فصل (١)
(٨٩٩ - ٢٩٩) خبر يجمع أَمثالًا:
دخل عبد الله بن الزبير - ﵁ - على عائشة -﵂-، وعندها مروان بن الحكم (٢) فتحدثت به، وقالت: لقد أَجاد لبيد حيث يقول:
وما المرْء إِلا كالشِّهاب وَضَوْئهِ يحولُ رَمادًا بَعْدَ إِذْ هُوَ سَاطِعُ (٣)
فقال ابن الزبير: لو شئتُ لقلتُ ما هو خير منه، فقال:
وَفَوِّضْ إِلى الله الأُمور إِذا اعْتَرَتْ وباللهِ لا بالأَقْرَبينَ فَدافِعِ
فقال مروان: أَفلا تقول:
وفوض إِلى الرحمن أَمْرَكَ إِنَّهُ سَيَكفيكَ، لا يَسْبَع برأَيك سَابِعُ
فقال ابن الزبير: أَفلا تقول:
وللخَيْرِ أَهلٌ يُعْرَفونَ بِهَدْيِهِمْ إِذا اجْتَمَعَتْ عند الخطوب المجامِعُ
فقال مَروان: أَفلا تقول:
وللخَير أَهل يعرفون بِهَدْيِهمْ إِذا جَمعتْهُم في الحقوقِ المجامِعُ
فقال ابن الزبير: أَفلا تقول:
وللشَّرِّ أَهل مُلْبسونَ ثيابَه عليهم سرابيل له وبَراقِعُ
فقال مروان: أَفلا تقول:
وللشَّرِّ أَهلٌ تُشيرُ إِليْهِمُ على كل حالٍ بالأَكُفِّ الأَصابعُ
_________________
(١) س: فصل فيه.
(٢) ل: دخل عبد الله بن الزبير ومروان بن الحكم على عائشة -﵂-.
(٣) ديوانه ١٦٨، والأغاني ١٥: ٣٧٣. ١٧: ٦٣، والتمثيل والمحاضرة ٦١.
[ ٢٧٢ ]
فقال ابن الزبير: أَفلا تقول:
وَفينا أَناسٌ .. وارتج عليه، فقال مروان: أَفلا أَجيزه عليك؟ فقال: هات، وما أَراك تفعله، فقال مروَان:
وَفينا أُناسٌ لا تُرَ عليهم إِذا استدعوا أخرى الليالي الوَدائع
وإِن شئت قلت:
وَفينا أُناسٌ يَطْلُبونَ تقرُّبًا بديِنهِم الدُّنْيا، وتِلْكَ فجائِعُ (١)
وإِن شئت قلت:
وَمَنْ يَشأ الرَّحْمنُ يَخْفِضْ بِقَدْرِهِ وَلَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَرْفَعِ اللهُ رافعُ
أفوض الدفاع (٢) إِلى الله وَحْدَه وَلَيْسَ لما لا يَدْفَعُ اللهُ دافِعُ
ولا يستوي عبدان مُكَلَّم (٣) معتلُّ (٤) لأَرحام الأَقارب قاطع
إِذا المرءُ جافى جَنْبَهُ عَنْ فراشِهِ يَبيتُ يُناجي رَبَّهُ وَهْوَ راكعُ
فداوِ ضميرَ القَلْبِ بالبِرِّ والتُّقى فما يستوي قلبان: قاسٍ وخاشِعُ
(٩٠٠ - خاتمة) في أَدْعِيَةٍ بليغةٍ ومعانٍ بَديعةٍ:
الدعاء: تفويض الأَمر إِلى الله تعالى في كشف الشدائد، ونيل الرغائب (٥)، يصدر عن قُوة دين، وَحُسن يقينٍ، يُفضيان إِلى طاعة الراجي وخضوع اللاجئ، وحصن المناجي، فتؤكد الوسيلة أَسبابها، وتفتح الإِجابة أَبوابها.
_________________
(١) ساقط من ل: وإن شئت. . . . إلى وخاشع.
(٢) الدفاع: غير واضحة في س، وفي ت: أسبابي.
(٣) مكلم أي مجروح. اللسان ٣: ٢٩١ (الخياط).
(٤) معتل: غير واضحة في س، وفي ت: عُتلُّ.
(٥) س: للرغائب.
[ ٢٧٣ ]
(١) وقد روي عن النبي - ﷺ - أَنه قال: "مَنْ لَزِمَ الدعاءَ جعل الله لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، ورَزَقَه من حَيْثُ لا يَحْتسِبُ" (٢).
وقد روي عن النبي - ﷺ - أَنه قال: "إِذا فَتَحَ الله على عبده الدعاءَ، فليدعُهُ بهِ يستجيب له" (٣).
وقال - ﷺ -: "دَاوُوا مَرضاكُمْ بالصَّدَقَةِ، وحَصنوا أَموالكم بالزكاة، واستقبلوا البلاءَ بالدعاءِ" (٤).
وقيل: الدعاء معتبَرٌ بصحَّةِ القَصْدِ، وإجابته مرجوة بالإِخلاص.
ومن دعائه - ﷺ -:
ما روته أُم سَلَمةَ قالت: كان رسول - ﷺ - يقول إِذا أَصبح: "اللهُمَّ إني أَسأَلُكَ عِلْمًا نافِعًا، ورِزْقًا طيبًا، وعملًا متقبلًا" (٥).
ومن المروي عنه - ﷺ - ما رواه شداد بن أَوس قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إِذا كنز الناس الذهب والفضة، فأَكثروا من هؤلاء الكلمات: اللَّهم إِني
_________________
(١) س: خرم وتلف حتى نهاية الكتاب.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد وابن ماجه وأبو داود عن عبد الله بن عباس. المسند (تحقيق شاكر) رقم ٢٢٣٤. وسنن ابن ماجه ٢: ١٢٥٤ برقم ٣٨١٩، وسنن أبي داود (تحقيق الدعاس وآخر) ٢: ١٧٨ برقم ١٥١٨، ومشكاة المصابيح برقم ٢٣٣٩، وجامع الأصول ٤: ٣٨٩ برقم ٢٤٤٦.
(٣) حسن، أخرجه الحكيم عن أنس، مسند الفردوس ١: ٣٣٦ برقم ١٣٤٠، وكنز العمال ١: ٦٤ برقم ٣١٣١.
(٤) ضعيف جدًا، أخرجه الطبراني والقضاعي وأبو نعيم والخطيب البغدادي عن ابن مسعود، وفي سنده موسى بن عمير الكوفي، وهو متروك ذاهب الحديث. ضعيف الجامع الصغير ٣: ٩٩ برقم ٢٧٢٣.
(٥) حسن، أخرجه ابن حنبل عن أم سلمة. المسند ٦: ٢٩٤، وابن ماجه عنها أيضا السنن ١: ٢٩٨ برقم ٩٢٥، كما أخرجه ابن رزين. جامع الأصول ٤: ٢٣٠، ٢٣١ برقم ٢٢٠٩.
[ ٢٧٤ ]
أَسأَلك الثبَاتَ في الأَمر، والعزيمةَ في الرُّشْدِ، وأسأَلُكَ حسن عبادتِك، وأَسألُكَ قَلبًا سليمًا، ولسانًا صَدوُقًا، وأَسأَلُكَ من خَير ما تعلمُ، وأَعوذ بك من شر ما تعلم، وأستغفرك لما تعلمُ، إنك أَنتَ علام الغيوب" (١).
وقال - ﷺ -: "أَعوذُ بكَ منْ حلول نقمتك، وزَوال نعمتك، وتحويل عافيتك" (٢).
ورُوي عن ابن عباس - ﵁ - أَنه دعا، فقال:
"اللَّهم إنا نحب طاعتك، وإِن قصرنا فيها، ونكره معصيتك وإِن ركبناها، اللَّهم تفضل علينا بالجنة وإِن لم نكن لها أَهلًا، وأَعذنَا من النار وإِن استوجبناها، اللهم إِنا نخافُ أَن يضطرنا المَعاش إِلى ما تكره من الأعمال، فاكفنا تبعات الدنيا وفتنتَها وعوارِضَ بَليَّتِها".
وروى سفيان الثوري قال: رأَيت جعفر بن محمد -﵉- مستلقيًا على ظهره بعرفات لعلة به وهو يقول: "اللَّهم إِني أَطعتك بفضلك فلك المنَّة".
آخر الكتاب
والحمد لله على نعمه حمدًا يرضاه ويوجب الزلفى إليه، وصلواته على خِيرَتهِ من خلقِهِ محمد وآله وصحبه حسبنا الله ونعم الوكيل
_________________
(١) حسن، أخرجه النسائي وأحمد والترمذي عن شداد بن أوس. سنن النسائي ٣: ٥٤، ومسند ابن حنبل ٤: ١٢٥، والجامع الصحيح (وهو سنن الترمذي) ٥: ٤٧٦، وابن حبان في صحيحه. موارد الظمآن برقم ٢٤٦١.
(٢) صحيح، أخرجه مسلم والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك". جامع الأصول ٤: ٣٥٦ برقم ٢٣٨٦.
[ ٢٧٥ ]