[ ١٣ ]
فهو أن الألف أول الأسماء وأشرفها ومبتدؤها وأن جميع أسمائه التي تعرف وما لا تعرف إنما خرجت منها فهو محشو بجميع أسمائه وصفاته كما أن الأرضين كلها خرجت من تحت الكعبة ومدت منها من الأديم كذلك خرجت جميع أسمائه منه، والألف في الكتابة حرف منتصف من غير وصل ولا فصل لا انحراف فيه ولا اعوجاج فهو اسم الله دال بحرفيته وانتصابه واستقامته من غير انحراف ولا اعوجاج ولا تمايل على المسمّى الذي هو اسمه أنه واحدًا أحدًا صمد فرد أبد ودائم عدل تام بارئ قائم بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم وهو في التهجي واستعمال الأدوات ثلاثة أحرف ألف، ولام، وفاء ثم الألف منها ثلاثة أحرف، واللام حرفان والفاء حرفان في التهجي وفي الكتابة حرف فاللام في التهجي لام وألف وميم، والفاء فاء وياء، فمن الألف وهو الثلاثة الأحرف يخرج ثلاثة أسماء الله واللطيف والفاضل، الله من الألف واللطيف من الاللام والفاضل من الفاء، ثم تخرج من لام الألف اسمان لطيف ومجيد، اللطيف من اللام والمجيد من الميم، ثم تخرج من ميم الميم الذي خرج من لام الألف اسمان ملك ومهيمن، ثم تخرج من ميم الملك ولامه وكافة أسماء المولى والمحيي والمميت ومن ميم المهيمن وهائه ويائه وميمه الآخر ونونه خمسة أسماء المعطي من ميمه الأول والهادي من الهاء واليد من الياء والمكرم من الميم الآخر، والنون والناصر من النون فعلى هذا المثال يخرج من الألف جميع الأسماء والصفات وهو في الكتابة حرف وفي التهجي ثلاثة أحرف فقوله: (ألست بربكم)، لما أراد الله أن يأخذ عليهم الميثاق أبرز لهم هذا الألف على مثال الذي وصفنا حرفا منتصبا في صدورهم على أعين قلوبهم ثم أشار لهم إليه حتى إذا رأوه ونظروا إلى حرفيته وانتصابه واستقامته من غير انحراف ولا اعوجاج وفرديته من بين الأحرف وصموته ووقفوا على معنى ربّهم وهو في القول ثم قال: (ألست بربكم) والألف تماثله على أعين قلوبهم يشير لهم إلى وحدانية الملك ويدلهم بآياته وصفاته عليه فأجابوا ربهم ببلى واستدلوا باسمه الألف بحرفيته واستقامته ودلالته على ربهم وشهدوا له بالوحدانية وأقروا له بالربوبية وأيقنوا بالفردية وأعلموا أن الله إنما أبرز لهم هذا الاسم من بين أسمائه وصوره على أعين قلوبهم ليشهدوا به عليه ويعرفوه بالآيات التي تشير الألف بما فيه إليها ويوقنوا بالمعاني التي تؤدي الألف عنها يوقروا بالصفات التي تدلهم الألف عليها فاستدلوا بوحدانية الألف على أن المسمى الذي الألف اسمه واحدًا أحدًا واستدلوا بفرديته على أنه فرد واستدلوا بصموته على أنه صمد واستدلوا بحرفيته على أنه وتر واستدلوا ببراءته عن الوصل والفصل على ديمومته وقدمه واستدلوا ببعده عن أن يشبه الأشكال على كونه وبعده عن الكيفية ومنتهاه وحدوديته فعرفوه بالصفات والآيات والبينات معرفة بلا كيفية ولا محدودية وأقروا له بالربوبية ولأنفسهم بالعبودية فأجابوه بثلاثة أحرف وهو الباء واللام والياء فقالوا بلي فرضي عنهم وقبل منهم وجعلهم في كنفه ثم صبّ عليهم النور وأشهدهم على أنفسهم وأشهد الملائكة بذلك عليهم وكفى بالله شهيدًا ولهذا غور بعيد لا يمكن استفراغه ولا استفحاصه ولكن في قدر ما وصفنا كفاية وهداية لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإنما أجابوه ببلى ولم يجيبوه بنعم، وبلى ثلاثة أحرف ونعم أيضًا كمثله ثلاثة أحرف لأن في بلى ما ليس في نعم وما في نعم ما ليس في بلى وإن كانا من الحروف سواء ولأن نعم ليس لها عند الاستفهام موضع ولا معنى لأنه ليس في حروف نعم ويكون جوابًا للاستفهام ولهذا غور بعيد لا يمكن وصفه ولكن سنشرح منه شيئًا لتفهموه، إن الباء اسم يخرج منه اسم البرَّ والبرِّ والرب واحد في القلب فلما قال الله يوم الميثاق: (ألست بربكم)؟ نظروا فقالوا إن لله أسماء كثيرة وإنما استقررنا من بين أسمائه باسمه الرب والرب من البر والبر مخرجه من الباء، والباء حرفان باء وألف فإنما يريد ربنا أن نقرّ له باسمه البر ونجيبه به، والباء الذي في أوله باء الإضافة، والثاني اسمه البر والبر من البار وفي البار الألف وهو اسمه الأول فأقروا له به وأجابوه باسم هو في الحرف حرفان باء وراء والألف فيما بينهما مندمج لا يبرز إلا في وقت تهجي الباء ليكون إقرارهم له باسمه الله وجوابهم له بحرف يوافق حرفه الأول الذي ابتدأ به أول
[ ١٤ ]
كلامه في قوله بربكم الباء الذي قبل الراء وذلك أنهم نظروا فقالوا لم نقل ربنا ألست بخالقكم ولا رازقكم ولا مولكم ولا إلهكم فإن له أسماء كثيرة ما تعني ربنا في استقرارنا بهذا الاسم وهو الربّ فتبين لهم أنهم إذا أجابوه بالباء دخل فيه أشرف الأسماء وأولها وهو الألف مع ما وافقوا في جوابهم له بباريهم الذي ابتدأوا جوابهم من قول الربّ بربكم وقولهم بلى فجعلوا مفتتح الجواب بمفتتح الاسم الذي استقر ربهم واستفهمهم به ليتفق الباطن من الكلام من قوله بربكم بلى فوافقوا في الجواب بابتداء الباء ببائه وهو باء البر لا باء الإضافة ووافقوا في المعنى الذي أراد أن يقروا له من جميع أسمائه بألف الإله على ما أشار إليه ومثّل لهم بديًا فالباء هاهنا قالب الألف وهو المعنى ما في القلب لا في القالب فقوله باء إنما هو ألف فالمعنى ما في القالب والمشار إليه والقالب الاستعمال ألا ترى إلى حروف أبجد إنما ابتدأوا أول حروفه بالألف ثم الباء فقالوا أب نجد الألف منه معنى اسمه الله والباء معنى قولهم بلى وإلى حروفها الثمانية والعشرين ألف باء تاء ثاء وإنما جمعوا بين الألف والباء هاهنا وجعلوا مفتتحه بالألف وتاليه الباء لأنهم لم يكتفوا بالألف المندمج للعامة عند الاستعمال فقبلوه وجعلوا مفتتح كلامهم ألفًا مندمجًا وجعلوا تاليه الباء كما هو في الأصل لأنهم علموا أن المبتغى الألف والباء للاستعمال فأبرزوا ما كان مندمجًا وجعلوه مفتتح الكلام وجعلوا التالي الباء فقالوا أب وقالوا ألف وباء ولو تركوه على ما كان سبيله أن يقال هنا بباء باء البر وباء بلى والألف مندمج فيما بينهما ولكنهم علموا أنهم إذ قالوا ألف دخل فيه كل اسم ثم إذا قالوا باء كان قد دخل الباء مرة من الألف ومرة الآن فهذان باءان ومبتدأهما الألف فترجموا إحدى الباءين وهو الذي من الألف مندمج فيه وتركوا الباء الآخر المبرز على حاله تاليًا للألف علامة ورسمًا على القلوب ليوم الميثاق وجوابهم ربهم ببلى، فاسم آدم ﵇ ما لي أراه ألفًا والدال تاليه وليس تالي اسمه الباء وهو أبُ البشر، قال: له اسمان، أحدهما اسم الخلقة، والآخر اسم الفعل، أما اسم الفعل فإنه أبُ البشر ففيه ألف والباء تاليه، وأما اسم الخلقة، فهو آدم الألف مبدأه والدال تاليه لأنه لم يوجد عليه الميثاق يوم الميثاق ولم يستفهم وإنما عفي عنه لأنه كان مصوّر يده قد شاهد القربة ونال نور الجلال وأبدل مكان الميثاق عرض الأمانة فجعل مبتدأ اسمه الألف علامة لمعنى اسمه الله، والدال علامة الخلقة، أنه خلق من أديم الأرض ونما خلق من الأرض لأن الله كان عالمًا به أنه إن خلقه من نوره وبهائه اغتر وتجبر باتفاق النور "ومال إلى الزهو" والعوز والقربة وغلبا عليه فأهلكاه. ألا ترى إلى إبليس كيف تجبر واستكبر بأصل خلقته وهو نار العزّ على آدم في سجوده حتى كفر، وكيف مارى آدم في الخلقة فقال: (خلقتني من نار وخلقته من طين) فعطف الله علينا بني آدم إذ خلق أبانا آدم من التراب وعصمنا من دواهي أنفسنا وخلصنا من المهالك برأفته وليست تجري أسماء ذريته على هذا السبيل إنما ذلك سبيل آخر وسبيل مجرى الأسماء أسماء الخلق ومدارها على نحو آخر وهو ما يخرج من أفعالهم وأخلاقهم وطبائعهم وتصرفهم من حال إلى حال وأما الموضع الذي يجعل تالي الألف واللام فهو سبيل مجرى الكلام وهو على نحو ما ذكرنا بديًا أن الألف اسم من أسمائه وأول الأسماء وأشرفها وهو الدال على صانع الخلق وخالقهم فالألف ألف المعرفة واللام علم المعرفة ولا تكون المعرفة دالة مع علمها إلا فيما وصفنا بديًا في يوم الميثاق فإن الله أخرج الألف يومئذ بغير علمها وهو قوله: (ألست بربكم) وكان سبيله مع العلم أن يقول أل الألف مع اللام ليكون بروزه مع العلم ثم يقول لست بربكم فإن اللام التي في قوله لست ليست بلام علم المعرفة وإنما هي لام لست نكرة لأن لام لست ليست زائدة كألف كلام الله فالألف مع اللام معرفة مع العلم كقولك الدار والرجل فالألف اسم يدلك ما فيه على المسمى واللام علمها وهو المصدق لها، والنكرة أن تقول رَجُلٌ ودار ليس فيها معرفة ولا علم وهو اسم مصمت وإنما أخرج الله يومئذ الألف وحده من غير علم لأنه أحب أن يعرفوه ربا ويقروا به غيبًا من غير علامة يرون أو إشارة يبصرون سوى الذي في الألف فإن في حشوه
[ ١٦ ]
منن الدلائل والعلائم والبينات والدلالات ما يحملهم على وحدانيته ويدلهم على فردانيته من غير علم المعرفة فأخرج الألف دالًا بصفاته عليه من غير لام كالنكرة وليست بنكرة إنما هي معرفة بلا علم ليكون معرفته به وإقرارهم به غيبًا كما دعاهم إليه غيبًا فيمدحهم ويثني عليهم ويباهي بهم خلقه الآخرين، وقال: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) .ل والعلائم والبينات والدلالات ما يحملهم على وحدانيته ويدلهم على فردانيته من غير علم المعرفة فأخرج الألف دالًا بصفاته عليه من غير لام كالنكرة وليست بنكرة إنما هي معرفة بلا علم ليكون معرفته به وإقرارهم به غيبًا كما دعاهم إليه غيبًا فيمدحهم ويثني عليهم ويباهي بهم خلقه الآخرين، وقال: (الم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب) .
فقال له قائل، فقوله: "هو آية كلمة هي وما في حشوها فإني أسمع الله يشهد وملائكته وأُولي العلم على أنه هو وقال في سورة الإخلاص قل يا محمد (هو الله أحد) "، وقال في آخر الحشر (هو الله الذي لا إله إلا هو) ثم قال في موضع آخر: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك) وقال في آية أخرى: (لا إله إلا أنا فاعبدوني)، قال هيهات هيهات أن يكون لهذا العلم في إهابك مساغ، فإن هذا علم جليل دقيق، ولكن سنذكر منه شيئًا لتستدل به على ما تريد قوله هو، فإن هو كلمة محشوة في صفاته الإلهية والفردية والجلالة والملك والعزة والقدرة والسلطان والجبروت وهو حرفان هاء، وواو، فالهاء منها الهداية، إن الله وهو الهادي، والواو الوله لأن الوله لا يجوز ولا يستحق إلا الله فمستقر جميع الصفات الآتية والأسماء الرفيقة في الهاء، والواصف لها، والدليل مما فيه الخلق والمشير إليها والمعبر عنها، والمؤدي عن معناها بكنهة الألف لا ترى أنه لما قال: (قل هو)، لم يَدُل على صفاته حتى قال: الله، فأبرز الألف، ثم قال: (أحد) ثم قال: (الله)، فأبرز الألف، ثم قال: (الصمد)، فأبرز الألف قبل الصفات أولا ترى إلى قوله: (هو الله الذي لا إله إلا هو)، فسكت ثم قال: (الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر)، ثم قال: (هو الله الخالق البارئ)، لم يكتفي بهو في تلك المواضع حتى ذكر بعده الله، ثم وصف فهو كلمة لا ينطبق بما فيها ولا تدل ولا تشير ولا تصف وهو محشو بها، فالألف المعبر عنها بما فيها وهي في الكتابة حرف الألف لا تظهر ألاَّ عند القراءة والتهجي، وأما الواو الذي يتلوه فهو الاسم وله الخلق إليه وإلهية الملك بوحدانيته، فالرب تعالى لما دعا الخلق إليه في المقادير ووصف نفسه وصف بهو لأن فيه علم الغيب، ودعاهم إليه به، فقال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو)، ولما دعاهم إليه يوم الميثاق دعاهم إليَّ أنا فقال: (لا إله إلاّ أنا فاعبدون)، هذا إقرار ومر أن يعبدوه في الجملة ولما دعاهم إلى عبادته ودعاته دعاهم إلى اسمه الله فقال: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك)، وقال: (إنني أنا الله لا إله إلاَّ أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري)، فقوله: (هو)، اسم لا ينطبق ولا يدل، وقوله: (أنا)؛ اسم مضمر فيه اسمه الله، وقوله: الله؛ اسم واضح دال الوصف. قيل له: اسمه إبليس، أوله ألف وتاليه الباء، ما معناه، قال: ذاك ليس من هذا المعنى في شيء ذاك اسم سماه الله به يوم أبى عليه بالسجود لآدم ﵇ أخرجه من فعله، وأما اسمه الذي هو اسمه فهو غزازيل فهذا اسم الخلق في البدأ، وذاك اسم سماه الله به من فعله الذي بدا منه.