لم يكن الماوردي في القرن الخامس الهجري أول من كتب في الأمثال والحكم؛ لأن العناية بالأمثال نشأت في عهد مبكر.
ويحدثنا الرواة أن صحار بن العياش أو بن عياش أحد عبد القيس وكان في أيام معاوية، أول من وضع كتابًا في الأمثال (٣).
وجاء من بعده عبيد بن شربة الجرهمي (المتوفى ٧٠ هـ)، ويقول ابن النديم عنه أنه أدرك النبي ولم يسمع منه، وأنه وفد على معاوية فسأله عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم، وقد روى علاقه بن كرشم الكلابي كتاب أمثال "عبيد بن شربة"، وأضاف ابن النديم أنه في نحو خمسين ورقة (٤)، ولم
_________________
(١) المزهر ٢: ٤٨٦.
(٢) الأمثال العربية القديمة ٢٥.
(٣) فهرست ابن نديم (ليبك) ص ٩٠، ويصحح ابن عباس بما ذكرنا، وراجع البيان والتبيين للجاحظ ١: ٩٦ (تحقيق هارون) ولفظ عياش متداول في أسماء عبد القيس، والأمثال في النثر العربي القديم للدكتور عبد المجيد عابدين ٣١.
(٤) فهرست ابن النديم (نشر فلوجل) ٩٠.
[ ٢٢ ]
يصل إلينا كتاب "صحار" و"عبيد" فضلا عن كتاب أبي عمرو بن العلاء (المتوفى ١٥٤ هـ)، ولعل أول كتاب في أمثال العرب أفلت من عبث الزمن ووصل إلينا، هو كتاب المفضل الضبي (المتوفى ١٧٨ هـ) برواية ابن زوجته محمد بن زياد الأعرابي الكوفي (المتوفى ٢٣١ هـ)، ويقال: أن لابن الأعرابي هذا كتابًا آخر في الأمثال.
ولمؤرج بن عمر السدوسي (المتوفى ١٩٣ هـ) كتابًا في الأمثال صغير الحجم حققه الدكتور رمضان عبد التواب، وهو متداول ومنتشر. كما كتب في الأمثال أيضًا: أبو عبيدة بن معمر المثنى (٢١٠ هـ)، والأصمعي عبد الملك بن قريب (٢١٣ هـ)، وأبو زيد الأنصاري (٢١٥ هـ). وأبو عبيد القاسم (٢٢٤ هـ)، ويعد كتابه أقيم الكتب المصنفة في الأمثال لما بذله من جهد في تصنيفها موضوعيًا، فضلًا عن مقدار ما جمعه فيه (١)، وقد حظي كتابه بعدة شروح من أهمها "فصل المقال" لأبي عبيد البكري، كما أن لابن السكيت (٢٤٤ هـ) وابن حبيب (٢٤٨ هـ) والجاحظ (٢٥٥ هـ) وابن قتيبة (٢٧٦ هـ)، والمفضل ابن سلمة (٢٩١ هـ) كتبا في الأمثال، لم يصل إلينا منها سوى كتاب المفضل ابن سلمة وعنوانه "الفاخر". وفي القرن الرابع الهجري كان من أهم الكتب المصنفة كتاب "الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة" لحمزة بن الحسن
_________________
(١) اعتمد فيه على أربعة من كتب الأمثال الأصلية، وهي كتب الأصمعي، وأبي زيد، وأبي عبيدة والمفضل الضبي، فقد نقل جل ما فيها، ولم يكتف بذلك، بل استعان في تفسير الأمثال بأقوال المشاهير من علماء اللغة ممن ليست لهم كتب في الأمثال. . . كالكسائي وابن الكلبي. واستكثر في الاستشهاد على معان الأمثال بالحديث الشريف وآثار الصحابة والتابعين وأقوال الحكماء والعلماء مما جعل الكتاب أكثر فائدة وأعم نفعًا. مقدمة الأمثال لعبد المجيد قطامش ١٧، ١٨.
[ ٢٣ ]
الأصبهاني (٣٥١ هـ)، وقد استفاد الميداني (١) وغيره من هذا الكتاب كثيرًا، والكتاب محقق تحقيقًا علميًا ومتداول. وكتاب "جمهرة الأمثال" لأبي هلال العسكري (٣٩٨ هـ).
أما الحكمة فلم ترد كتبًا مستقلة فيها سوى كتاب "الفرائد والقلائد" لأبي الحسن الأهوازي (المتوفى على الراجح ٣٣١ هـ)، وطبع هذا الكتاب ونسب إلى الثعالبي، والثعالبي نفسه يشير إلى نسبة الكتاب إلى الأهوازي في كتابه "سحر البلاغة" و"خاص الخاص" (٢).
ومعظم ما ورد من فصول الحكمة ورد في كتب الأدب: كالبيان والتبيين للجاحظ، وعيون الأخبار لابن قتيبة، والعقد الفريد لابن عبد ربه، وكتب عبد الله بن المقفع الذي نقل من خلالها حكم الفرس؛ لأنه كان من النقلة المشهورين عن الفارسية (٣).