بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
رب يَسِّر (١)
(٢) الحمد لله الذي فضل ذوي العُقُول، وميز العَالم من الجَهول، وقَدم الفاضل على المفضولِ، بما خصَّه من حكمة تَستَيقظ بها الألباب اللاهِيَةُ، وتستَقيم بها الأخلاق الجاسِيَة (٣)، ليعم الصلاح والاستِصلاحُ، بما فطر عَليه من خلُق مطبوع ودعا إليه من تخلق مصنوع، فيتصاحب الناسُ مُؤتَلفين، وَيَتواصلوا متعاطفين، فَلهُ الحَمد على ما أنعمَ وأَلهم، وَصلَواتُه علَى هادي أُمتِهِ، وموضح شَريعته، محمد النبي وعلى آله وصَحابَتِهِ (٤).
أما بعد:
فإن أولى ما تأدَب به المهمل الغافِل، واتعظ به الفَطن العاقلِ (٥): كتابُ الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديهِ ولا من خَلفِه تنزيل من حكيم حميد، قد جَمع الله
_________________
(١) س: وصلاته وسلامه على محمد وآله وصحبه.
(٢) س: قال الشيخ الإمام العالم العامل العلامة الفاضل الكامل القاضي: أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي -﵀-.
(٣) الجاسية: الغليظة الصلبة. مادة جسي.
(٤) س: وأصحابه أجمعين.
(٥) س: ساقط "واتعظ. . . العاقل".
[ ٤٧ ]
فيه بوالغ الحِكمة والأمثال، وجعله تبيانًا لكل شيءٍ، وهدى ورحمةً، وبُشرَى للمسلمين (١)، فحقُ عبادُ الله أن يكونوا (٢) بكتابه مستمسكينَ، وبأَدبه آخذين وبحكمه وأمثاله معتبرين، فقد قال النبي - ﷺ -: "فضلُ القرآن على سائر الكلامِ؛ كفضلِ الله على خلقهِ" (٣).
وقال ابن مسعود (٤): إن كل مُؤدب يجب أَن يؤخذ بأَدبه، وإن أَدب الله هو القرآن، ولولا ما جُبلت عليه النفوس من ارتياحها إلى أَنواع تختلفُ، واستروَاحها إلى فنون تستطرف لكان كتاب الله تعالى كافيًا، وذكر غيره مُستَهجنًا.
حكى الأصمعي (٥) أَن أَعرابِيًّا وصى ابنَه عند موته فقال. يا بني، وصيتي إِياك مع وصية الله منجية، وإن الرضا بها القناعة، وعود الخير أَحمَدُ، وإني
_________________
(١) س: للمؤمنين.
(٢) س: قطع كبير، يبدأ من "بكتابه مستمسكين. . . ." إلى "من قلت تجربته خدع" عند الحكمة رقم ١٨ من الفصل الأول.
(٣) ضعيف، أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري، جزء من حديث، وقال: حسن غريب. رقم ٢٩٢٧ في ثواب القرآن، باب رقم ٢٥، ورواه أيضًا الدارمي ٢: ٤٤١، وابن عدي: الكامل ٥: ٤٨، وإسناده ضعيف، وراجع المناوي: فيض القدير ٤: ٤٣٤ رقم ٣٨٦٥.
(٤) هو عبد الله بن مسعود، وكنيته أبو عبد الرحمن الهذلي، من أكابر الصحابة علمًا وفضلًا، وهو أول من جهر بقراءة القرآن الكريم بمكة، وكان خادم الرسول وصاحب سيره، توفي سنة ٣٢ هـ. من مصادر ترجمته: الاستيعاب ٩٨٧ - ٩٩٤، وحلية الأولياء ١: ١٢٤، والعبر ١: ٣٣.
(٥) هو عبد الملك بن قريب بن علي بن أصمع، وكنيته أبو سعيد الأصمعي، من كبار العلماء والأئمة في الشعر والأخبار والنوادر، ولد بالبصرة سنة اثنتين وعشرين ومائة، وتوفي بها سنة ٢١٣ هـ. من مصادر ترجمته: نزهة الألباء ١٠٠، وابن خلكان ٣: ١٧٠ - ١٧٦، والمعارف ٥٤٤، وشذرات الذهب ٢: ٣٦.
[ ٤٨ ]
أسترعي لك بعد وفاتي الذي أَحسن إليك في حياتي: فأوَلى الأَمور بعد كتاب الله سنة رسول الله - ﷺ -؛ فقد قال -﵇-: "أوتيتُ جَوامِعَ الكَلِمِ، واختصرتْ إليَّ الحكمة اختصارًا" (١)، ثم بعد السنة أمثال الحكماء، وأقوال الشعراء، فقد قالَ - ﷺ -: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ لحكْمةً" (٢) و"إن من البيان لسحرا" (٣)، وقد ضمنت كتابي هذا: من سنة رسول الله - ﷺ - أحاديث وجيزة الألفاظ واضحة المعاني، ومن أمثال الحكماءِ، وأقوال الشعراءِ ما كان عذب البديهة سائر الذكر.
وجعلت ما تضمنه من السُنة ثلاثمائة حديث، ومن الحكمة ثلاثمائة فصل، ومن الشعر ثلاثمائة بيت، وقسمت ذلك عشرة فصُول، أودعت كل فصل منها ثلاثين حديثًا، وثلاثين فصلًا، وثلاثين بيتًا، فيكون ما يتخلل الفصول من اختلاف أجناسها أبعث على درسها واقتباسها.
_________________
(١) ضعيف، رواه أبو يعلى في مسنده عن ابن عمر. الجامع الصغير ٤٢ وضعيفه للألباني برقم ١٠٤٨، كما رواه أيضًا عن ابن عمر: البيهقي في شعب الإيمان ٢: ١٦٠ رقم ١٤٣٦، والدارقطني عن ابن عباس. فيض القدير للمناوي ١: ٥٦٣ برقم ١١٦٦.
(٢) صحيح، أخرجه البخاري عن أبي بن كعب ٨: ٤٢، في الأدب، باب ما يجوز من الشعر والرجز، والترمذي رقم ٢٨٤٧، ٢٨٤٨ في الأدب، باب ٦٩، والدارمي ٢: ٢٩٧، وأبو داود رقم ٥٠١٠ كتاب الأدب، باب ما جاء في الشعر، والموطأ ٢: ٩٨٦، وأبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال ص ٦ رقم ٧.
(٣) صحيح، أخرجه البخاري عن ابن عمر ٧: ١٧٩ في الطب، باب: إن من البيان لسحًرا، والموطأ ٢: ٩٨٦ في الكلام، باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وأبو داود رقم ٥٠٠٧ في الأدب، باب ما جاء في المتشدق في الكلام، والترمذي رقم ٢٠٢٩ في البر، باب ما جاء في أن من البيان سحرًا، وأبو الشيخ الأصبهاني في الأمثال ص ٧ رقم ٨.
[ ٤٩ ]