فمن أصحاب المنازل والحرف شيطان يقال له القمام بن القشب وهو ساكن المزابل ينضح البول على الثياب، وشيطان يقال له الزفوف بن الغارب وهو على المطبخ يشغل النساء لتحترق الأخبزة فيغضب الأزواج وعلى القدور يملحونها، والبرباض بن دخران وهو على الأموال والكنوز، والرائب بن لمس وهو صاحب الحمام، والضحاك بن المقطب وهو على الزقاق والسكك والمربعات يرشد السكارى إلى بيوتهم، والقطوف بن الحبر وهو على مجالس الغيان والعزف والمرق وهما شيطانا العربدة، والحشود بن اللطف وهو الذي يجمع بين الغلمان والنساء، والتحيت بن المفتحم وهو الذي على الأسواق وهو الذي على حوانيت الخمور.
باب لما أراد الله أن يسكن الخلق الأرض خلق الجان من نار السموم وخلق زوبعة منه فغشيها فحملت إحدى وثلاثين بيضة فوضعت بيضة واحدة فتفلقت عن قطربة وهي أم القطارب فلما أطلعت رأسها قالت الجنة وهي زوجة الجان يا قطربة، قالت قطربة سميعًا دعوت، قالت الجنة احضني ولدي، قالت قطربة ما خلفت، فوضعت الجنة ثلاثين بيضة فحضنتها قطربة فتفلق منها عشر بيضات، فكان في البيضة الأولى الأبالسة منهم الحرث أبو مرة عدو آدم ﵇ ونسله فسكنوا البحور، وتفلقت البيضة الثانية عن الوسواس فسكن الجزائر، وتفلقت البيضة الثالثة عن الغيلان فسكنوا الخرابة والفلوات، وتفلقت البيضة الرابعة عن السَّعالي فسكنوا الجبال والرمال، وتفلقت الخامسة عن الرهاوية فسكنوا الأدغال والآجام، وتفلقت السادسة عن الأراجيل فسكنوا العيون ومجامع الطرق، وتفلقت السابعة عن التهاويس فسكنوا الحمامات والمزابل والكنف، وتفلقت الثامنة عن الهوام فسكنوا الهواء وغيره، وتفلقت التاسعة عن الأرائي فسكنوا معارك الحروب والنواويس والقبور، وتفلقت العاشرة عن الدواجن فسكنوا الدور والقصور وخيام الأعراب، أما العشرون البواقي فإن قطربة حملتهن فطارت في الهواء حتى إذا كان بين مسقط عين الشمس ومطلع سهيل فلقت فسمت منهن خمسًا، ثم قالت اعمروا وانتشروا واكثروا ومضت حتى إذا كان بين مطلع سهيل وبين مطلع قرن الشمس ففلقت وسمت منهن خمسًا، وقالت لهنّ مثل ذلك ثم مضت حتى إذا كان بين مطلع قرن الشمس ومطلع بنات نعش فلقت فسمت خمسًا وقالت لهن مثل ذلك ومضت حتى إذا كان بين مطلع بنات نعش وبين نعش فسمت خمسًا، فقالت لهنّ مثل ذلك، ثم رجعت القطربة إلى الجنة فقالت ملأت البر والبحر ففلقت كل بيضة عن ألف توأم ذكر وأنثى، تحدثنا بذلك كله، فهذا كل عدو آدم وذريته فبث اللعين سراياه وشؤم أموره يدبر ويسوط حتى أنه ليبعث ألف سرية على رجل واحد من ولد آدم صلى الله عليه.
[ ٣٠ ]
وأما صفة اللعين فحدثنا أبو مقاتل عن صلح بن سعيد عن أبي سهل عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبليس عدو الله كان يلقى الأنبياء ﵈ ويتحدث إليهم من لدن نوح إلى عيسى ابن مريم ﵈ وما بين ذلك من الأنبياء"، غير أنه لم يكن لأحد أكثر زيارة ولا أشد استئناسًا إلى يحيى بن زكريا ﵇ وإنه دخل عليه ذات يوم فلما أراد الانصراف من عنده قال له يحيى ﵇: يا أبا مرة واسمه الحرث وكنيته أبو مرة وإنما سماه الله جل وعز إبليس لأنه أبلس من الخير كله يوم آدم ﵇ فقال له يا أبا مرة إني سائلك حاجة فأحب أن لا تردني عنها، فقال له لك ذلك يا نبي الله، فسل فقال له يحيى بن زكريا ﵇ إني أحب أن تحبني في صورتك وخلقك وتعرض عليَّ مصائدك التي بها تهلك الناس، فقال إبليس سألتني أمرًا عظيمًا ذقت به ذرعًا وتفاقم خطبه عندي ولكنك أعز عليَّ وآمن من أردك بمسألة ولا أجيبك بحاجة ولكني أحب أن تخلو لرؤيتي فلا يكون معك أحد غيرك فتواعد الغد عند ارتفاع النهار فصدر من عنده على ذلك فلما كان من الغد في تلك الساعة مثل بين يديه قائمًا فنظر إلى أمر من أمر الله إذ هم ممسوخ منكوس مقبوح هائل كريه جسده على مثال أجساد الخنازير ووجهه على وجه القردة وشق عينيه طولًا وشق فاه طولًا حبال رأسه وأسنانه كلها عظم واحد لا ذقن له أصلًا ولا لحية وشعر رأسه مفلل مقلوب المنبت نحو السماء وله أربعة أيد يدان في منكبيه ويدان في جنبيه وأصابعه مما يليه من القدم خلفه وعراقيبه أمامه وأصابع يديه ستة وجسده أصغرًا ومنخرًا أنفه نحو السماء له خرطوم كخرطوم الطير ووجهه قبل القفا أعمش العينين أعوج معوج له جناح وإذا عليه قميص مقلص قد تمنطق فوقه فعل المجوس وإذا أكواز صغار وقد علقها من منطقة مقدمة، وحوالي قميصه خياعيل شبه الشرّي في ألوان شتى من بياض وسواد وحمرة وصفرة وخضرة وبيده جرس ضخم وعلى رأسه بيضة في قلبها حديدة مستطيلة معقفة الطرف فقال له يحيى ﵇ أخبرني يا أبا مرة عما أسلك مما أرى، قال: يا نبي الله ما دخلت عليك على هذه الحالة إلا وأنا أحب أن أخبرك بكل شيء تسألني عنه ثم لا أعمي عليك، فقال: حدثني يا أبا مرة عن نطاقك هذا فوق القميص، قال: يا نبي الله نشبه بالمجوس أنا وضعت المجوسية وزينتها، قال: فاخبرني ما هذه الأكواز التي هي معلقة من منطقتك مقدمة، قال: يا نبي الله فيها شهواتي ومخاعيلي ومصائدي فأول ما أصيد به المؤمن من قبل النساء فإن هو اعتصم بطاعة الله أقبلت عليه من قبل جمع المال من الحرام طمعًا فيه وحرصًا عليه، فإن اعتصم بطاعة الله واجتنبني بالزهادة أقبلت عليه.
[ ٣١ ]
من قبل الشراب المسكر حتى أكدر عليه هذه الشهوات كلها ولا بد من أن يواقع بعضها ولو كان من أزهد الناس قال فما هذه الخياعيل إلى طرف قميصك قال: يا نبي الله ألوان صباغ النساء وزينتهن فلا يزال أحدهن تلون ثيابها حتى تأتي على ما يليق بها فهناك أهش الرجال إلى ما عليها من الزينة، قال فما هذا الجرس بيدك، قال يا نبي الله هذا معدن الطرب وجماعات أصوات المعازف من بين بربط وطنبور ومزامير وطبول ودفوف ونوح وغناء، فأن القوم يجتمعون على محفل شرب وعندهم بعض ما ذكرت من المعازف فلا يكادون يتنغمون في مجلس ويستدلون ويطربون فإذا رأيت ذلك منهم حركت هذا الجرس فيختلط هذا الصوت بمعازفهم فهناك يزيد استلذاذهم وطربهم ورقصهم فمنهم من إذا سمع هذا فيقرع أصابه ومنهم من يهز رأسه قال يا نبي الله أحرز بها رأسي هذه البيضة من كل نكبة، قال وما النكبة قال اللعنة، قال فما هذه الحديدة التي في قلبها، قال: يا نبي الله هي التي أقلب بها قلوب الصالحين، قال: بقيت حاجة، قال: سل، قال: ما بال خلقك وصورتك على كل ما أرى من القبح والتقليب والأفكار، قال يا نبي الله هذا بسبب أبيك آدم ﵇ إني كنت من المكرمين ممن لم أرفع رأسي من سجدة واحدة أربعمائة ألف سنة فعصيت ربي في أمر سجودي لآدم أبيك فغضب الله عليَّ فلعنني فحولت من صورة الملائكة إلى صورة الشياطين ولم يكن في الملائكة أحسن صورة مني فصرت ممسوخًا منكوسًا مقلوبًا مقبوحًا هائلًا كريهًا كما ترى، قال فهل أريت صورتك هذه أحدًا قط ومصايبك بهذه الصورة، قال لا وعزة ربي إن هذا الشيء ما نظر إليه آدمي قط ولقد أكرمتك بهذه دون الناس كلهم، قال فتمم إكرامك إياي بمسألتين أسألك عنهما إحداهما عامة والأخرى خاصة، قال لك ذلك يا نبي الله: فسل، قال: حدثني أي الأشياء أرجى عندك وأدعمه لظهرك وأسلاه لكآبتك وأمره لعينك وأشد لركنك وأفرحه لقلبك، قال يا نبي الله إني أخاف أن يخبر أحدًا فيحفظون ذلك فيعتصمون به فيضيع كيدي، قال يحيى ﷺ "إن الله أنزل في الكتب شأنك وكيدك وبيّن لأنبيائه ولأوليائه فاحترزوا بما احترزوا، وأما الغاوون فأنت أولى بهم قد تلعب بهم كالصولجة بالكرة فحدث فليس قولك عندهم أدعى وأعز من قول الله، قال يا نبي الله إن أرجى الأشياء عندي وأدعمه لظهري وأسلاه لكآبتي وأسره لأذني وأشده لرغبتي وأفرحه لقلبي وأقره لعيني النساء فإنهن حبائلي ومصائدي وسهمي الذي به لا أخطئ بهن لو لم يكن هن ما أطلقت إضلال آدمي، هن قرآت عيني بهن أظفر في المهالك يا حبذا هن إذ اختممت بسبب النسالك والعباد والعلماء وغلبوني بعد ما أرسلت إليهم الجيوش فانهزموا وبعد ما ركنت فقهرت النساء طاب نفسي وسكن غضبي واطمأنت كظمي واستشف غيظي وسدت نفسي وقرت عيني واشتد أزري ولولا هن من نسل آدم لسجدت لهن فهن سيداتي وعلى عنقي سكناهن وعلى نهماتهن ما اشتهت امرأة من حبالتي حاجة إلا كانت أسعى لرأسي دون رجلي في إسعاف حاجاتها لأنهن رجائي وظهري وعصمتي ومنيتي وثقتي وعوني قال: ما نفعل وفرحك من ضلالة الآدمي بأي شيء سلطت عليه، قال: خلق الله الأفراح والأحزان والحلال والحرام وخيرني فيهما يوم آدم ﵇ فأخذت الشهوات والحرام والفحش والمناكير وصارت تلك نهمتي وهوائي، خير آدم ﵇ فاختار الأحزان والعبادة والحلال وصار ذلك له نهمة ومنية وذاك منيتي وتهمته وهذا هوائي ونهمتي وشهوتي فذاك شيؤه وماله ومدائحه وهذا شيئي ومتاعي وبضاعتي ومالي وشيء المرأة نفسه لأن فيه نهمته وشهوته ونهمة المرأة وشهوتها حياته فإذا سلبت الحياة هلك وكم ترى من خلق الله من سلب منه نهمته فمات وهلك كذلك إن لما أخذت ما اخترت صار ذلك شهواتي وهوائي وحياتي ومهما سلبت هلكت ومهما ظفرت به فرحت وحيت فإذا رأيت شهوتي وهواي وحياتي عند غيري قد سلبها مني اجتهد كل الجهد حتى أظفر بها ليكون بها قوامي فهذا الآدمي سلب حياتي وهي الشهوة والهوى فجعلها في كنه وحرزة وقد تهيأ ليقتلني ويحاربني فهل يدمن المحاربة ليصل المحق إلى حقه ويقهر الظالم فهذه حالتي وشأني وسبب فرحي إذا غلبته قال وما ظلمك حيث تقول يقهر الظالم قال لقد ظلمني إذا سلب هوائي جعله في كنه ولولا ظلمه كيف لا أطلع أنا في خزنة وحلالي كما طمع هو في حزامي وهواي قال ليس بمحال أن تقول أنا أريد استرداد هواي
[ ٣٢ ]
منهه
[ ٣٣ ]
وتفرح أن هو استعملها وتحزن إن لم يستعمل هواك في شؤونه قال إذا استعمل هواي لست أحزن لكني أفرح لأنه قد أعطاني نهمتي لأن نهمتي الفرح إنما أحزن لأنه قد جبل علي لكني أريد استعماله فإذا استعمله أعطاني منيتي وفرحي لأن الشهوة منيتي ومختاري وحياتي فهو نفسي فإذا استعمل منيتي أحياني وفرحني لأن استعماله على جهته فإذ لم يستعمله فهو كنه كالمسجون فإذا كان هو في كنه مسجونًا مقيدًا وهو حياتي كنت كأني مسجون المقيد فصرت هزيمًا لأنه أبدلني بمكان شيء شياه أي بمكان حياتي الموت فلا بدا لي من أن أحتال بكل حيلة وأريده بكل خدعة وأهيئ وأزين الآلة والأدوات وأخرج الملاهي وأدواتها وأحريها وأحركها وأحولها لعله يرى ذلك فيطرب ويذكر وينشط ويغتر ويقبح ويستعمل الهوى الذي فيه هو حياتي وشهوتي فأحيا وأبهج حين يجد هو السبيل إلى التحرك والخلاص من السجن وهذا ما لم أذكره لأحد قط منذ خلقت ولولا ما أرى لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله قال هذا الذي وصف إبليس هنا يصدق بجميع ما قلنا من شأن الهوى بالنفس قال يحيى صلوات الله عليه والمسألة الخاصة التي سألتك، قال: نعم سل، قال: هل أصبت مني فرصتك قط في لحظة من بصر أو لفظة بلسان أو بقلب أو هم، قال اللهم لا إلا أنه كان يعجبني منك خصلة لكبر ذلك عنك فوقع عندي موقعًا شريفًا فتغير لون يحيى ﵇ من قوله وتلبد وتقاصرت إليه نفسه وارتعد وارتعدت فرائصه وغشي عليه، قال: ما ذلك يا أبا مرة، قال: أنت رجل أكول وكنت أحيانًا تكثر الطعام فتشبع منه ويعتريك الوهن والنوم والثقل والكسل والنعاس فكنت تنام عن حزبك أحيانًا من الأوقات التي كنت تقوم فيها بالليل فكان هذا يعجبني منك، وقال بهذا كنت تجد علي فرصة قال نعم، قال: أما أشد لفرحك وما أشد لحزنك، قال: ذكرتك فلم تحفظ ولكن أحمل إليك جميع ما يكره الله فهو مختاري وجميع ما يحب الله منبوذي فإذا رفع الإنسان منبوذي لم أتمالك حتى احتال بكل حيلة وحتى أنبذه فأزين له مختالي حتى يرفعه لأن حياتي في الستعماله ومختاري ومماتي وهلاكي وذلي وضعفي في استعماله مرفوضي وممبوذي وهو الحلال الطيب من الأشياء والأحزان ومختاري الحرام والخبيث من الأشياء والأفراح بما قد حضر الله عليه، قال إبليس حسبك يا يحيى فرحًا بما أظهر ليحيى كأنه قد وجد عليه فرصة، فقال يحيى ﵇ لم تجد علي فرصة في عمري إلا الذي ذكرت لي، قال اللهم لا إلاّ ذاكرًا، قال يحيى ﵇ عاهدت الله نذرًا واجبًا علي أن أخرج من الدنيا ولا أشبع من الطعام قال فغضب إبليس وحزن على ما أخبره فاحترز يحيى صلوات الله عليه واعتصم وقال خدعتني يا ابن آدم، وأنا أعاهد الله ربي نذرًا واجبًا علي إلاَّ أنصح آدميًا أبدًا ولقد غلبتني يا ابن آدم وكسرت ظهري بما خدعتني حتى سلبت آلتي فخرج من عنده غضبان متذمرًا، فهذه صفة إبليس وبدو أمره وقصته ومصائده وتفسير هواه وحياته. تفرح أن هو استعملها وتحزن إن لم يستعمل هواك في شؤونه قال إذا استعمل هواي لست أحزن لكني أفرح لأنه قد أعطاني نهمتي لأن نهمتي الفرح إنما أحزن لأنه قد جبل علي لكني أريد استعماله فإذا استعمله أعطاني منيتي وفرحي لأن الشهوة منيتي ومختاري وحياتي فهو نفسي فإذا استعمل منيتي أحياني وفرحني لأن استعماله على جهته فإذ لم يستعمله فهو كنه كالمسجون فإذا كان هو في كنه مسجونًا مقيدًا وهو حياتي كنت كأني مسجون المقيد فصرت هزيمًا لأنه أبدلني بمكان شيء شياه أي بمكان حياتي الموت فلا بدا لي من أن أحتال بكل حيلة وأريده بكل خدعة وأهيئ وأزين الآلة والأدوات وأخرج الملاهي وأدواتها وأحريها وأحركها وأحولها لعله يرى ذلك فيطرب ويذكر وينشط ويغتر ويقبح ويستعمل الهوى الذي فيه هو حياتي وشهوتي فأحيا وأبهج حين يجد هو السبيل إلى التحرك والخلاص من السجن وهذا ما لم أذكره لأحد قط منذ خلقت ولولا ما أرى لك من الفضل والكرامة ما أخبرتك بهذا كله قال هذا الذي وصف إبليس هنا يصدق بجميع ما قلنا من شأن الهوى بالنفس قال يحيى صلوات الله عليه والمسألة الخاصة التي سألتك، قال: نعم سل، قال: هل أصبت مني فرصتك قط في لحظة من بصر أو لفظة بلسان أو بقلب أو هم، قال اللهم لا إلا أنه كان يعجبني منك خصلة لكبر ذلك عنك فوقع عندي موقعًا شريفًا فتغير لون يحيى ﵇ من قوله وتلبد وتقاصرت
[ ٣٤ ]
إليه نفسه وارتعد وارتعدت فرائصه وغشي عليه، قال: ما ذلك يا أبا مرة، قال: أنت رجل أكول وكنت أحيانًا تكثر الطعام فتشبع منه ويعتريك الوهن والنوم والثقل والكسل والنعاس فكنت تنام عن حزبك أحيانًا من الأوقات التي كنت تقوم فيها بالليل فكان هذا يعجبني منك، وقال بهذا كنت تجد علي فرصة قال نعم، قال: أما أشد لفرحك وما أشد لحزنك، قال: ذكرتك فلم تحفظ ولكن أحمل إليك جميع ما يكره الله فهو مختاري وجميع ما يحب الله منبوذي فإذا رفع الإنسان منبوذي لم أتمالك حتى احتال بكل حيلة وحتى أنبذه فأزين له مختالي حتى يرفعه لأن حياتي في الستعماله ومختاري ومماتي وهلاكي وذلي وضعفي في استعماله مرفوضي وممبوذي وهو الحلال الطيب من الأشياء والأحزان ومختاري الحرام والخبيث من الأشياء والأفراح بما قد حضر الله عليه، قال إبليس حسبك يا يحيى فرحًا بما أظهر ليحيى كأنه قد وجد عليه فرصة، فقال يحيى ﵇ لم تجد علي فرصة في عمري إلا الذي ذكرت لي، قال اللهم لا إلاّ ذاكرًا، قال يحيى ﵇ عاهدت الله نذرًا واجبًا علي أن أخرج من الدنيا ولا أشبع من الطعام قال فغضب إبليس وحزن على ما أخبره فاحترز يحيى صلوات الله عليه واعتصم وقال خدعتني يا ابن آدم، وأنا أعاهد الله ربي نذرًا واجبًا علي إلاَّ أنصح آدميًا أبدًا ولقد غلبتني يا ابن آدم وكسرت ظهري بما خدعتني حتى سلبت آلتي فخرج من عنده غضبان متذمرًا، فهذه صفة إبليس وبدو أمره وقصته ومصائده وتفسير هواه وحياته.
[ ٣٥ ]
وأما أسماء المائة الخلق التي سأل إبليس ربه وجعلها جنوده كما أعطى آدم صلوات الله عليه: فلما أعطي ىدم صلوات الله عليه المائة خلق وقيل له هذا جند من جنود الله استعملها على عدوك إبليس فسأل إبليس ربه أن يعطيه أضدادها كي يحاربه بها فأعطاه إياها فجعل الهوى ملكًا وجعل ما أعطي تابعًا له وأعوانًا وجنودًا كما جعل العقل ما أعطي جنودًا وأعوانًا وهي الكفر، والجهل، والكبر، والحسد، والحقد، والكر، والخداع، والغش، والغل، والخيانة، والعداوة، والكذب، والزور، والبهتان، والبخل، والشر، والنميمة، والغيبة، والغضب، والجبن، والمداهنة، والرياء، والسمعة، والشك، والشرك، والميل، والبدعة، والضلالة، والغي، والخلابة، والغرور، والجور، والظلم، والبغي، والحمق، وقلة المبالاة، والخفة، والطيش، واللعب، والعبث، واللهو، والسهو، والغفلة، والسرور بالدنيا، والفرح بالدنيا، والعجلة، والفظاظة، والغلظة، والخشونة، والعنف، والأنفة، والاستكبار، والفخر بالدنيا، والخيلاء، والتجبر، والحيرة، والكسل، والثقل، والعجز، والتأخير، والملالة، والخطأ، والنسيان، والشهوة، والوهم، والنهمة، والسبة، والأمل، والباطل، والغل، والتيه، والسفه، والضحك، والحمق، والجزع، والكفران، وطلب العفو، وحب الدنيا، والإسراف، ومحمدة الناس، والمدحة، والشبهة، والحرام، والزينة، والحرص، والفحش، والقساوة، والشره، والأشر، والبطر والقنوط، والسماجة، والبذخ، والتخيل، والمرح، والتمني، والتجبر، والنخوة، والتجسس، والغبن، والريبة، والشكاية، والحلف، والصلف، فهذه الجنود التي أعطي وهي مائة خلق من أخلاق الهوى التابع له وهي أعوان أخلاق آدم فعدو العلم الجهل، وعدو العلم الحرق، وعدو العقل البغي، وعدو العمل الكسل، وعدو اللين الخشونة، وعدو التأني العجلة، وعدو اليقين الشك، وعدو الورع الفجور، وعدو الشكر الكفران، وعدو الصدق الكذب، وعدو الصبر الجزع، وعدو الرفق العنف، وعدو الصواب الخطأ، وعدو الذكر النسيان، ثم على هذه الصفة إلى آخره، فمتى استعمل الآدمي خلقًا من تلك الأخلاق أبرز الهوى خلقًا من أخلاقه ليحاربه لعله يقهره فهذه صفة الأخلاق وبيانها.
رجعنا إلى ما كنا فيه من شأن القلب والنفس والصدر ومعسكرهما فللقلب سبع مدائن بعضها في بعض بحيطانها وأبوابها وستورها والملك في أقصاها وهو اللباب بجنوده والصدر مدينة عظيمة حولها ممر فيه المدائن والمجالس والعسكر والمعاون، والعقل معدنه في الدماغ ومسكنه في الصدر بجنوده وحشمه وهو والي الملك أعني المعرفة. والنفس مدينتان عظيمتان؛ إحداهما في الأخرى، إحداهما باطنة، والأخرى ظاهرة.
[ ٣٦ ]
أما الباطنة فدار حرب والأخرى تابعة لمن غلب وتسلط واستولى، فيها صاحب مأوى وهو الخناس وطليعته مبحث الأخبار وهو الجاسوس أعني الوسواس وهلاك الآدمي منهما ومنه قول الله تعالى: (من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس)، كما وصفنا هذا كله بديًا في موضعه؛ والجوارح قرى حولها وعلى كل واحد منهما عامل فإذا كان العدو مغلوبًا مقهورًا والهوى مسجونًا كان الملك وهو المعرفة في سلطان جاري وملك وهيبة وكمال وأمر نافذ مطاع مشكور وعز وشرف منورًا قد سطع نور الجلال من لدنه إلى أقصى المدينة وقراها وكانت المدينة بما فيها جنة طربة أعي القلب وكانت المدائن حوله ساكنة مطمئنة قد انجلى عنها غيم الهوى وغمام الضلالة ودخان الشهوة والعامل في عز وشرف وبهاء ورفعة منورًا قد سطع نور الرعية والطاعة ونور الفرح منه إلى أقصى المدائن وقراها وكانت القرى مطمئنة ساكنة وكان العمال بها مطيعة والرعية في راحة ومال والخناس مقهور والوسواس منحجز والهوى مسجون، واللعين مدحور محسور، وإذا غلب عليها العدو وأخذها عنوة وأمّر عليها أميرًا ودخل الجنود مع أميره وحشمه بظلمته ودنسه وشهواته وملاهيه وأباطيله وخدعه وأدناسه ونتنه ودخانه وغيمه قويت النفس وهي الهوى وحييت وتخلصت من السجن والقيد وعسكرت واستعمل عليها عاملًا وعلى القرى عمالًا وثبت ملكه إلى أن يأخذ مسكن العقل وموضع قضائه فيحمل عليه العقل بجنوده وتنصب الحرب بينهما فيثور من بينهما عجاجة سوداء ودخان مظلم من نتن الهوى وظلمته فيظلم على العقل ومسكنه وهو الصدر فيصير الملك ومن معه من الجنود في حجب من ظلماتها ودخانها، فأما أن كان الغلبة له عليها وأما غلبة لها فإذا كان الغلبة لها عليه انهزم العقل بجنوده من شدة الظلمة ونتنها ودخانها وضعف وذل وأخلّ بمركزه ولجأ إلى ملكه وهو المعرفة بجنوده مستغيثا فزعا وتركوا الميادين والمراكز وهو الصدر ووثب رجالة العدو وفرسانه مع الصدر وأخذوه ونزلوا به وكان الأمر أمر العدو والسلطانسلطانه نافذ أمره مطاع مشكور والمدائن ساكنة مطيعة والقرى محمودة مرضية والرعية مطواعة والعمال في منعة والعدو فرح واللعين مستبشر مباه وكان الملك وملك الملك وهو العقل والمعرفة وجنودهما وحشمهما محجوبين مسجونين مقهورين مذلين لا يجاوز أمرهما وسلطانهما ربض المدينة وهو القلب فيجزع الملك من ذلك ويحزن ويستوحش فينقبض وينزوي فيتجلى من القلب من نوره على قدر الانقباض والانزواء فيصير ذلك الموضع من القلب خاليا من النور وكلما كان سلطان العدو أجرأ وأمره أنفذ كان الصدر أظلم، وكلما كان الصدر أظلم كان الملك أحزن وأوحش وكلما كان الملك أوحش كان انقباضه وانزواؤه أشد وكلما كان انقباضه أشد كان سلطان نوره أضعف كان القلب أحزن وكان من نوره أخلى وذلك أنه لا يصل النور إلى حوالي القلب وزوايا نوره لانقباضه وضعف نوره لوحشته ألا ترى إلى المصباح في بيت واسع كلما كان سلطان السراج أشد كان ضوء البيت أضوأ وأنور وأسطع حتى يجاوز الزوايا وينفذ المشاكي، وكلما كان سلطانه أضعف كان الضوء منه أضعف لا أنه ينقبض منه ولكن قد ضعف الضوء فليس له سلطان يسطع لوحشته وظلمة دخانه على الصدور وعلى باب القلب فإذا طال ذلك عليه وهو محبوس ومسجون محجوب قد حجبته غيوم جنود العدو ودخانها منطوي سلطان نوره مرضت المدينة أي القلب وذلك أنها صارت كسية مقحوطة قد منعت عنها الماء فيبست أشجارها وتغيرت ألوانها فلم يزل عليلًا مريضًا حتى يموت ومن ذلك قول الله ﷿: (كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يسكبون)، قال الذنب على الذنب حتى يموت القلب وذلك أن العدو إذا كان مسلطًا على المدائن كان الأمر أمره وكانت الرعية مطيعة وكلما أمر أمرًا أطيع فذلك كسبت ورين على القلب أي انطوى نور من الملك على القلب وانقبض فإذا بطل الانقباض منع الماء فإذا منع الماء عن المدينة وظهرت في ألوانها وأشجارها الشدة واليبوسة حتى إذا طال ذلك وكثر مات القلب أي هلكت المدينة ويبست أشجارها أصلًا وذلك أن الروح حياة النفس والنور حياة القلب فإذا ضعف الروح ضعف البدن ألا ترى إلى الإنسان إذا نام أو مرض أو غشي عليه لا يمكنه التحرك ولا القيام، والروح فيه لم تنقض منه وكذلك القلب إذا انطوى سلطان النور وانقبض ضعف القلب ويبس حتى يموت وكذلك الشجر إذا منعت
[ ٣٧ ]
عنهاا الماء مرضت حتى تيبس فالنور للقلب كالماء للأرض وكالروح للجسد ومنه سمي يحيى ﵇ لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية وذلك أنه لم يعمل عملًا يُظلم عليه ويحجبه فاستوحش منه المعرفة فتنقبض فينطوي نورها ويمتنع فيتخلى عن القلب قدره من النور فيبس ذلك الموضع منه ومنه قوله تعالى: (لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين) أي من قلبه حي كله بنور المعرفة لينطوي عليه ليس من يحجب نوره أو يظلم عليه "فإذا طال ذلك" فيتخلى عن القلب قدره من النور. لماء مرضت حتى تيبس فالنور للقلب كالماء للأرض وكالروح للجسد ومنه سمي يحيى ﵇ لأنه لم يعص ولم يهم بمعصية وذلك أنه لم يعمل عملًا يُظلم عليه ويحجبه فاستوحش منه المعرفة فتنقبض فينطوي نورها ويمتنع فيتخلى عن القلب قدره من النور فيبس ذلك الموضع منه ومنه قوله تعالى: (لينذر من كان حيًا ويحق القول على الكافرين) أي من قلبه حي كله بنور المعرفة لينطوي عليه ليس من يحجب نوره أو يظلم عليه "فإذا طال ذلك" فيتخلى عن القلب قدره من النور.
[ ٣٨ ]
رجعنا إلى ما كنا فيه فإذا طال ذلك على الملك شكى إلى الله طول ما يلقى فأما أن يؤيده حتى ينهزم العدو ويستولي على أنصاره ويقهر جنوده وأما أن يغضب فيلعن فإذا غضب فلا بد من إحدى أربع: أما أن يسلب المعرفة ويقفل على قلبه، وأما أن يطبع عليه، وأما أن يجعله على خلاف، وأما أن يختم عليه ومن ذلك قوله تعالى: (أم على قلوبهم أقفالها)، وقوله: (فطبع على قلوبهم)، وقوله: (وقالوا قلوبنا غلف)، وقوله: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم) وأشدها الختم فإذا سلب المعرفة، كما أن البدن قالب الروح، فالبدن ناطق سامع بصير فإذا خرج الروح صم عمي وبكم، والقلب إذا خلا عن المعرفة عمي وصم وبكم، ومن ذلك قوله: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) وللقلوب موتان: موت خروج النور، وموت ضعف سلطان النور، والمعرفة كما ذكرنا، فنعوذ بالله من الخذلان ونسأل الله أن ينصرنا على عدونا نصرًا عزيزًا ويجعله ذليلًا مقهورًا كما هو محسور مدحور ويجعلنا أن نتخذه عدوًا كما هو عدو وأن نتعظ وأن نتذكر بما وعظنا ربنا وحذرنا في تنزيله فقال: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوًا)، وقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء يلقون إليهم بالمودة)، وقال: (لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني)، وقال: (لا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور)، وقال: (الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم)، وقال: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والمنكر والله يعدكم مغفرة منه)، فنسأل الله أن يجعلنا من أهل المغفرة وعدته إنه ملك كريم وإله عظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله، قال الله ﷿: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا)، فالبلد النفس المطمئنة يريد الذي غلب عليها ماء الرحمة والملك بأعوانه فاستولاها، وقهر العدو والنبات الثمرات وهي الأعمال الصالحة وقوله ﷿: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا) فالذي خبث ما غلبها السبخة والعدو فاستولاها لا يخرج ثمراتها أي أعمالها إلا نكدًا فالقلب مستقر ماء الرحمة ومعدن النور العطف والمعرفة والنفس أرض منبتة منها ذات سباخ فيه الجوارح والأشجار وما يخرج من الجوارح من العمال الحسنة الثمرات فمتى ما كانت السبخة فيها ذائبة فيها متلاشية كانت أنهارها تجري بمياهها من المستقر إلى أشجارها ومن المستقر إلى المدينة وهي النفس سبعة أنهار على كل نهر أنهار شتى من بين صغير وكبير، قيل له: ما السباخ التي ذكرت؟ قال: نصفه في موضعه إن شاء الله، فإذا كانت أنهارها جارية صافية كانت المدينة ساكنة طيبة مطمئنة والملك عليها أميرًا فرحًا مستبشرة وأشجارها غضة طربة مونقة مزدهرة تؤتي أكلها كل حين بأمر ربها والأكل والثمرات وإذا ظهرت السباخ في أنهارها وغلبت عليها غلبت الماء وامتزجت به فإذا لم يجر الماء في أنهارها وانتشفت أشجارها تغيرت ألوانه وانقبضت وانزوت أوراقها واصفرت وتناثرت وسلبت منها الطراوة والغضاضة ولم تخرج ثمراتها إلا في كد وشدة وما أخرجت أخرجت من بين مر وحامض وحلو لغلبة السباخ عليها وامتزاجها بمياه الرحمة فذا دام ذلك وطال تكدرت المياه كلها وغارت وتلاشت وذاب سقياها من ذلك الشرب فسدت عروقها وغضت ويبست أشجارها أصلًا فلم تثمر ولم تخرج ولم تتورق فحينئذ يغضب الجليل فحظر عليها الماء وسد أفواه أنهار القلب فلم يدع أن يجري إلى المدينة ولا أن يمده فخربت المدينة بما فيها وماتت ثم سلب ماء الرحمة من القلب وقسا فمات فحزن القلب وخربت النفس ويبست الأشجار وصار كما قال تعالى: (وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن موضعه)، وقال: فإذا مات القلب وماتت النفس ويبست الأشجار أثمرت الشوك وهو الكفر والشرك وذلك أن السبخة هي أصل النفس وجوهرها وخلقتها وهي الهوى "والهوام والكفر" وذلك أنه من الهاوية فإذا نزع ماء الرحمة من مستقره وسلب أبدل مكانه الكفر فصارت الأنهار تجري بمياه الكفر وصار سقياها من مياه الكفر فإذا جرت المياه من ماء الكفر تشابكت أشجارها وأثمرت ثمرات الكفر والشرك كما قال الله: (والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا) . فالبلد الطيب النفس إذا كانت قد غلب عليها ماء الرحمة وأنهارها فصارت حية طيبة وصارت أشجارها طرية غضة مونقة مزدهرة، والذي خبث أي خبث بغلبة السباخ
[ ٣٩ ]
عليها في أنهارها فتشابكت أشجارها لما نزع ماء الرحمة وسلب وأبدل مكانه الكفر، قيل له وما أصل السباخ والبر، وكيف أصل خلقها، وبدو أمرها وغلبتها على الماء في أنهارها، بين لنا رحمك الله؛ قال: إن النفس نفسان، نفس باطنة، ونفس ظاهرة، فأما أصل خلقة النفس الباطنة فمن موطئ الشيطان وتحت قدمه وأثره. وأما النفس الظاهرة فمن خطوته وبين موطئه وهي ممدودة مبسوطة من النفس الباطنة إذا كانت الخلقة هي الأس والبينة فهي كالقائمة الظاهرة، والظاهرة مخلوقة عليها مركبة مفروزة فيها فلما عرف اللعين ذلك كله من نفس آدم ﵇ علم أنه سيظفر عليه إن احتلج إلى ذلك إذ وجد نصيبه فيه قائمًا فلما أمر بالسجود نظر فوجد نصيبه في آدم وهو النفس فأبى وتكبر ووجد اللعين ذلك في نفسه من نفسه فاتفقا فأبى وعتا وتكبر فلعن وطرد فلما أسكن آدم ﵇ الفراديس تفكر اللعين في أمره وأمر آدم ﵇ إذ لمن في جنبه فهاجت إبليس بحور الحسد مياها وأزبدت وامتدت فسألت منها عليه أودية فاغتراف من ذلك بالقياس والحيلة على ما ينغض على آدم ﵇ ما نال من النعيم وما يسلبه تلك الكرامة، وبما يهلكه فاغتنم بالشجرة التي نهي الله آدم ﵇ عنها فاحتال حتى وجد عليه الفرصة من ذلك الوجد فلما قال لآدم ﵇ ما قال وأشار عليه بالأكل تفكر آدم ﵇ في نفسه فهاجت منه مياه النور والرحمة والنور والعلم وامتدت فاغترف آدم ﵇ منه الحكمة والنظر والتدبير بالأخذ إلى ما أشار وبالانتهاء عنه فكان مرة يأتي على قبله أن لا ومر أن أذن فانتهى آدم ﵇ يشاور في ذلك فسبق اللعين إلى القسم بالغرور تصديقا على ما أتى على ما قلب آدم ﵇ من الدنو إذ كان ذلك من النفس الباطنة التي هي من موطئ اللعين فحرضه عليه وندبه إليه وردَّ ما أتى على قلبه من الانتهاء وذلك أن الذي نهاه عن ذلك كان الحكمة والعلم الذي ندبه إلى الأخذ كان من النفس الباطنة موافق اللعين وكان سأل ربه أن يعطيه السلطان ليجري منه مجرى الدم في عروقه فأعطاه ما سأل إذ كان موطئه في آدم ﵇ قائما وهو النفس إذ سأل ربّه المجرى في دعوته والسبيل إلى حظه وهو أصل خلقه آدم ﵇ إذ جبل من أثر تراب قدمه وموطئه فصار ذلك وراثة في ولده فهو يجري منهم مجرى الدم ومن ذلك حرم الدم المسفوح لما جرى مجرى اللعين والدم في مجرى واحد في العروق وذلك أن اللعين يحبس فينحبس الدم الطيب في العروق الطيبة بنجاسته لجريهما معا في مجرى واحد فإذا أراد اللعين أو بعض أعوانه أن يدنو من ابن آدم وجدت النفس الباطنة ريحه فعرفته وإذا دنا منها حست أثره وعلمت أنه قد دنى فرحت وابتهجت واشرأبت شوقا إليه إذ لقي بعض العضو بعض عضوه والحب حبه واهتشت لرؤيته وانتشت للقائه وازدهرت للدنو إليه وانتشرت وسرت ودخل الشيطان يجري في العروق فعرق من شدة السرور والابتهاج والدبيب في ضيق المجاري فامتزج عرقه بمياه الرحمة التي تجري في مجاري العروق وتلطخت نجاسته في مجاري عروقه فتكدرت المياه والدماء من نجاسته وعرقه وبجريه وغمامه ودخانه وعجاجته وظلمته وكثرت وامتدت وكلما كان جريه فيها أدوم وأدأب كانت العروق بما فيها من مياه الرحمة أكدر وأثقل حتى تتكدر وتتحمأ وتفور من ضفة الأنهار وهي العروق فإذا طال ذلك بها ودام أزبدت واحمرت وأسبخت وتسلفت الكدورة والثقل فسدة أفواه المجاري وانبثقت من كثرة الكدورة وسرة السباخ والزبد وخشنت العروق فلم يجد الماء السبيل إلى المجرى فركدت المياه فيها فإذا ركدت اجتمعت المياه وفارت فوق الضفة فأصابت السباخ والزبد الذي على الضفة وامتزجت بها فإذا طال ذلك بها ودام انكسرت البثور والسدد من كثرة الماء وتطرقت وذهبت حفاير ندما وسبختها ونجاسته فإذا جرت إلى الأشجار اصفرت الأوراق ويبست الأشجار "وذبلت الطرية الغضة وتقبضت وانزوت الثمرات" ومررت الحلو الطيب وفسدت اللذيذة وذبلت المزدهرة المونقة وشاكت الأشجار بما فيها من سلطان الهوا والكفر وذلك أنها إذا طال ذلك بها ولم يعالج صاحبها إصلاحها بالمجاهدة على إخراج اللعين وطرده وغضب الجليل سبحانه على صاحبه فسلبه ماء الرحمة ونور المعرفة وأبدل مكانهما الكفر فتجري مياه الكفر والهوا مع اللعين في المجاري فإذا جرت إلى الأشجار شاكت الأشجار من
[ ٤١ ]
سلطانن الكفر وأثمرت الأعمال السيئة، ولم تخرج المنافع إلا نكدًا كما ذكر الله تعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا)، قيل له: وهل تخرج الأشجار التي تشوك المنافع والثمرات الطيبة قال نعم ألا ترى إلى الكافر وما يجري عليه من الأعمال الصالحة. وأثمرت الأعمال السيئة، ولم تخرج المنافع إلا نكدًا كما ذكر الله تعالى: (والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا)، قيل له: وهل تخرج الأشجار التي تشوك المنافع والثمرات الطيبة قال نعم ألا ترى إلى الكافر وما يجري عليه من الأعمال الصالحة.
١ ٢٧
[ ٤٢ ]