ما الأرض، والأرض ممشاي وموطئي فأسجد لنفسي؛ وأسجد لتحت قدمي، وأسجد لهوائي؛ فوصف الله ذلك في التنزيل وحذر خلقه فقال: (ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين)، أي لا تتبعوا الخطوة التي هي خلقتكم فإنها دعوة إبليس وهي تابعة صاحبها، وقال: (وما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى)، أي نهى النفس الطاهرة عن الهوى والهوى الخلقة التي خلقت عليه وهي النفس الباطنة، وإنما سمى تلك التربة نفسا لأن عدو الله ادعاها وإنما سماها هوى لأنها منتهى غلبت في النفس الظاهرة وهويت بها إلى أمها فأمها الهاوية، وذلك أن إبليس خُلق من النار وذلك قوله: (وأما من خفت موازيمه فأمه هاوية)، وقال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)، ويقول: (اتخذ الهوى)، أي نفسه الباطنة إلهه فجعل يطيعها فيما تأمر أو تنهى، قد نصبها ربّا بين عينيه ثم شهد عليهم إنهم كالأنعام ثم ذكر بأنها أظل من الأنعام.
رجعنا إلى ما كنا فيه فلما صارت النفس الباطنة هوى إبليس وعضوا منه كما ذكرنا أطاعت إبليس بما كان يأمرها من الفحش والأباطيل والمعاصي ولم يكن للنفس الظاهر بدّ من الانقياد لها والطواعية فيما تشير فكانت تواتيها فيما يكره الله وتخضع لها إذ كان فيها من الخبث مثل ما فيها وذلك إنها من تحت القدم وهذه فيما بين القدمين الذي لم يطأها فأيّد الله عبده بما وسَّع عليها من الحلال وأباح لها وأحل وحرم؛ فنبذ الحرام والفحش إلى إبليس فرفعه ورمى الحلال والحسن إلى العقل فرفعه، فأمر بالحرام إبليس فأطاعته النفس الباطنة، فاشتهت النفس الظاهرة فأرادت أن تطيعها وتنقاد لها إذ كانت من جوهرها وإذ كانت الشهوة فيها متحركة نبذ الله إليها بالحلال فتعلقت الظاهرة بها إذ كان الغالب عليها ملكها فلم تنقذ للباطنة فعسكرت عليها الباطنة بجنود إبليس وعسكر عليها الملك وهاجت الحرب فيما بينها وهي مذبذبة بين ذلك وتلك دار الحرب لا سلم أبدا، والجوارح فيما حولها قرأها فمتى كانت الغلبة للملك اطمأنت النفس الظاهرة ورضيت بما أحل الله لها ومتى كانت الغلبة لها كانت منقادة منهوكة في الحرام.
[ ٦ ]
رجعنا إلى ما كنا فيه من التحليل فأيّد الله النفس الظاهرة بما أحل حتى حلها من وثاق الهوى، وخلصها من سجنها، وأخرجها من رقها، فقال: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق)، وقال: (كلوا مما في الأرض حلالا طيبا) ثم قال على فوزه (ولا تتبعوا خطوات الشيطان)، ثم بين سبب النهي فقال: (إنه لكم عدوّ مبين)، فاعلم إن خطوات الشيطان هي التي تأمرك بالسوء والفحشاء، وهي نفسك الظاهرة حتى تشتهي فأطعمها الحلال فإن الله أحل وحرم فمن انتهى عن الحرام أبدل مكانه الحلال، وقال: (خلق لكم ما في الأرض جميعا) أي لم يكن لي فيما خلقت حاجة إنما خلقتها من أجلكم فخذوها من وجهها ووحيها ما أحللتُ لكم فقد جعلت الحلال بينا والحرام بينا وما حرّمت إلا الخبائث والفواحش ومما لا لذة فيه، وما أحللت إلاَّ الطيب واللذيذ فقال: (كلوا من الطيبات واعملوا صالحا)، أي لا تطيعوا النفس الباطنة فإنها تأمركم بالفحشاء والمنكر وقال: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا)، أي من طاعتي في الحلال فإن في الحلال غنية عن الحرام، قال الله جل وعز: (يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا الله إن كنتم إياه تعبدون)، فأباح أكل الحلال من الطيبات واقتضى الشكر على ما أحل وأباح لا على النعمة، ثم قال: (إن كنتم إياه تعبدون) فجعل شكرك على إباحته لك الحلال عبودة وتوحيدًا، ثم اعتذر فيما حرَّم ووصف الحرام، فقال: (إنما حرَّم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله)، أي إني لم أحرم عليكم إلاّ مثل هذه فلو كنت أحللت لكم مكان هذه الطيبات تلك الفواحش والحرام ما كنتم تصغون، وكيف كنتم تتأولون ذلك فاشكروني على إني أحللت لكم شهوتكم التي تشتهون وحرمت عليكم ما تتقذرون وتخبث نفوسكم إذا ذكرتموها، وقوله: (وما أهل به لغير الله)، فالذي إذا ذبح لم يذكر عليه اسمي ما يصنع به ذلك فقد اجتمع عليه سمّ الدنيا وذلك أن اسمي مبارك واسم الطاغوت والشيطان شؤم وسم، فإذا لم يذكر اسمي وذكر اسم الطاغوت والشيطان كيف يهنئ ذلك في البطون فإني إنما حرمت مثل هذه الأشياء، فقال: (فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه)، فاقتضى الشكر أيضًا على أنه أحل لك الحرام في أوقات الضرورة وأباح لك التناول، ثم قال: (إن الله غفور رحيم)، أي لا يأخذ على ذلك التناول من الحرام رحيم من رحمته أباح لك الحرام عند الضرورة، فهذا في الدنيا، وما في الآخرة، (وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى)، أي نهي نفسه الباطنة عن الحرام، وأعطاها من الحلال، وقال: (لكم فيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين) لما انتهى عن اتباع النفس الباطنة عن الحرام؛ فهذه صفة النفس الظاهرة والباطنة.
ولها أبواب سبعة شارعة إلى الجوارح، والجوارح سبع قرى حولها، فإذا كان الملك لها أميرا عليها جاريا سلطانه كانت لها ساكنة والقرى مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فإذا كفرت بأنعم الله فأطاعت الباطن بالحرام وتركت الحلال أذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون من موافقتها لما كره الله لها.
[ ٧ ]
وجعلنا إلى ما كنا فيه من شأن إبليس فلما أمر بالسجود تكبر فلُعن، وقيل له اخرج منها فأنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين، فأبلس وصار شيطانا رجيم أبلس من كل خير، وسلب لباس الرحمة وصار عريان آيسا من رحمة الله وفاسقا اجترا على الله، إذ قال له: خلقت خلقا أدنى مني وفضلته علي وهو ممن يعصيك ويفسد في الأرض ويسفك الدماء وأشقيتني في جنبه وهو لم يطعك طرفة عين وأنا قد عبدتك عبادة لا يصف الواصفون صفتها فما كان سبب ذلك؟ قال الله: (إني أعلم ما لا تعلمون)، قال: إذًا سلطني عليه! قال: وما تصنع، قال: أجعله عابدا لي؛ قال: هو لن يطيعك في ذلك، قال: إذًا سلطني عليه، قال: لك ذلك، قال: وهل يمكنني ذلك إلاّ بأجل والعمر الطويل، قال: ما تشاء، قال: (ربِّ فانظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم)، قال: فبعزتك لأغوينه وولده أجمعين، قال: وكان آدم ﵇ رجلا حييًا كريما لا يعرف الشر في الجنة مع زوجته يأكل منها رغدا حيث شاء فاحتال عدو الله بكل حيلة للعداوة التي كانت فيه والحقد على ما شقى في جنبه وطرد من الملكوت وغره بكل غرور حتى دخل الجنة كما هو في الحديث الطويل والقصة الطويلة ثم لما دخلها تقدم إلى أهلها بالنصح والعطف، فقال داركما هذه إن لم يكن لها خوف وموت، قالا ما هو؟ قال: هل نهاكما ربكما عن شيء؟ قال: نعم عن هذه، قال: أف وأخذ بجبينه منحازا مريئا لهما أنه يحزن لهما، قالا: ما لك؟ قال: أنا من الملائكة الذين يعلمون الغيب! قالا: وما تعلم من شأننا؟ قال: (ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلاّ أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين) . ثم ألحق القسم بآخر الكلمة (إني لكما لمن الناصحين) فبما أعلمتكما من آخر شأنكما، قالا: وما الحيلة؟ قال: (هل أدلكما على شجرة الخلد وملك لا يبلى) فكلا من هذه فغرهما باسم ربهما، قال الله تعالى: (وقاسمهما أني لكما لمن الناصحين فدلاهما بغرور) الآية فأخرجهما من الجنة فلما هبطوا إلى الأرض قال اللعين معيرا من جرأة الكفر وحرقة الحقد ألم أقل لك أنه يعصيك ويطيعني ويعبدني فمن أطاع شيئًا عبده ومن عبده صار عبده فهو عبدي وفيه لي في أصل الخلقة دعوى إذ خلقته من التراب، والتراب في الأرض، والأرض أثر قدمي وموطني وممشاي وكان بها مسكني فخلقته في ملكي وملكي وموضع قدمي وقدم الواطئ حقه في الحكم وبه عصاك إذ كان أصابه شؤمي وجرأتي وبه ظفرت عليه، قال: فما تشاء، قال: سلطني عليه، قال: اذهب فقد سلطتك عليه فاطلب منه دعواك، قال: إذًا سلطني عليه فبعزتك لأغوينه وولده أجمعين، قال الله أن لي منه عبادًا مخلصين ليس لك عليهم سلطان إلاّ من اتبعك من الغاوين، فقال إبليس اللعين (إلا عبادك منهم المخلصين) فاستثناء اللعين على استثناء الرب جل وعز.