[ ١٢ ]
فإنه لما سطع نور الجليل على عينه يوم الميثاق وناله قربة الكف وقربة الكلام لم يكن عنده ما يستدل عليه فيعرفه تاه وتحير وذلك أنه نسي الصنع الأول فترك استعمال تلك الخمسة فصارت حديدته وهي المعرفة كأنه لا يعي ما الرحمة فيه فلم يعمل ذلك السطوع وتلاشي النار وبطل لم يقبله القلب إذ لم يجد شاهدًا على ذلك فصار مشبهًا مشتركًا، قال الله تعالى: (أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه)، فالبينة التي هي من ربه هي النور المقاديري والشاهد الذي يتلوه من النور الميثاقي، وقال: (ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة)، وقال: (أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه)، ألا ترى أن العيون هذه بنورها لا تبصر شيئا حتى تؤيد بنور المدد ليلتقيا بنوريهما على الشيء فيبصر الإنسان ما أحب فنور العين نور المعرفة متمكن فيها وهو النور الذي وضع في آدم ﵇ ونور المدد النور الميثاقي من الجلال وهو نور البهاء أو السراج فما لم يلتق النوران على العين لم يبصر الإنسان الشيء فكذلك ما وصفنا ألا ترى أن إبراهيم خليل الله صلى الله عليه لما نظر إلى الكواكب والقمر والشمس قال: (هذا ربي)، فلما استعمل الخمسة الأشياء واستدل بما كان عنده فلم يتفق ولم يتشاكل نفاه، فقال: (لا أحب الآفلين)، وتبرأ من كل واحد منها، وذلك أنه لما وقع بصره على النور ظن أنه نور ربه فقال هذا ربي، فلما استدل بما كان عنده من النور المقاديري الرباني ونور الميثاقي المؤيدي واستعمل قدحه الذي ذكرنا لم يعمل شيئا وتلاشى ذلك النور في جنب ما كان عنده ولم يتشاكلا ولم يدل على ربه كما دل الأولان ولم تقبله فطنة قلبه ورآه زائلًا علم أنه ليس من ذلك النور وتبرأ منه وفرغ إلى ربه فقال: (إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض)، إلى آخره، وذلك من الله له ابتلاء واختيار إذ أراد أن يتخذه لنفسه خليلا ولا يتوهم عليه أنه شرك في ربه ولهذا غور بعيد لا يمكن صفته وفي قدر ما وصفنا كفاية للمستنبط العليم.