[ ١٧ ]
فإنه خمسة أحرف كل حرف منها يدل على فعله الذي هو فيه ويبدو منه وهو الألف والباء واللام والياء والسين، فأما الألف فإنه ألف الإباء والاستكبار إذ كان إباءه من الاستكبار، كما قال: (أبى واستكبر وكان من الكافرين) فإباؤه من الاستكبار واستكباره من الكفر. وأما الباء فإنه بالبراءة حيث برأ من ربه بتركه السجود، وأما اللام فأنه لام لم، وأما الياء فإنه ياء لم يكن، يقول لم يكن، وأما السين فإنه سين السجود فإذا جمعت الحروف كلها أدى المعنى على أنه أبيَّ على ربه واستكبر ولم يكن من الساجدين لآدم ﵇ مع الملائكة، قال الله تعالى: (إلا إبليس لم يكن من الساجدين)، قيل له فاسم إبراهيم ﵇ أخرج أيضا مبتدؤه الألف ثم الباء.
اشرح لنا منه شيئًا قال: أما تفسير اسم إبراهيم فإن كل حرف منه اسمه دليل على فعله الذي كان من مندمجًا فيه منكمنًا كالنار في الحديدة وعلى ما أخرج منه يوم الابتلاء والاختبار، فأما الألف فإنه ألف الإسلام، حيث قال الله له: (اسلم)، قال: (أسلمت لرب العالمين) . وشهد الله له ذلك ولابنه إسحاق.
فقال (فلما أسلما وتله للجبين)، ويحتمل أن يكون ألف الإخلاص أنه كان مخلصًا ويحتمل أن يكون الألف ألف الإيمان إذ شهد بذلك فقال: (إنه من عبادنا المؤمنين)، ويحتمل أن يكون على ما ذكرنا بديًا من أن الألف اسم الله والباء علامة جوابهم بلى وكل حسن، وأما الباء على التفسير الذي ذكرنا إن الألف ألف الإسلام فإنه باء البراءة حيث قال: (إني بريء منكم ومما تعبدون من دون الله)، ثم قال: (أنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله)، وأما الراء فإنه راء الرؤيا حيث قال: (يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى)، وأما الهاء فإنه هاء الهم، وأما الباء فإنه باء التصديق فإذا جمعت من الحروف صار كلامًا وأدى المعنى المبتغى منه في القول أنه أسلم لربه فيما رأى في الرؤيا وهم أن يصدق رؤياه بذبحه ابنه فاكتفى الله بهمه وعفا عنه ورضي عنه وفداه بكبش، وأما الميم الذي يعقبه فإنه ميم مه حيث هم بذبحه قال الله جل وعز "مه" فسماه الله بذلك الاسم ولم يظهر بعد منه هذه الأفعال لعلمه به وما يبدو منه بعد ذلك.
قيل له فاسم فرعون: أحببنا أن تشرح لنا منه شيئًا ليكون لنا فائدة؛ قال: أما تفسير اسم فرعون فإنه له اسمين: أحدهما الوليد، والآخر فرعون، وكان يدل على فعله وسوء سيرته الذي منه بدا.
فأما الوليد فإنه أربعة أحرف: واو، ولام، وياء، ودال، فالواو واو الويل، واللام لام اللعنة، والياء ياء اليوم، والدال دال الدين فإذا جمعت بينهما أبدى المعنى على أن عليه الويل واللعن يوم الدين، فهذا اسم قد سماه الله به وحشوه ما يصل إليه في الآخرة مندمج منكمن فيه في الويل واللعن.
وأما الاسم الآخر فهو فرعون فهو خمسة أحرف: وهو الفاء والراء والعين والواو والنون؛ فالفاء فاء الفراق والتفريق والراء راء الركوب والركون، والعين عين العلو، والواو واو الويل، والنون نون النار، فإذا جمعت بين حروفه الخمسة أبدى عن المعنى على أنه حيث ملك فارق دينه، وفرق بين بني إسرائيل، وركن إلى الأرض وركب هواه وعلا كما قال الله: (إن فرعون علا في الأرض)، وكما قال: (وإن فرعون لعال في الأرض)، وكما قال بنفسه وادعى الربوبية: (أنا ربكم الأعلى) فهذا ما بدا منه في الدنيا، وأما الواو والنون فله الويل والنار يوم القيامة في خزي وهوان أبد الآبدين.
قيل له فتفسير لا إله إلاَّ الله وترجمته: إن وفق الله لك أن تذكر لنا منه شيئًا شكرنا الله لك بالسداد والرشد، قال فأما تفسير لا إله إلاَّ الله، فإنها في الحروف عشرة أحرف لا آن وهاءان وثلاثة ألفات وثلاثة لامات، فأما إله فثلاثة أحرف؛ والاسم منها في الألف وهو الاسم المنحول المستعار للأصنام مأخوذ من اسم ربنا الله اختلافًا واستراقًا، وأما الله فهو أربعة أحرف؛ والاسم منها في الألف، فالألفان اسمان: أحدهما محق بالتحقيق؛ وهو الله اسم لربنا ﷿ والآخر مستعار مسترق منحول مختلف والهاءان علما إلوهيته إلى المنسوب إليه بالألف وهو اسم في قوله: (إله)، وقوله: (الله) وأحدهما التحقيق والآخر مستعار كما ذكرنا.
[ ١٨ ]
فإذا قلت لا إله إلاَّ الله فلا الثاني، لألف الإله، لأن الاسم المستعار فيه وهو اسم الصّنم، وإذا قلت إلاَّ الله، فألف إلاَّ هو المثبت لألف الله لأن السم المستحب فيه وهو اسم ربنا جل وعزّ، وأما لا فهو عماد الألف هاهنا؛ لأن الألف لا يمكن عبارته باللسان دون اللام إذ هو علمه فكذلك اللام لا يمكن استعماله إلاَّ مع الألف وإن استعمل دون الألف ذهب المعنى، وتلاشى المراد، وبطل المبتغى، وصار كلامًا آخر يؤدي إلى معنى آخر، ولأن الكلام التام عند العرب لا يكون من ثلاثة أحرف إلا في أحرف قليلة منها قول الله: (كن)، وهو حرفان خرج منهما الملك والملكوت وشأن الدارين، وأمر الآخرة، وذلك تقدير من العزيز العليم، أخرجه من خزائن الربوبية فقوله كن؛ نما هو في الأصل حرف والنون قائمته، فلو قال ربنا لما شاء أن قال: كن من غير نون كان ما شاء، ولكن أحب أن يخرجه مع القائمة ليفهم خلقه كلامه ومعناه في تنزيله في شرائعهم على لغاتهم وألفاظهم ليكون أيسر على ألسنتهم وأفهم للسامع على المراد ألا ترى إلى بعض رؤوس السور المبهمة كيف تاه الناس فيها، وكيف اختلفوا في تفسيرها وهن "الطَّواسين والحواميم والميمات" وغيرها، وهن ثلاثة أحرف، وأكثر فلولًا إنهم تاهوا فيها إذن لهم أتوب في قوله: طس ويس ونون وقاف، وكل حرف منها محشو بمعان وصفات وكل إنما هو بعض من كلام، كما قالوا إن ألف لام ميم، فالألف منها اسم ربنا الله والله اسمه اللطف والميم اسمه الملك فانظر كم حرف اللطيف، وكم حرف الملك، وكم حرف الله، وكم حرف الألف من الله، وكم حرف اللام من اللطيف، وكم حرف الميم من الملك، وقد قال بعض المفسرين إن الألف إلا الله وإن اللام لطف الله، وأن الميم ملك الله، ويقال أيضًا أن الألف اسم الله وأن اللام اسم جبريل، وأن الميم اسم محمد ﷺ، فقوله (كن) هو حرف كقوله نون وقوله كاف والنون قائمته ليكون للسامع أفهم وللقائل أيسر وأشبع في الكلام وأتم في القالب، فلا كلمة نفي ولا كلمة إثبات ولا يكون الإثبات إلا بالألف ويكون النفي بغير الألف، لأن الألف في لام مضمر مندمج فيه، فإذا قلت لا علمت أنه لام وألف، وإذا قلت إلا علمت أنه لام وألفان أحدهما قبل لا والآخر بعد لا، ولا في الكتابة له فرعان من أصل واحد وفي الكلام لا تظهر إلا في فتحة اللام ومدَّته، فاكتفى الله بنفي كل معبود دونه بحرف لا لأنه وإن كان حرفًا واحدًا في الكتابة فإنه حرفان في الأصل لام وألف، والفرعان اللذان فيه يدلان على ذلك، وإن خفي على الناس معرفة ذلك والألف أشرف أسمائه وأعزها فاكتفى به في النّفي وإن كان مضمرًا فإن له سلطانًا ينفي وحدة اسم كل معبود سموا باسمه الله اختلافا واستراقًا وانتحالًا واستعارة، ولم يكتفي به عند الإثبات حتى أبرز ألف إلاّ سوى الألف الذي في لا وترك اللف الذي في الأعلى حال تأكيد وتثبيت، فقال عند النفي لا حرف واحد وهو اللام وفيه الألف المضمر، وقال عند الإثبات ألاَّ فترك لا على حالة وأبرز ألفًا آخر قبله ليكون حرفان ظاهران؛ ألف، ولام سوى الألف الذي في لا لئلا يكون إثباته بحرف واحد كما إن النفي بحرف واحد فيشبه الإثبات النفي في قوله (لا) فميز افثبات من النفي بالألف الذي أبرز قبل لا.