هو علي بن محمد بن حبيب الماوردي، وكنيته في أغلب المصادر: أبو الحسن وفي بعضها: أبو الحسين (٢)، ويلقب بـ"الماوردي".
ولد بالبصرة سنة ٣٦٤ هـ من أسرة لم يثبت لدينا اشتغال أصولها بالعلم أو النبوغ فيه، وإنما اشتغلت بصناعة وبيع ماء الورد، واشتهرت به (٣) وأثريت منه.
ويبدو لي أن أسرة الماوردي كانت حريصة على تعليم أولادها، فقد تفقه الماوردي بالبصرة على يد عالمها أبي القاسم الصيمري (٤) (المتوفى ٣٨٦ هـ)
_________________
(١) مصادر ترجمته: طبقات الفقهاء للشيرازي ١٧٥، وطبقات الشافعية الكبرى ٥: ٢٦٨، وطبقات الشافعية للأسنوي ٢: ٣٨٧، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١: ٢٤٠، وتاريخ بغداد ١٢: ١٠٢، والمنتظم لابن الجوزي ٨: ١٩٩، ووفيات الأعيان ٣: ٢٨٢، ومعجم الأدباء ٥: ٤٠٨، والبداية والنهاية ١٢: ٨٠، والنجوم الزاهرة ٥: ٦٤، ومرآة الجنان ٣: ٧٢، ومفتاح السعادة ٢: ١٩٠، وهدية العارفين ٥: ٥٨٩، وطبقات الأصوليين ١: ٢٤٠، ومقال: أبو الحسن الماوردي للشيخ محمد أبي زهرة. بمجلة العربي الكويتية ١٩٦٥، كتابنا عن الماوردي.
(٢) تاريخ ابن الوردي: ٥٤٩، كما أن مخطوطة ليدن للأمثال والحكم الكنية فيها: أبو الحسين.
(٣) الأنساب للسمعاني ٥: ١٨١، ١٨٢ (تقديم وتعليق عبد الله البارودي).
(٤) الصيمري (بصاد مهملة مفتوحة ثم ياء ساكنة بعدها ميم مفتوحة) نسبة إلى صيمر من أنهار البصرة، كما قال ابن الجوزي ورجحه النووي. تهذيب الأسماء واللغات الجزء الثاني من القسم الأول ٢٦٥.
[ ١٣ ]
ثم ارتحل بعد وفاته إلى بغداد -مركز العلم والمعرفة في عصره- ودرس على إمامها الكبير أبي حامد الأسفراييني (١) (المتوفى ٤٠٦ هـ).
وسمع الحديث من شيوخ عصره: الحسن بن علي بن محمد الجبلي، ومحمد بن عدي المنقري، ومحمد علي الأزدي، وجعفر بن محمد بن الفضل البغدادي المعروف بابن المرستاني.
كما درس الماوردي اللغة والأدب على الإمام أبي محمد البافي (المتوفى ٣٩٨ هـ)، وكان من أعلم أهل زمانه بالنحو والأدب، فصيح اللسان، بليغ الكلام، حسن المحاضرة، يقول الشعر الحسن من غير كلفة، ويكتب الرسائل المطولة بلا روية، وقد تأثر به الماوردي واستفاد منه كثيرًا، ويمكن لنا أن نقول: إنه بزه (فاقه)، وكان أثره وإثراؤه للأدب العربي واضحًا وكبيرًا بما تركه من كتب في الأخلاق والتربية والمواعظ، وصفته كأديب غير منكورة من أحد، بل من لم ينصفه في الفقه من أنصار المذهب يعلل شهرته بما كان يتمتع به من لسان (٢).
وكان الماوردي فقيهًا شافعيًّا مجتهدًا، ينهج نهجًا علميًا في أبحاثه إذ يعرض لوجهات النظر المتعارضة والمختلفة في المسألة الواحدة، ويرجح بينها، وينتهي لرأي يرى فيه وجه الحق والصواب، حتى انتهت إليه زعامة الشافعية في عصره.
وانفرد في تفسيره للقرآن الكريم ببعض الاتجاهات التي تدل على أصالته وعمق تفكيره، خاصة في الآيات المتعلقة بمبادئ الحكم والسياسة.
_________________
(١) طبقات الشافعية الكبرى ٤: ٦٤.
(٢) أبو المعالي الجويني: غياث الأمم ص ١١٦ يقول في الماوردي: "استجرأ على تأليف الكتب تعويلات على ذرابة (فصاحة) في عذبة لسانه واستمكانه من طرف من البسط في بيانه".
[ ١٤ ]
وتتميز كتاباته بأسلوب واضح بليغ ينتقي ألفاظه ومعانيه، ويؤلف بينها كأنها شعر منثور.
وكان أخلاقيًا في سيرته ومعاملاته بين الناس، وعمر طويلًا، فقد عاش ستًا وثمانين سنة، وتوفي سنة ٤٥٠ هـ، ودفن ببغداد.