لم يشر الماوردي إلى المصادر التي استقى منها كتابه ولكن نستطيع من خلال تحقيقنا للكتاب أن نقول: إنه استفاد استفادة كبيرة من: جمهرة الأمثال
_________________
(١) النجوم الزاهرة ٥: ٦٤.
(٢) بروكلمان ١: ٣٨٦ والملحق ٢: ٦٦٨.
(٣) تاريخ آداب اللغة العربية ٢: ٣٣٥.
(٤) الأعلام ٥: ١٤٧.
(٥) تاريخ الأدب العربي ٣: ١٤١.
(٦) الأمثال العربية القديمة ٣٧.
[ ٢٥ ]
لأبي هلال العسكري، وكتاب الدرة الفاخرة في الأمثال السائرة للإمام حمزة ابن الحسن الأصبهاني (المتوفى ٣٥١ هـ) وكتاب الفرائد والقلائد لأبي الحسن الأهوازي (المتوفى على الراجح ٣٣١ هـ)، كما استفاد من دواوين الأدب واللغة التي تثقف عليها: كالبيان والتبيين للجاحظ، والكامل في الأدب واللغة للمبرد، وعيون الأخبار لابن قتيبة، وكتب أبي عمرو العلاء في اللغة والأدب، فقد استند إليه الماوردي في كتابه في أكثر من موضع، وكتاب الفاخر لأبي طالب المفضل بن سلمة بن عاصم (٢٩١ هـ).
ويبدو لنا أن كتاب الأمثال والحكم من أوائل ما كتب الماوردي؛ لأنه يعتمد على الجمع والاختيار لا على الخلق والابتكار، وعلى العموم اختيار المرء قطعة منه، وكان موفقًا في اختياره إذ ضمن كتابه آداب الدنيا والدين، وعوامل إصلاح الفرد والجماعة من خلال حثه على التحلي بالصفات والخلال الكريمة، وزجره ونهيه عن الصفات المذمومة بما أورده من أحاديث، وحكم للعرب والفرس والروم، وأشعار الحكم والأمثال، وقد تميز الماوردي في كتاباته بجودة التقسيمات وإحكامها.
وقد أشار في مقدمة كتاب الأمثال والحكم أنه جعل كل فصل يتضمن ثلاثين حديثًا، وثلاثين فصلًا من الحكمة، وثلاثين بيتًا من الشعر، وقد تبين لنا أنه لم يلتزم ذلك في كل الفصول، فعدد الأحاديث في الفصل الثالث ٢٩ حديثًا، بينما عدد الأحاديث في الفصل الرابع ٣١ حديثًا، وعدد أبيات الشعر في الفصل الثاني ٢٩ بيتًا، بينما في الفصل الرابع ٣١ بيتًا، وفي السابع والعاشر ٢٩ بيتًا لكل منهما.
وقد تبين لنا أن الماوردي استند إلى بعض أحاديث ضعيفة جدًا، وفي نظر
[ ٢٦ ]
بعض علماء الحديث أنها موضوعة، ولعل المبرر إلى استناده إلى الأحاديث الضعيفة، أنه كفقيه شافعي يأخذ بالحديث الضعيف، ويدخل فيه الحديث المرسل في فضائل الأعمال والترغيب والترهيب، ومعظم ما ورد من الأمثال والحكم تدخل في إطارهما.
وقد ركز الماوردي على بعض الأحاديث فذكرها أكثر من مرة مع اختلاف السند أو لفظه، كما هو الحال مثلًا في الحديث رقم ٥ والحديث ١٧٣، كما أنه لم يذكر في بعض الأحاديث راويها من الصحابة أو التابعين، وجرى كما تجري عليه كتب الأدب من إسنادها إلى الرسول مباشرة، وقد استعصت بعض الأحاديث على التخريج على الرغم من الجهد المبذول.
وتبين لنا أن بعض الأشعار هناك اختلاف في نسبتها ويعد نسبتها منه إلى شخص معين ترجيحًا واقتناعًا منه بصحة النسبة، وكنا نعجب كيف يتفق الشاعران؟ حتى جاءتنا الإجابة على لسان أبي عمرو بن العلاء -﵀- فقال: عقول رجال توافت على ألسنتها (١)، وهو ما ينطبق أيضًا على بعض الحكم المنسوبة إلى أكثر من شخص.
[٣]